أبحاث

من مسارات الحروف وكواليس الكتـابة .الحلقة٣٢.

بيدر ميديا.."

من مسارات الحروف وكواليس الكتـابة .

د.خيرالله سعيد.

* الـدراسات التـراثـية والفـولكلـور العراقي – ح 32
” حين انتهـيت من عـملي في ” موسوعة بغـداد الثقافية في العصر العبّـاسي ” كانت الآفـاق الثقافية الرحبة قـد فُـتحت أمـامي بشكلٍ واسع، وصارت كل مسارات وزوايا الثقافة العراقية حاضرة في ذهـني، ومُـدوّنة في ” كشاكيلي ” فقد كانت هذه ” الكشاكيل ” ترافقني على الدوام، وأنـا أقرأ في كل المصادر والمراجع، والتي اطلعت عليها وأنـا أعِـدُّ العِـدّة للخوض في موضوعات التراث العبّـاسي، ومـا يُـحيط بـهِ من مُـلحقـاتٍ أخرى، تصُب في بحر هذه الثقافة الواسعة للعراق، فكانت بعض المعلومـات والأفكار تسحبني نحو أعمـاقهـا، فـأتيه معهـا وأسرحُ في خيالاتٍ وأفكـار تـأخُذني بعيداً بعيداً، وأنـا أُدوّن بعضهـا في ” دفاتري” وأستمتـع بمفرداتهـا البسيطة، النابعة من أعمـاق النـاس، فـأتيه مرّة مع ” مَـوّالٍ ” أنشدهُ فـلاحٍ وهـو يعتلي نخلـةً عيطـاء ، أو عتـابةَ بـدوّيٍ، يكسرُ بهـا صمت الصحراء، أو ” دارمّيٍ ” يقُضُّ مضاجع العشّـاق، كتبهُ عَـتّـالٍ أثناء استراحةٍ بعد عملٍ مضـنٍ ، أو آهـةُ عاشقـةٍ نفثـهـا صدرهـا الملئُ بالأحزان، فـأنفثهـا في صوتِ مُـغـنٍ كان يشدو في أواخر اللّـيل، أو ” هـوسـةَ مهـوالٍ ” قالهـا في نـوبةِ تحـدٍّ، أثناء ” عـراضةٍ “، أو صوتِ بَـلاّمٍ كان يتهـادى مع الموج، وهـو يرمي شباكه في نهـرِ دجلـة، أو حسراتٍ إمـرأةٍ جنـوبية، تـنوحُ ببعض الكلمـات الشعرية الحزينة، وهي تـطحـن على ” المجرشة ” بعض حبوب الحنطة أو الشعير .
* تـهـُزّني تلك الموضوعات الشعبيّـة، وتتـسَـلّـل إلى روحي يومـاً بعـد يوم، حتى صار ” الشعر الشعبي ” المفردة التي أتخاطب بهـا مع نفسي، أو أُعبّـر بهـا عـن ذاتي، وصارت ” كل أوزان الشعر الشعبي” حاضرة بـذهني، بشكلٍ يسير، وراحت موضوعات التراث الشعبي، تجد لهـا حيّـزاً كبيراً في مساحـات كتـاباتي وأبحـاثي التراثية، وصرتُ أهـتم أكثر بكشاكيل موضوعات التراث الشعبي، فهـناك كشكولٍ خـاص للشعر الشعبي، وآخر للأبوذية، وثالث للمـوال، ورابع للعـتـابة، وخـامس للنـايل، وسادس للـدارمي، وسابع للأمثال الشعبية، وثامن للهـوسات والأهـازيج، وتـاسع لأحـاديث السمر وحكايا العُشّـاق، وعـاشرٌ للحـزّورات أو الألغـاز ، وهكذا أفتحُ دفتراً أو كشكولاً لكلِ موضوع في التراث الشعبي ، وبين الحين والآخر، أكتبُ بحثـاً في أحدِ هـذه الموضوعات، فبدأت أولاً بكتابة ” دراسة عـن المـوال العراقي ” كتاب ” ونشرتهُ في ” مجلة الثقـافة الشعبية ” الصادرة في البحرين، وصدر الكتاب في عام 2014 .
