أبحاث

من مسارات الحروف وكواليس الكـتابة .الحلقة ٣٠

بيدر ميديا.."

من مسارات الحروف وكواليس الكـتابة .

د.خيرالله سعيد.
* إخـوان الصفـاء في بغـداد،- التـأسيس النظري للعمل السياسي. ح30

18 الجزء الثامن عشر – حمل عنوان ( إخـوان الصفاء في بغـداد وتأسيسـهم لأوّل حزب سياسي منظّـم ) في الثقافة العربية – الإسـلامية – ج 18 .
* وهـذا الجزء ، هـو الثالث ، من ( أحزاب المعارضة السياسية في العصر العباسي ) لكنه يتميّـز بخصوصية ذات أفق معرفي فلسفي ، تعرّض الى التشويه والهجوم من قبل الأعـداء والخصوم الكبار من علماء دين ورجالات السلطة السياسية في الخلافة العباسية .
* في ظلّ الصورة النمطية التي يتصدّرها ( إرهاب المنظمات الإسلامية المتطرفة ) تبقى صورة الفكر العربي – الإسلامي مخدوشة بنظر العالم ، فلم يستطع هذا الفكر من أن يبدع فكراً خلاّقاً يوازي به ما أنتجته شعوب الأرض من ابداعات على صعيد الثقافة والقانون والحريات المدنية ، وتلك الصورة رسمها ( إعلام المستشرقين ) من خلال دراساتهم للموروث العربي – الإسلامي ، ومن جهة أخرى ساهمت حكومات وشعوب البلدان العربية بسيادة هذا التصوّر في (عقول الناس ) دهوراً طويلة ، خشية ملامسة المقدّس الموهوم من ذلك التراث ، والتردد من نقده ودراسته على الأصول المعرفية ، ومن ثم بقيت المناهج الدراسية مترددة للتعامل مع هذا الموروث – وحتى اليوم – قلقة وحذرة من المس ولو بقشرته ، خشية أن تثار الأسئلة المعرفية التي كانت ترافق هذا التراث ، وفيها أشياء مشرقة ، فرضت العقليات العربية الرسمية وبمصادقة وتهليل من قبل الإكليروس الديني على ( بقاء هذه الأوراق المُشرقة ) طي الكتمان ، وعدم السماح لتحقيقها أو مجرد الهمس بها ، فثمة اشارة معرفية أوردها د. محمد عماره في كتابـه ( نحـن والتراث) حيث ذكر ( أن هناك أكثر من 4 ملايين مخطوطة عربية – إسلامية ) لم تمتد إليها أيادي التحقيق ، وظلّت متوزّعة في أكثر من مكان ودولة .
هذا الإشعار المعرفي، يكشف لنا أن ما يعرف بالأدب المعارض أو أدب الحركات السريّة والباطنية في المدونات العربية – الإسلامية ، لم يظهر بالشكل الكامل والمطلوب، بمعنى أن هذه المخطوطات هي الان تحت سيادة الدول المتحكّمة بهذا التراث ، وبالتالي لا يمكن الوصول اليه بسهولة ، وما نشر منه على مختلف المواقع والأمكنة ، ما هو إلاّ المرغوبٍ فيه وليس المقموع أو فيه شيء من التعارض يمس سيادة وسيطرة هذا الإكليروس المتحكّم برؤيا الدين وحرية التفكير ، هذا من جهة الحاضر، أما ما كان في الماضي والموقف الرسمي منه – وقتذاك – ليس بأسهل عما عليه الآن ، فقد تعرّض الأدب السياسي المعارض الى حملات تشويه وافتراء وحرق ودفن آلاف من الكتب ، بحجة المروق والزندقة ومخالفة الشريعة ، والدارس لهذا التراث يعرف ذلك جيداً .
وعلى العموم ، يمكن النظر الى هذا التراث بشكل إيجابي، من خلال ( ما فلت من الرقابة ) تاريخياً، أو من خلال ما رُحّـل الى بلاد ثانية ليست واقعة تحت سيطرة الخلافة الإسلامية، أكانت أموية أو عباسية . إضافة الى أن مسارات هذا الأدب السرّي – بشكل خاص – استطاعت تلك الحركات السرّية من اخفائه وحفظه في أكثر من مكان، والبعض منه نقلته بواسطة ( الحمام الزاجل ) كإحدى الطرق السرية التي كانت تتعامل بها تلك الحركات المعارضة في الإسلام .
إن هذا الفكر ( المغيّب ) لتلك الحركات السياسية والاجتماعية يفرض علينا السؤال التالي : لماذا تعاملت الخلافة العباسية مع هذا الفكر بهذه الطريقة الإقصائية ، رغم أنها كانت منفتحة على مختلف الثقافات والعلوم ؟ والإجابة على هذا السؤال ، هو ما نعالجه في هذا العمل برمّته ، ومن خلال الوثائق السرية التي حفظتها لنا ( حركة إخوان الصفاء ) لا سيما موسوعتها الفلسفية الهامة والمعروفة باسم ( رسائل إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء ) التي وزّعتها بسرية مطلقة وبشكل منظّم ، يصعب تصوّره ، لكنها نجحت في ذلك ووصلتنا ( تلك الرسائل ) سالمة بشكل أو بآخر.

