مقالات

الايام الحاسمة التي سبقت ورافقت ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ .

هيئة التحرير .

 ثابت حبيب العاني .

في الأيام التي سبقت 14 تموز عام 1958، بلغت التناقضات أوجها داخل الحكم وفي المجتمع. وانقطعت كل أواصر التخاطب بين الحكم وبين الشعب وقواه الوطنية. وبلغ القهر والظلم أوجه. وأضحى الشعب على استعداد ومتهيأ لإجراء أي تغيير في الحكم وأساليبه. وغدت الارهاصات الثورية بادية للعيان بعد أن ملّ الشعب من الانتخابات الصورية وتزويرها، ومن فوز النواب بالتزكية. كما بدأت موجة من الانتفاضات الفلاحية في مناطق متفرقة في العراق من الدغارة إلى فلاحي ديزه ئي، ومن الشامية إلى هور الشيخان. وقام المواطنون بتقديم الدعم والمساندة للفلاحين المعدمين. وأرسل الحزب حشداً من محاميه للدفاع عن الفلاحين، وامتلأت جدران العاصمة والمدن الأخرى بالشعارات التضامنية مع الفلاحين ومطلبهم الرئيس في المناصفة في الحاصل. كل تلك الأحداث وفرت أجواء مؤاتية لتحرك الضباط الوطنيين وارتفاع معنوياتهم وحماسهم للتغيير.
وبلغت التحضيرات أوجها من أجل المبادرة بتوجيه الضربة القاضية بالنظام. وبادرعبد الكريم قاسم، الذي كان على اتصال بالحزب الشيوعي، بإعلام الحزب بالخطة القريبة المقبلة. مما دفع الحزب إلى إصدار توجيهاته والاستعداد للحدث. كما تم إعلام كل من محمد حديد من الحزب الوطني الديمقراطي، و صديق شنشل (حزب الاستقلال) وفؤاد الركابي(حزب البعث) بالتحرك، ولكنهم لم يصدروا نشرة وتوجيهات لأنصارهم يدعون فيها إلى التعبئة والاستعداد لدعم الثورة على غرار ما فعل الحزب الشيوعي. لقد كان توقيت ثورة 14 تموز منحصراً بحلقة ضيقة من الضباط لتأمين سريتها. وهؤلاء الضباط هم كل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد اللطيف الدراجي، الذين اتفقوا على عدم اشراك مجاميع اخرى. ففي الاجتماع التحضيري في بيت عبد الوهاب الشواف، حصل شبه جدال داخل هذه المجموعة أي بين عبد الكريم قاسم من ناحية وبين رجب عبد المجيد، الذي كان يعتبر نفسه سكرتير حركة الضباط الأحرار. مما حدا بعبد الكريم قاسم إلى الخروج من الاجتماع دون ان يشترك في تناول “السمك المسكوف”، حسب ما ذكره عبد الوهاب الشواف في وقت لاحق.