وكانت هذه ” المجلة الدورية ” تنشرُ لي غالبية الأبحاث والدراسات الفولكلورية والشعبية، التي كنت أبعثهـا إليهـم، إضافة إلى ” مجلة الفيصل ” السعودية، أو ” مجلة المـوروث ” الإماراتية ، الفصلية التي تصدر عـن ” معهـد الشارقة للتراث ” إضافة إلى مـا أنشرهُ في ” مجلة آفـاق الثقافة والتراث ” الصادرة في دُبي ، وغيرهـا من المجلاّت الدورية المختصّـة بالأدب الشعبي والفولكلور، وصار إسمي مُـتداولاً ومعرفـاً في تلك المجلات الدورية، ولكن المجلات العراقية لم تنتـبه إليّ قـط .
* منذ عـام 2012 ، رحتُ أعـير التراث الشعبي العراقي إهـتماماً أكثر من التراث الفصيح، وصارت قـراءاتي فيه مُـركّـزةً بشكل أكثر، وتخضع لمنهجية أكـاديمية صارمة، وصرتُ مُـتابعـاً لكل ما يُنشر، من غـثٍّ وسمين، عـن التراث الشعبي العراقي أولاً ، والتراث الشعبي العربي ثـانيـاً، حتى أن الكثر من ” محـاضراتي الثقافية الأسبوعية ” والتي كُـنّـا نقيمهـا في ” المُـنتدى الثقافي العراقي ” في ” غُـرف البـالتوك” على النت . ثم صار الفضاء الأوسع لهذه المحاضرات ضمن ” منصّـات الـزووم ” كمنصّة ” الصالون الثقافي العراقي ” في لوس أنجلس ” وغيره من الصالونـات الثقافية والفكرية المتعـدّدة .
* * *
* الإستفـزازات المعـرفية تخـلق الإبــــــداع :
قرأتُ في إحـدى المجلات والصحف العربية، خـبراً يُفيد بـ ” صدور موسوعـة التراث الشعبي العربي ” في 6 أجزاء، متوسطة الحجم، تحت إشراف الباحث المصري الكبير د. محمد الجـوهـري، ومجموعـة من الباحثين المصريين، حوالي 20 باحثـاً مختصّـاً، وصدرت هذه الموسوعة بطبعـتهـا الأولى والثانية عـن ” الهـيئة المصرية لقصور الثقافة في مصر ” وصدرت في عـام 2012 ، ضمن سلسلة الدراسات الشعبية ، فاتصلت مباشرة بالصديق المصري الكـاتب ” سيّـد الهـادي ” وهـو كان ” الملحق الثقافي في السفارة المصرية في أوتــاوا” . وطلبت منه تلك ” الموسوعة ” فقـال : أنـا الآن في القـاهرة، وبعـد إسبوعين سـأعـود إلى أوتــاوا، وستكون ” الموسوعة : معي ، فشكرته على ذلك، وفعـلاً جاء بهـا بعـد إسبوعين، وسَـلّمهـا لي، ورفض أن يـأخذ حقّـهـا المـالي، فشكرته ثانيةً، وأهديته بعض كتبي المنشورة .
* مـا أن استلمت الموسوعة، حتى سهرتُ معهـا في تلك اللّيلة، ورحتُ أقرأُ فيهـا بشغفٍ عارم، فهي موسوعة فـريـدة، ورحتُ أسجّل عليهـا مباشرة ” إسقاطاتي الفكرية، وملاحظـاتي العلمية، أو أضع على بعضِ أسطرهـا أو صفحاتهـا ” اللّـون الأصفر البرّاق – SPOTLITER ” حتى أنهيت الجزء الأول في إسبوعٍ واحـدٍ، ثم أكملت بقية الأجزاء، ودرستهـا بشكلٍ عميق ومُـركّـز، حتى بـدأت صفحات تلك الموسوعة تمـتلأ بملاحظـاتي وإسقاطاتي الهـامشية، ثم بـدأت أضع ” خطّـة أكـاديمية ” للرد والتصحيح على مـا جاء بتلك الموسوعة، فيمـا يخص ” التراث الشعبي العراقي” حيث أن مُجمل مـا كُتب عـن هذا التراث الشعبي، لا يزيد عـن ” 10 صفحـات ” لا أكثر، وقـد استفزّتني تلك الموسوعة، بذكرهـا واحداً فقـط من الكُـتّـاب العراقيين هـو ” الأستاذ إبراهيم السامرّائي ” والأنكى من ذلك أن من كتب تلك الصحات العشر، هـو أستاذ مصري ، وليس عراقي، هـو الأستاذ د. إبراهيم عبد الحـافظ، وهـو أستاذ متخصّص بمـادة ” الفنـون الشعبية بمصر ” ويعمل مستشاراً بمركز البحوث والدراسات الإجتماعية بكلية الآداب جامعة القـاهرة، إضافة إلى مراكز بحثية أخرى، ولكنه ليس لديه أيّ عملٍ فولكلوري عـن التراث الشعبي أو الفولكلور العراقي.