* إن واقع الأحزاب والحركات السياسية المعاصرة ، فرض علينا قراءتها بشكل نقدي مقارن ، مع تلك الحركات الفكرية – السياسية في تراثنا الإسلامي، إذ أن خبرة تلك الحركات كان ينبع من خصوصية المجتمعات العربية – الإسلامية ، فكان أن صاغت تلك الحركات برامجها وأهدافها السياسية على ضوء الواقع الذي كانت تعيشه ، بكل تناقضاته الاجتماعية، واستطاعت أن تتلاءم معه ، ضمن شرطي الزمان والمكان، وأن تصوغ نظرياتها السياسية والفكرية من الفكر الإسلامي ذاته، بمعنى انها أخذت الجانب الآخر المعارض بقراءتها للفكر الإسلامي ، حتى لا تكون بتعارض مع ( النص المقدّس ) ومن ثم ، أوجدت المسوغات الدينية والسياسية لمعارضة نهج الخلافة العباسي الإسلامي، ضمن رؤيتها الخاصة، ومن واقع الفكر الإسلامي ذاته، وهي بهذه الطريقة أوجدت مبرراتها الفلسفية والفكرية بهذا التعارض، وبنفس الوقت بررت تعارضها هذا لما يخدم جموع غفيرة من المسلمين، وهو الأمر الذي حدى بتلك الجموع لأن تنخرط في مساراتها السياسية، بشكل نادر وغريب ومخلِصٍ الى حـد الشهادة من أجل هذه القناعات التي وفّـرها الفكر السياسي المعارض لهذه الحركات الإسلامية .
إن هذه الرؤى السياسية، كانت تعارض بشدّة وقسوة لا مثيل لها، ومن ثم كان الإكليروس الديني يبرر للسلطة العباسية تلك القوة والبطش بهذه الحركات ( باعتبارها خارجة عن طاعة ولي الأمر ) وبهـذا أنها أصبحت ( مارقة وضالة تخضع لحكم السيف فيها ) .
إن ( حركة إخوان الصفاء ) كحركة فكرية – سياسية ، عاشت تلك التجربة القاسية من قمع السلطات العباسية ، لكنها استطاعت أن تعيش وتبقى قرون طويلة ، منسجمة مع الحركة الإسماعيلية ، التي تبنّت طروحاتها الفكرية ، واتخذت من ( رسائلها ) برنامج عمل تنظيمي وفكري ، ظلّت ملتزمة به طوال وجودها التاريخي .
وقـد شغلت الحركة الإسماعيلية العالم الإسلامي ردحاً طويلاً من الزمن، استغرق حوالي أربعة قرون ونيّف ، بدءاً من القرن 3و 4 و 5 و6 و شطراً من السابع، وقد استطاعت هذه الحركة من أن توقظ الفكر السياسي العربي – الإسلامي لأن يفكّـر بطريقة مخالفة لما تفكّـر به السلطة السياسية العباسية، بشكل خاص، على اعتبار انهم ظهروا فيها .
إن شكل العمل السياسي الذي جاؤوا به يكاد يكون قفزة نوعية بكل تاريخ الفكر الإسلامي بشكل عام، والفكر السياسي بشكل خاص، إذ انهم حوّلوا ( المقدّس الديني ) الى ( آلية تنظيمية ) لتحقيق ماربهم السياسية، وبنفس الوقت، قـدّموا تجربة فريدة من نوعها في ( بناء الحزب السياسي ) على صعيد العالم قاطبة وليس فقط على صعيد العالم العربي – الإسلامي، فهم أوجدوا ( البناء الخلوي الحزبي المنظّم ) الأكثر تطوراً حتى من الأحزاب السياسية المعاصرة . وبهذا نحن ندحض كل ( نظريات الاستشراق ) التي تدّعي ( بأنّـهم أوّل من أوجد مفهوم الحزب بالثقافة العالمية ) . فحركة إخـوان الصفاء ، أول حركة فكرية – سياسية اتّخذت من الفكر الإسلامي ( برنامج عمل لها ) استطاعت من خلاله أن تقود بعض نواحي العالم الإسلامي في أكثر من قارة ، لا سيما إبّـان حكم الفاطميين لمصر، مقدّمين المِثال المعرفي في علم السياسة الإسلامية بشكل مختلف لما عند دولة الخلافة الإسلامية – العباسيّة .