وفي يوم 12/7/1958، دُعينا، أنا وصالح دكله، إلى لقاء مع جمال الحيدري في أحد البيوت الحزبية في الكاظمية في الساعة الثالثة بعد الظهر. وتحدث في اللقاء جمال الحيدري عن أن العراق يقف على مشارف حدث عظيم، مما يستدعي الاستعداد لاستقبال هذا الحدث وبذل الجهود وتحشيد الطاقات وتهيئة منظماتنا ورفاقنا لاستقباله. وقد طالبنا الحيدري بإخلاء بيوتنا من الوثائق الحزبية. وفي نهاية اللقاء قرأ جمال الحيدري علينا توجيهات الحزب المعروفة في 12/7/1958، والتي تضمنت توجيهات المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي لاستقبال أي طارىء يحدث في البلاد، دون الإشارة إلى ثورة أو ما شاكلها. ومع الاسف نجد أن عزيز الحاج يشكك في معرفة الحزب بانطلاقة ثورة تموز كما أشار في كتابه “من الاعوام”. لقد نصت توجيهات الحزب على ما يلي:
” نظراً للاوضاع السياسية المتأزمة ، الداخلية والعربية ، ووجود احتمالات تطورها بين اونة واخرى ، وبغية ضمان وحدة النشاط السياسي لمنظماتنا الحزبية في الظروف الطارئة والمعقدة، نرى من الضروري التأكيد في الوقت الحاضر على ان شعاراتنا الاساسية هي : 1 ـ الخروج من حلف بغداد ، والغاء الاتفاقية الثنائية مع بريطانيا والوقوف ضد مبدأ ايزنهاور . 2 ـ اطلاق الحريات الديمقراطية لجماهير الشعب ( حرية التنظيم الحزبي والنقابي وحرية النشر والاجتماع … الخ ) واعلان العفو العام عن المحكومين السياسيين واطلاق سراحهم، وإلغاء المراسيم والقوانين التي تستهدف ضرب الحركة الوطنية . 3 ـ اتخاذ التدابير الفعالة لحماية ثرواتنا الوطنية واقتصادنا الوطني والعمل على حل المشاكل المعاشية لجماهير الشعب . 4 ـ قيام حكومة تنتهج سياسة وطنية عربية مستقلة تدعم نضال الشعب اللبناني وسائر الشعوب العربية وتخدم السلم … وتحول ” الاتحاد العربي ” الى اتحاد حقيقي بين العراق والاردن يضمن مصالح شعبنا ويخدم النضال ضد الاستعمار والصهيونية ومن اجل الوحدة العربية واقامة اتحاد فيدرالي مع الجمهورية العربية المتحدة . ” ونرى من المناسب التأكيد على: 1 ـ ضرورة تجنب ابراز شعارات مبهمة او متطرفة او تلك التي تمجد هذا الزعيم او ذاك من قادة الحركة الوطنية او العربية على حساب طمس شعاراتنا الاساسية ، والتقليل من شأن نضال الجماهير الشعبية والجبهة الوطنية . 2 ـ ضرورة ابداء اليقظة السياسية العالية تجاه مختلف المناورات والمؤامرات وتجاه نشاط عملاء الاستعمار ، والعمل بحزم وبامانة تامة لسياسة الحزب، واعتبار واجبنا الاساسي في كل الظروف هو تعبئة اوسع الجماهير الشعبية ولفها حول الشعارات الصائبة في اللحظة المعينة ، وحول الشعارات الكبرى لحركتنا الوطنية الديمقراطية”. ولقد شدد الرفيق جمال الحيدري على أن لا تقع هذه الوثيقة في يد أحد، وأن ينقل مضمونها شفهياً إلى العقد التنظيمية الرئيسية.
في مجرى الاعداد للثورة، وقعت كارثة كادت أن تؤدي إلى التخلي عن الشروع بالثورة أو فشلها. ففي أثناء توجهي إلى الموعد الذي أشرت إليه مع الرفيق جمال الحيدري، التقيت بطارق عيسى طه رفيقنا في الحركة الطلابية … وقال لي في حينها ….الله جابك!!!. وسألته ماذا حدث؟…. فأجابني لقد تم اعتقال حكمان فارس، واستولت الشرطة على المطبعة!!!. وبدوري أخبرت جمال الحيدري بالحادث ولم يكن له علم بذلك. وقال انه من غير المعقول. وقد أكدت له هذا الخبر من المصدر الذي سمعت منه. وبعد مغادرة جمال الحيدري بقينا صالح دكلة وأنا، وعبرنا أثناء الحديث عن شكوكنا وضجرنا، حيث كان يجري بين الحين والآخر تحديد موعد، ولكن لم يحدث أي شيىء يذكر. ولكننا ما جلب انتباهنا هذه المرة هو التوجيه الذي بُلغنا به، وليس كما هو الحال في المرات السابقة بدون توجيه. مما يعني إن هناك احتمال كبير بحدوث شىء أكثر أهمية مما في السابق. وذهب كل منا في طريقه لإبلاغ رفاقنا بالتوجيهات.