* فرضتُ على نفسي خطّـاً منهجيّـاً في البحث، عـندما شرعت أكتبُ ردّاً على ” موسوعة التراث الشعبي العربي” حيث أخضعت هذا المنهـج في البحث إلى مسـالتين أسـاسيّتين، الأولى : الإشارة المصدرية إلى أيِّ مـادة وردت في تلك الموسوعة ، وحسب أحرفهـا الأبجدية الواردة فيهـا، والثـانية : تـأصيل كل ظاهرة فولكلورية عراقية ” بامتـداداتهـا التاريخية، بِـدأً من التراث السومري، ووصولاً إلى آنِـنـا المعـاصر، كي أُحقِّـق مسـألتين علميتين : الأولى – أسبقية الظاهرة الفولكلورية العراقية في التـأريخ، مقارنة مع أيّ ظاهرة فولكلورية عـند شعوب الأرض كافة، منطلقـاً من عبارة ” قـارئ السومريات صموئيل نـوح كريمر ” التـاريخ يـبدأ بسـومر ” كي تكون لي حُجّـة معرفية في هـذا التـأصيل التـأريخي أولاً، وبـذا تسقط كُـل الإدعـاءات التي تـدّعي أسبقية الظهـور في الجانب الآنثروبولوجي والتاريخ الشعبي لهذه الظاهرة أو تـلك .
المسـألة الثانية : هي وضع ” برنـامج أكـاديمي تـدريسي ” لدراسة الفـولكلور العراقي، بهذه المنهجية المُـتّـبعة، وإلـزام الدارسين بهـا، طُـلاّبـاً كـانوا أو باحثين متخصِّصين في مجال الفولكلور، لأن ” الشرق حـاضن الفـولكلور، وحاضره الأبعـد العِـراق ” كما يقول جيمس فريزر في ” الغُصـن الذهبي ” وبهذا الأسلوب من البحث العلمي، نستطيع أن نقـرأ أبعـاد الفولكلور العراقي بشكلٍ منهجي، ونُطبّـق عليه هذه القـواعـد العلمية في البحث .
* وعلى هذا الأساس من التصوّر العلمي، وضعـتُ ” موسوعة التـراث الشعبي العراقي في 10 مجلداتٍ ضخمة ” كردٍّ منهجي على ” موسوعة التراث الشعبي العربي” من جهـة، ومن جهـة أخرى سَـدُّ الفـراغ في المكتبة العراقية أولاً ، وفي المكتبة العربية ثانيـاً. لأنه ليس هُـناك ” موسوعة فولكلورية عراقية ” من قبل، وعليه وضعـتُ ” مُـقـدِّمـة ” هامة جـداً لهذه الموسوعة الشعبية،ليَـطَّلعَ عليهـا كُـلّ باحثٍ في الفولكلور العراقي أولاً، والباحثين العرب ثـانيـاً، وثالثـاً، تكون هذه المقدمـة بمثـابة ” المفـاتيح المعرفية ” لدراسة كل جـوانب الفولكلور والتراث الشعبي العراقي ، وإليكم هـذه المُـقـدّمـة :

المقـــدمـة :
يشـكّـل التـراث الشعبي العـراقي منظومة من المعارف الثقافية والمفاهيم المعرفية، مستندة في تراكمها ونشوئها الى عمقٍ تاريخي – حضاري، تمتـد جذوره الى العهـد السومري، في كثير من مفرداتـه وظواهره الثقافية، مروراً بالعصور البابلية والأكـديّـة والآشورية ، والإسلامية – العبّـاسية، وصولاً الى المرحلة المعاصرة.
وبالرغـم من تعـدد مصطلحات التعريف بالأدب الشعبي كونه: ( تعبيـر عن المجتمـع الشعبي نفسـه، من خلال الكلمة، او هـو الكلام المنطوق عن عامـة الشعب للتعبير عن نفسه، أو هـو تعبير جمـاعي عن تجربة إنسـانية من منظور جمعي ) . أي أن هذه التعابير والمصطلحات تهمـل ( هـوية القـائل الفردي) لكنها ، بنفس الوقت، تحـدد هـوية الجمـاعة الحاملة لمضمون هذه الهـوية، كـونها تعبِّـر عن الشعـور الجمعي، من جهـة، ومن جهـة أخرى، تُـعلِّـم على هذا، كونه يمثّـل عن انفعال عـاطفي أو فكري تنهـجه العـامة في أساليب تعبيراتها، وتقـدِّمـه بصيغته الساذجة، كـونه ينطلق من مجموعة أفراد ليس لهم كفاية من التعليم الأكاديمي، والغـالبية منهـم أُمـيّـون، لا يحسنون القراءة والكتابة، لكنّـهم يعبرون عـن ذواتهـم بحسٍّ مرهـف وبراءة واضحة، وعـفوية صادقة في اطـلاق تلك المشاعر، التي تُـدرك المضامين الروحية الكامنة في روح هـذا الشعب.
وتنفـرز حـالات الانفعال الفكري في التعبير عـن ( العـادات والتقـاليد) التي يمارسها عامة الناس، ويـدركونها بحسّـهم الفطري، ويتمايزون بها عن (التراث الرسمي) الذي يتّـخذ من (اللغة الفصحى) لغـة لكتابة ذلك الأدب، للتعبير عن مغـزىً معيّـن، فيما تكون ( لغـة البسـاطة) هي الدليل الأوضح لذلك الأدب الشعبي العراقي، ومن هـنا يطلقون عليه ( معنى السـذاجة) لأن هـذا الأدب الشعبي ينطلق من القريحة التي لا تُخضِع هذا الأدب الى (المنطق العقلي) بل تنطلق من العاطفة العليـا في لحظة الانفعال الوجدانية الخاضعة لهـوى القلب والروح دون تردّد أو انضباط، لذلك هـو (أدب مرهف) عالي الحساسيّة، صادق المشاعر والوجدان .
* والتراث الشعبي: هـو عـناصر الثقافة الحيّـة، أي تلك التي تتنـاقل من جيلٍ لآخر. وفكرة الانتقال للأشياء عبر الزمن هي المضمون الأصلي للمصطلح، وهي التي يلتزم بها في المقام الأول كل مشتغلٍ بهـذا الميدان .
ويرى د. محمـد الجوهـري ( مصر) : أن التراث الشعبي، هـو مجمل العناصر الثقافية الشعبية التي يختص بدراستها علم الفولكلور. ويقسِّـم تبعاً لذلك مـيدان التراث الشعبي الى أربعـة أقسـام رئيسية هي: ( المعـتقـدات والمعـارف الشعبية، والعـادات والتقـاليد الشعبية، والأدب الشعبي، والثقافة المادية والفنون الشعبية) ، ونحـن أميل الى هذه التقسيمات لمعنى التراث الشعبي .
وقـد ابتكر الكُـتّاب والباحثون العرب كلمة ( التراث الشعبي) من المصطلح الغربي ( Folklore ) في بداية الخمسينات من القرن الماضي، منهم: أحمد رشدي صالح، وفـاروق خورشيد، وفـوزي العنتيل، ونبيلة ابراهـيم، وحسين النصـار، في مصر، بينما أوّل من استخدم كلمة ( فولكلور) في الفكر العراقي هـو الأستاذ ( محمود العبطـة) ، كان ذلك في عام 1927م، وقـد استعارها من كاتبٍ بغـدادي مجهـول، كانت ( مجلة الثقافة – البصرية) الصادرة في عام 1948م، نشرت له مقالاً خـلا من ( توقيع الكاتب) جاء فيها: ( أن أوّل من أعـاد طَـرقِ هذا الموضوع، ولفت نظر العلماء إليه، هـو أحـد الأدباء الإنجليز – لا يخطر اسمه الأن- وذلك في سنة 1946م) ، وواضح أن الرقـم ( 1946) هـو خطأ مطبعي صوابه ( 1846م ) واسم الكاتب الإنجليزي الذي استخدم هذا المصطلح لأوّل مرة هـو ( تومس- W.J Thoms ) .