في ليلة 12-13/7/1958، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على حكمان فارس كما أشرت. وكان حكمان فارس أحد المسؤولين عن تنظيمات الحزب في المجال العسكري، أي التنظيم الذي كان مكلفاً بعملية الأعداد للثورة. وكان حكمان فارس يحمل عند اعتقاله مواد للطبع في جريدة “حرية الوطن” لسان حال “اللجنة الوطنية لاتحاد الضباط والجنود”. كما أُلقي القبض على الرئيس فاضل البياتي المسؤول عن قاطع مهم من تنظيم الحزب العسكري، وعلى حمزة سلمان المرشح للجنة المركزية. وكان لصمودهم واحتفاظهم بأسرار الثورة أثر كبير في تفادي كشف الحركة التي ستطيح بعد يومين بالحكم الملكي. إلاّ أن هذا الحادث عرقل وأوقف حركة إبلاغ جميع الشيوعيين العسكريين، وأضعفت في النهاية مساهمة العديد منهم في الثورة في ساعاتها الأولى. وفي اليوم التالي أي بتاريخ 13/7/1958، لم أستطع ايصال التوجيهات إلى الجميع وتوزيع كل المناشير. وكان لي في حينها موعداً مع مسؤول المثقفين وكان عليّ الاتصال بالشهيد محمد الجلبي، ولم يتسن لي ذلك. ولذلك لم استطع إبلاغ خط المثقفين بالتوجيهات. واقتصر إيصال التوجيهات إلى تنظيم الكاظمية وإلى تنظيم الطلبة في بغداد. ولم استطع إيصال التوجيهات إلى عبد الرزاق الصافي، وقمت باخلاء بيتي من الوثائق الحزبية.
إن تسلسل وقائع الثورة سجلت مساهمات متميزة للشيوعيين من الضباط وضباط الصف والجنود في القطعات العسكرية التي تحركت في الرابع عشر من تموز للاطاحة بالملكية. فقد كُلف سعيد مطر بالتوجه صوب معسكر الرشيد لاعتقال رئيس أركان الجيش رفيق عارف والسيطرة على المعسكر ضمن وحدة من الضباط وضباط الصف والجنود. وتوجه علي شريف، من أهالي السليمانية، ضمن مفرزة عبد اللطيف الدراجي للسيطرة على وزارة الدفاع ومديرية الشرطة العامة ومتصرفية لواء بغداد. كما توجه مصطفى عبد الله مع مفرزة مدرسة المشاة في الوشاش إلى قصر الرحاب لدعم القوى التي تحاصر القصر، ولعب دوراً مهماً في السيطرة على القصر وجُرح خلال ذلك. وقاد عبدالرزاق غصيبة مفرزة المدرعات من كتيبة صلاح الدين لاسناد القوى التي تحاصر القصر. أما المفرزة التي توجهت إلى بيت نوري السعيد فكانت بقيادة الشهيد وصفي طاهر ويرافقه بهجت سعيد الذي ارتبك قبل ان يصل إلى البيت، وأطلق عيارات نارية بلا هدف، مما اعطى الفرصة لنوري السعيد بالهرب الى بيت دكتور في منطقة الكرادة الشرقية، لا أتذكر اسمه. وقام هذا الدكتور بنقل نوري السعيد الى بيت الاستربادي في الكاظمية. أما المفرزة التي توجهت إلى مقر قوات الشرطة فلم يشارك بها أحد من رفاقنا. وشارك في المفرزة التي توجهت الى الاذاعة رفيقنا كمال نعمان ثابت. ومع ذلك لم تكن مساهمة رفاقنا بمستوى قوى الحزب الموجودة في القوات المسلحة. كما لعب الشيوعيون العسكريون دوراً هاماً في شل محاولات التعرض للثورة وإحباطها، وخاصة تحرك قائد الفرقة الأولى عمر علي في الديوانية. ويشار هنا إلى مبادرات الرئيس الاول كاظم عبد الكريم والرئيس جواد كاظم النعيسي والملازم الأول احسان البياتي في السيطرة على مقر الفرقة الأولى. كما لابد وأن أشير إلى الموقف المؤيد للثورة الذي أبداه العقيد طه البامرني آمر الحرس الملكي في قصر الرحاب.