وكان الكاتب (البصري) قـد أشار الى ( أن بعضهم عبّر عن كلمة (فولكلور) بـ ( الخـلقـيات ) ، وهـو يرى أن ( أحسن ترجمة له هي ( ثقـافـة العـوام ) فإنها تفيد المعنى المقصود تماماً، ومع ذلك فإننا ننتظر من الأدباء وعلماء اللغة، ترجمة توافق المعنى، وتكون بكلمة واحـدة)
فتصدّى الأستاذ محمود العبطة، لشرح اصطلاح ( الخلقيات) بقوله: ( أن كلمة الخـلق- تعني الناس أو البشر أو العامة، كما هو مفهوم، وقـد استعملها الشاعر التركي( ضياء كـوك ألب) لأول مرة بدلاً من كلمة ( الفولكلور) في الأدب التركي، وهي تعني عند الأتراك: كل ما يتعلّق بالشعب ( آثار الشعب- أو المأثورات الشعبية) .مع ملاحظة أن عـامة أهل العراق يستخدمون كلمة ( الخـلگ ) للتعبير عن الخلق .
ومن الصعبِ ربط ظهـور الأدب الشعبي بتاريخ معيّـن، حيث ظلّ الأدب الشعبي مقروناً بالإنسان الأول الذي برز فوق سطح الأرض، وهو الذي أطلق عليه علماء الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا اسم (الإنسان البـدائي) صاحب المستوى الحضاري البسيط، ذلك الإنسان الذي مارس صراعه مع الطبيعة وقواهـا، فشكّـلت هذه الممارسات رصيده الثقافي والأدبي، فتوارثها أبناؤه عـبر العصور، ويتمثّـل هـذا الأدب البـدائي في (المـلاحم والأساطير والحكايات الخرافية وحكايات الحيوانات، وقد احتوت هـذه العناصر( العناصر السحرية والدينية، كالصراع مع الالهة، وتضمّـنت التاريخ الاجتماعي) .
وقـد استطاع الآركيولوجي العراقي الكبير د. طـه بـاقـر في كُـتبه : 1- مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة – جزآن. 2- مقدمة في أدب العراق القديم. 3- من ترثنا اللّـغوي القديم- ما يسمى في العربية بالدخـيل . فقـد استطاع هذا العالم الكبير من أن يربط لنا- في هذه المؤلّفات- التراث السومري العراقي القديم وما يترابط معه في السياق التاريخي للتراث الشعبي العراقي المعاصر، بحيث أننا كباحثين في الأنثروبولوجيا والتاريخ، نجـد في هذه المؤلّفات، الترابطات التاريخية لهذا التراث العراقي، فهناك الكثير من العادات والتقاليد والمفردات الشعبية قـد رُحِّـلت إلينا من التراث السومري، وهي نقطة لافتـة اهملها بعض الدارسين، من العراقيين والعرب، على حدٍّ سواء، ولكن انتبه إليها بعض الدارسين الغربيين وعلى رأسهم جيمس فريزر وصموئيل نـوح كريمر .
ونظراً لكون الأدب الشعبي مرتبط بشكلٍ وثيق بقضايا الشعب، وهو يعبّر عن نفسية هذا الشعب في مختلف الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية ، ولذلك نحن نعتقد بأن الأدب الشعبي، بشكل خاص، بوصفه أحّـد الروافع الأساسية في الفولكلور أو التراث الشعبي، وهـو المعبّـر الأساسي لنفسية الشعوب، فالنصوص التي ينتجها هذا الأدب تمثّـلُ مقياساً نفسياً وثقافياً لتلك الشعوب، وكلّـما توغلنا عميقاً في دراستنا لتاريخ هذا الأدب، نستطيع أن نقرأ بوضوحٍ أكثر أصالة الشعوب في كل المنعطفات .
* ثمة إشكالية ظهرت في تميّز العـلاقة بين ( الأدب الفصيح والأدب الشعبي) شغلت المشتغلين بالتراث الشعبي ونُقّـاد الأدب الحديث، لا سيما في خمسينات القرن الماضي، حيث أن مسألة ( مفهـوم أدب العـامـة) يذهب الى أن العـامية شرط جوهري في تحديد مفهوم الأدب الشعبي ، كون اللغـة تشكّـل جزءاً هـاماً من العمـل الأدبي، فـإن المحتـوى لا يقل عنها أهمية، وهما عنصران متداخلان من الصعب الفصل بينهما. وقـد رأى بعض الباحثين في دراسة هذه الإشكالية يمكن أن توجز بالنقـاط التالية :
آ- ليس كل ما يكتب بالفصحى يكون بالضرورة أدباً رسمياً، فهـناك الكثير من الآثار الأدبية الخالدة كُـتبت أو رويت بالفصحى البسيطة، وهي مع ذلك تصنّـف في الآداب الشفوية أو الشعبية، ومنها ( ألف ليلة وليلـة، والسِـير الشعبيـة) وغيرها، ولهذا لن تكون الفصحى شفيعاً لهذا الأدب من أن يكون شعبياً ، فشعبيته لا تكمن في عـامية لغـته، على الرغم من أن بعض هذه الآثار السردية، تلتجئ في بعض الأطوار الى الإغتراف من العامية، لغـايات فنيّـة طوراً، ولعجز الرواة والساردين- فيما يبدو- عن العثور على ألفـاظٍ فصيحة طوراً آخر.
ب- ليس كل ما يكتب بالعامية، يعـدُّ بالضرورة أدباً شعبياً، وتجري هذه السيرة أو الملاحظة على ( كُـتّـاب المسرحيات والروايات والأغاني الشعبية) وهي لا ينبغي أن ترقى الى مقام ودرجة الأدب الشعبي.
ج- إن صفة الشعبية، التي تلازم أجناساً من الأدب، وضروباً من القول، لا تكمن إذن في العـامية ولا في الفصحى، وإذا كانت العاميـة أداة في الأدب الشعبي، بوصفها من مقوّماته، وإنها عامل مشترك بين الأثر المجهول المؤلّف والمعروف، فإنه لا ينبغي الخيار في استخدام اللغة التي يريدها المبدع الشعبي- عامية أو فصحى- فمن الخطأ أن نطلب من المبدع الشعبي الذي ينتمي الى الطبقة الدُنيا، التعبير بالفصحى، والعامة من الشعب الذين يخاطبهم عاجزين عن فهـمها .
والأدب الشعبي، هـو جوهرة محصورة في ذاكرة الشعوب، وهـو يؤلف الرأسمال الثقافي الذي يعكس الملامح المتميزة لجماعاتٍ بشرية مختلفة .
يظهر أن سبب الخلاف بين العُلماء في تحـديد مفهوم الأدب الشعبي، يعـود أساساً الى عنايتهم بالشروط الخارجة عن ماهية النصوص الأدبية، وقـد وضعت هذه القيود في مرحلة الاهتمام بدراسة الأدب الشعبي ( الرواية والتـوارث وجهل المؤلف والجماعية والتقليد أو العراقة، واللغة العامية والفصحى، والعادات والتقاليد والوجدان الشعبي، والذاتية الشعبية، والتقدم الحضاري، والقول التلقـائي) وهي شروط لا تقتصر على التعبير الشعبي، بقدر ما يشترك في بعضٍ منها الأدب الشعبي المدوّن، وتعتبر هذه الشروط الان جزءاً من تاريخ الأدب الشعبي.
وبداية، حين نعلم أن العرب كانوا أميّين، في بدء ظهورهم وتعليم وجودهم الثقافي، في الأماكن الجغرافية التي ظهروا فيها، وتعبيراتهم الثقافية كانت هي الأخرى أمـيّـة، فهذا يعني أن المنطق يقول أو يقضي بسـبق الأدب الشعبي على الأدب التقليدي المعروف، كـون الأدب الشعبي هو الذي يصوّر الحياة بتفاصيلها ووقائعها لا الأدب التقليدي الخاص الذي تحكمه التقاليد والرسوم والآداب الاجتماعية ومجالس الشيوخ والملوك .