وما دمنا نتحدث عن دور الشيوعيبن العسكريين في انجاح الثورة، فإنه لمن الأمانة الإشارة إلى مأثرة الملازم الأول رشاد سعيد، آمر مخازن العتاد في معسكر منصورية الجبل، الذي زوّد لواء الثورة (اللواء العشرين) بالعتاد سراً أثناء توجهه إلى الاردن عبر العاصمة خلافاً للاوامر المشددة التي تمنع تزويد القطعات التي تمر عبر بغداد بالعتاد.
في صبيحة 14 تموز عام 1958، وكنا نائمين فوق سطح المنزل على عادة البغداديين في فصل الصيف، فسمعت أول اطلاقات العيارات النارية وصوت المدافع. ونزلت مباشرة من سطح المنزل، وطلبت تاكسي ولم تكن الخطوط التلفونية مقطوعة بعد. جاء التاكسي وكان لنا علاقة طيبة مع شركة لسيارات الأجرة، وكان أصحابها متعاطفين معنا خاصة عندما كان يداهمنا رجال الأمن أو يستفسروا عنّا ضمن مسعاهم للحصول على معلومات عن القاطنين في المنطقة. وكان أصحاب الشركة يطلبون منا اتخاذ الحذر والحيطة. وطلبت من سائق التاكسي أن يفتح الراديو. وقال صاحب التاكسي الآن في الراديو فترة قراءة القرأن، ولكنني كررت طلبي ورجوته أن يفتح الراديو. وبعد دقائق وبعد أن تلى المذيع “بسم الله الرحمن الرحيم”، قطع المذيع البرنامج وأُذيع البيان الأول للثورة. وفي الحال ترك السائق مكانه وشرع بتقبيلي، وسألني هل انت نبي؟ . وأردف قائلاً….. هم زين خلصنا من نوري السعيد. وتوجهت إلى بيت عبد الرزاق الصافي في الكرادة الشرقية، ورفض صاحب التاكسي اخذ الاجرة مني رغم إلحاحي. كان عبد الرزاق نائماً فأيقضته، ولم يكن له علماً بما يحدث. فقلت له أصحى لقد قامت الثورة. ثم ذهبت الى بيت علي ياسين من منظمة المثقفين وأخبرته بالحدث. واصطحبت عبد الرزاق الصافي وتوجهنا إلى الاعظمية. وخلال مرورنا بشوارع العاصمة، تناهى إلى سمعنا اعتقال عبد الاله ، وفي طريقنا إلى قصر الرحاب رأيت رجلاً مقتولاً يرتدي بنطلون قصير خاكي، اتضح أنه خادم لدى العائلة المالكة. ثم توجهنا إلى ساحة التحرير حيث تجمعت هناك جماهير غفيرة. وكانت تردد شعارات تختلف عن شعاراتنا، حيث كانت تمجّد جمال عبد الناصر. ولكن سرعان ما تغيرت الهتافات لتطالب بسقوط حلف بغداد وتوفير الحريات الديمقراطية وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وحدث انعطاف صوب شعاراتنا. شاركت فرحة العراقيين، وهتفت في الجموع بشعارات الحزب إلى أن بح صوتي. وعندما ذهبت للقاء الرفيق سلام عادل، انتبه إلى بحة صوتي وقال……ما هذا؟. فقلت له من هتافاتي في المظاهرات. فقال لي كيف تهتف وانت القائد!!!. قلت له عليّ أن انفذ توجيهات الحزب. فأجابني…الجماهير تنفذ وانت توجّه وتقود. وعبّر الرفيق عن استياءه، واصدر توجيهاً حزبياً حول هذا الحدث، حيث أكد على كوادر الحزب أن تلعب دورقيادة الجماهير.