لقـد شكّـل اللّـحن في اللغة العربية الفصحى، في أواسط العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، بحكم الاختلاط المتنوع بين الشعوب ، مما أدى الى اختلاط اللّـغات وبلبلة الألسن، فظهر الأدب الشعبي في العـراق، في شكله البدوي والحضري، وارتفع الأدب التقليدي، لوصفه الأخير بالضوابط الجديدة، فغطّى بظلّـهِ على ما عداه، وعُني بـه الناس، وتسلّمته المجتمعات، وعنيت به الطبقات، وسجّله الرواة والمصنفون، وظلّ الأدب الشعبي في حالهِ هـذه، منقطعاً مستوحشاً بالقياس التقليدي، ينتظر العناية والتسجيل، وقـد كانت حادثة قتـل ( الوزير جعفر البرمكي) من قبل الخليفة العبّاسي هارون الرشيد سنة 178هـ الموافق 803م ، والتي عرفت في المدونات التاريخية باسم ( نكـبة البرامكة) حيث مع هذه الحادثة ( إنـولد المـوّال العراقي) وكان يعرف بـ ( المواليا) كأوّل نوع من الأدب الشعبي العراقي يسجّل حضوره .
ويعتبر بعض الباحثين العراقيين ، أن ( الرجز) هـو شعر شعبي ، في بادئِ تكوينه، مستنداً في هذه الحجّـة على ما ذكره ( إبن وهـب الكاتب- أبو الحسن إسحاق بن ابراهيم) المتوفى بعد سنة 335هـ/ 947م ، بقوله ( إن الرجز= الساقي الذي يسقي الماء) حيث أن الأصل في الرجز، أن يرتجز بها الساقي على دلـوِهِ إذا امـدّهـا، ثم اخـذت الشعراء فيه، فلحق بالقصـيد ) .
وهذا يوضّح أن ( الرجز) شعر شعبي، يقترن ترديده أو إنشاده أو الغناء بـهِ، على أن الصحيح شُـغلاً للنفس عن مشقّـة العمل وتسلية لها من الهموم، وشحناً لها بمزيد من الطاقة للاستمرار فيما هو فيه من جُهـد)
وما ان جاء القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، حتى ظهرت في العراق فنون الأدب الشعبي متكاملة، منهـا :
* فـن المواليا، والـدوبيت، والكـان وكان، وفن القومـا، وفن الزجل، وهـو الوجه الشعبي للموشّح الأندلسي الفصيح ، وقد جمعها الشاعر البدر الزيتوني بقوله:
قـوما لدوبيتٍ قـاضي قــد زجـل شيني
بكـــانٍ وكـــــان بين الـــورى زيـني
وانقــل مـوشّـح مـواليــاً بــــلا مـيني
فـأبحـر الشعــر مجـراهـا من العـيني
وجمعها الشاعر بقوله من الفصيح :
إن كُـنتَ تسـأل ما الفنون فإنها ..سبع كما سارت بها الأقـــــوال
شـعــرٌ وتوشيحٌ ودوبيت وكــذا .. زجل وقــــوما كان والمــوّال

ومن المهم معرفة ان الفنون الشعرية الشعبية العراقية والأندلسية، سجّلت لنا نـوعين من القـوالب، أوّلها ( الرُباعي البغـدادي) والثاني ( المتعـدد القوافي والوزن) وهو الزجل ذو الطابع الأندلسي. ومع هـذين الفنـّين، ينبغي أن نـذكر ( الشعر البدوي) الذي ذكره – ابن خـلدون- في ( مُقـدّمتهِ) و ( الحجـازي) الذي ذكره صفي الديـن الحلّي في ( العاطل الحالي والمرخّـص الغالي) كما عرف في الأندلس أنـواعاً أخرى من النظم الشعبي منها: ( الأصمعيات والبدوي والحوّاني ، وعروض البلد) حفظاً لذكراه المشرقية، وحرصاً على النظم، بمقتضى تقاليده القديمة.
وبعـد أن تفرّعت الفنون الشعرية الشعبية، وانتشرت في البلاد العربية، وجـدناها تحذو حذوَ واحدٍ من هذه الأصناف الثلاثة، فأمّـا الصنف الرباعي العراقي فمنه ( العتابة والأبوذية والمربّـع) وما إلى ذلك، وأمّـا الصنف الأندلسي الملوّن ومنه الزجل الحالي في ( بلاد الشام ومصر والمغرب) و( الحميني اليماني القـديم) . وأمّـا البـدوي، الذي يحاول الاقتراب من شكل القصيدة ( والذي يسمى الان في الخليج العربي الشعر النبطي) والذي يبنى على القافيتين، في كل شطرٍ قافية، والوزن واحد، ونسميه في العراق( النصاري) بشكله الحديث ، واهل بلاد الشام تسميه ( الهـجيني) وهو البدوي الخالص .
* * * يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com