وهكذا انهار النظام الملكي خلال ساعات وانتصرت الثورة. وتداعت سلطة الحكم الهشة في كل العراق، ولم يدافع عن النظام إلاّ النزر اليسير. فقد أراد عمر علي قائد الفرقة الأولى التحرك، ولكنه صُدّ من قبل رفاقنا الضباط الموجودين في الفرقة، ومنهم الشهيد كاظم عبد الكريم، الذي اغتيل على يد الانقلابيين في شباط عام 1963، وهو شقيق رفيقنا مهدي عبد الكريم. كما ساهم جواد كاظم النعيسي واحسان البياتي في ردع عمر علي قائد الفرقة الأولى حيث كان هؤلاء الضباط الثلاثة من ضباط الفرقة الأولى. فقد استطاع هؤلاء السيطرة على الفرقة خلال فترة وجيزة وبدعم من جماهير وفلاحي مدينة الديوانية، مما أفشل أي تحرك مضاد للثورة. كل ذلك دفع عمر علي بالذهاب إلى بغداد وتسليم نفسه. وفي المسيب، كان النظام يعتمد على اللواء الموجود هناك ويدعى لواء أمن بغداد، وكان بقيادة توفيق عارف وهو أخ رئيس أركان الجيش رفيق عارف. ولكن فاضل المهداوي وعدد من الضباط استطاعوا السيطرة على اللواء واعتقلوا قائده. وحاولت فلول من النظام السابق القيام بأعمال تخريبية كحرق مخازن الوقود في كمب الكيلاني، ولكن جرى السيطرة على الحريق الضخم خلا يوم أو يومين، وبذلك انتهى عهد النظام السابق ودخلت البلاد في مرحلة جديدة.
في ذلك اليوم وقع الاختيار عليّ لمرافقة الشهيد سلام عادل، وانسحبت من منظمة بغداد. وطلب مني سلام عادل أن أكون معه في مقر الحزب الذي اقمناه في مشتمل يعود لكمال عمر نظمي وبديع عمر نظمي على نهر دجلة قرب جسرالصرافية في العطيفية. وكان يوجد في المشتل تلفون، ويتكون من ثلاث غرف مع صالة وحديقة. وفي الحقيقة لم يكن عمر نظمي موجوداً في البيت، إذ كان خارج العراق. ولذلك أصبح المنزل تحت تصرفنا. وفي بعض الاحيان كنا نحصل على وجبات لذيذة من قبل الشغيلة الموجودين فيه. لقد استقر في المشتمل كل من سلام عادل وجمال الحيدري وعزيز الشيخ وانا، وأصبح البيت بمثابة مقر الحزب الرئيسي. وكان عامر عبد الله في حينها خارج العراق، وقسم آخر من رفاقنا قابعين في السجون. أما الرفيق جورج تلو فقد تولى مسؤولية منظمة كردستان، وتولى صالح دكلة مسؤولية المنظمة المحلية في بغداد.
وهكذا تحوّل البيت إلى خلية نحل تتلقى الأخبار والمعلومات والتطورات، وتصدر التوجيهات إلى المنظمات الحزبية. وصدرت أولى التوجيهات إلى المنظمات الحزبية ، وقد كتبها سلام عادل بخط يده. كما وجه الرفيق سلام عادل أول برقية للتهنئة إلى قيادة الثورة أرسلها من دائرة البريد المركزية في شارع الرشيد، وسلّمت نسخة منها إلى عزيز الشيخ لإيصالها إلى صدّيق شنشل، وزير الاعلام، إذ كان عزيز الشيخ على صلة به أثناء العمل في جبهة الاتحاد الوطني. ولكن البرقية لم تقرأ في الراديو. وكان هذا أول موقف سلبي أزاء الحزب. وأصدر الحزب بيانات اخرى، وأعلن فيها عن وضع كل امكانيات الحزب تحت تصرف حكومة الثورة.
وعندما نزلت القوات البريطانية على الأراضي الأردنية والأمريكية على سواحل لبنان، تحدثت بالتلفون مع أحمد صالح العبدي وعبد السلام عارف ومع رفعت الحاج سري معلنين التضامن والدعم. في يوم 15/7/1958، طلب سلام عادل مني شراء سيارة للحزب، لأن الحزب كان لا يمتلك سيارة. فقلت له ليس لي خبرة في السيارات، فاعطاني 500 دينار وقال لي اصطحب معك عصام القاضي. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر ذهبنا الى الباب الشرقي وكانت هناك معارض للسيارات، فاخترنا سيارة “فوكس هول” حمراء اللون بقيمة 500 دينار معتمدين على خبرة عصام القاضي ودرايته بالسيارات. وفي 15 تموز استلمت السيارة، وقمت بقيادتها لاني كنت أعرف السياقة. وفي يوم 16 منه رافقت العائلة بالسيارة لمشاهدة بيت نوري السعيد وقصر الرحاب، مع جموع الناس التي كانت تذهب لمشاهدة تلك المواقع.
وفي اثناء قيامنا بدفع ثمن السيارة، لمحنا الدبابات التي كانت مستقرة في ساحة التحرير تتجه نحو الكرادة. وشاهدنا الجموع تركض وركضنا معها، وتساءلنا ما الخبر؟. فقالوا لنا ان نوري السعيد قد قتل في ساحة النصر. كان المنظر رهيب جداً، وخاصة تلك الجموع الكبيرة من الشباب والمتدفقة نحو الساحة. وبعدها اتت مدرعة يستقلها الشهيد وصفي طاهر، وأخذ جثة نوري السعيد الى وزارة الدفاع. واخبرت الشهيد سلام عادل بالحدث، فطلب مني الاتصال بالاذاعة، فرد علي عبد السلام عارف فاخبرته بالحدث ايضاً، فقال لي صحيح….الله يبشرك بالخير. هذه كانت قصة مقتل نوري السعيد.
وبعد ثورة 14 تموز عمل الرفاق سلام عادل وعزيز الشيخ والحيدري بدأب على كتابة التوجيهات والبيانات ونقوم يتوزيعها. وكان من أول البيانات التي أصدرها الحزب هو البيان الخاص بإدانة إنزال القوات البريطانية والامريكية في الأردن ولبنان. وورد في البيان توجيه الدعوة للشيوعيين لوضع كل طاقاتهم لدعم الجمهورية. كما أشير في البيان إلى استعداد الحزب لوضع كلطاقاتهم لدعم الجمهورية، ووضع كل امكانياته تحت تصرف حكومة الثورة. كما صدرت بيانات متتالية، ومن جملتها بيان يتضمن دعوة لتطهير جهاز الدولة والمطالبة بالحريات الديمقراطية واطلاق سراح السجناء السياسيين. ولعبت تلك البيانات دوراً في تعزيز دور الحزب، وتعبئة الجماهير للدفاع عن الجمهورية.
إنها المرة الأولى في تاريخه، يضع الحزب الشيوعي العراقي كل امكانياته تحت تصرف الحكومة، رغم أنه كان الحزب الوحيد في جبهة الاتحاد الوطني الذي لم يكن مساهماً في الحكومة الجديدة ، وليس لديه أي ممثل فيها. فلم يشكل ذلك مانعاً أمام دعم الحزب للثورة، وكان هذا تعبير عن االشعور العالي بالمسؤولية من قبل الحزب. لقد حاول الحزب، ومنذ انتصار ثورة 14 تموز، دعوة كل الاحزاب الاخرى لعقد اجتماع من أجل تطوير الجبهة ودراسة وتقييم ظروف الثورة وآفاق تطورها. ووجه الحزب عدداً من الرسائل بهذا الخصوص إلى الاحزاب الاخرى. ولم نستلم حينذاك أي رد عليها.
في نهاية شهر تموز، طلب منا الشهيد سلام عادل التحرك. وقد توجهنا إلى محمد حديد وإلى حسين جميل وصديق شنشل وفؤاد الركابي، وطلبنا منهم الرد على رسائل الحزب المذكورة اعلاه، والتي تتضمن طلباً لعقد اجتماع لجبهة الاتحاد الوطني. وتذرّع الجميع بانشغالهم في اجتماعات مجلس الوزراء. وقمنا، عزيز الشيخ وأنا، بزيارة فؤاد الركابي الذي كان يسكن في بيت متواضع في الاعظمية قرب مستشفى النعمان. استقبلنا الرجل باحترام، وبعد تبادل السلام تذرّع هو الآخر بانشغاله. فأجابه عزيز ليأتي أي شخص آخر من حزبكم إلى اللقاء. ولقد فُسر هذا التبرير والموقف على أنه محاولة لتهميش الحزب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*صفحة من مذكرات الفقيد ثابت حبيب العاني
2013 / 7 / 10

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com