* وهـذا البحث الموسوم بـ ( إخوان الصفاء في بغـداد وتـأسيسـهم لأوّل حزب سياسي منظّـم في الثقافة العربية – الإسلامية ، وإيجادهم النظام الداخلي لحركة حزبية منظّمة ) هو محاولة جادة وفريدة أثبتنا فيها قدرة هؤلاء لخلق الإبداع في ( بناء المنظمات السياسية العربية – الإسلامية ) قبل أن تظهر النظريات السياسية الأوربية بحوالي 1000 سنة ، وهـذا ( الإبداع ) تحاول مدارس الفكر السياسي الغربي – من خـلال ( حقل الاستشراق) أن تسدل دونه الستار المعرفي، ومن نظرةٍ دونية نحو (الشرق الخامل) ، كما تراه .
منهجية البحث :
بما اننا ندرس هذه الظاهرة الفريدة في الفكر الإسلامي ، من حيث صياغتها لفكر سياسي منظّم ، ظهر في العصور الوسطى من تاريخ الثقافة العربية – الإسلامية، وجب علينا أن ندرسها ضمن المنهج الجدلي للفكر السياسي المعاصر، والذي اخذت به الحركات والأحزاب الماركسية والقومية والراديكالية التي ظهرت في العالم العربي في القرن التاسع عشر الميلادي، وحتى سقوط تجاربها في أكثر من بلد ولمدة لم تقارب القرن من الزمان .
* وكنت أهدف من دراستي لهذه الظاهرة وبهذه الطريقة ، هو كي أوجد المبرر التاريخي السابق على كل الحركات السياسية المعاصرة، وبنفس الوقت أظهر عجزها السياسي والفكري، لبناء تجربة سياسية معاصرة لم تحقق ما حقّـقته حركات سياسية سابقة عليها بحوالي عشرة قرون، وبنفس الوقت أردتُ أن أظهر مخبآت التراث العربي الإسلامي – في جانب البناء الحزبي للحركات السياسية – وأثبت بأن الحركات السياسية المعاصرة غير مطّلعة على تاريخنا العربي بشكل صحيح ، ومن ناحية أخرى ، أردت أن أردَّ على ( بعض مدارس الاستشراق الغربي ) التي ترى ( بأن الوجه الإرهابي هو وجه الإسلام التاريخي ) لذا قدّمت هذه التجربة السياسية الفردية التي تدحض هذا الادعاء ، وتقدّم النموذج الفعلي والجاد والملموس والكامن في تراثنا العربي – الإسلامي .
وعلى الصعيد العربي ، حاولت أن ألفت انتباه المؤسسات الأكاديمية والسياسية لهذا التراث الغني والنابض بالحركة والحاضر بقوة في تاريخنا الثقافي، كي تنتبه هذه المؤسسات الى ما هو أنصع بتراثنا الغني من تلك الحركات الإسلامية المعاصرة ذات النزعة التكفيرية الإقصائية المتطرفة ، والتي شوّهت تراثنا العظيم .
* قسمت العمل الى ثلاثـة أبواب رئيسية هي :
1- الباب الأول : وقد خصّص الى ( عصر إخوان الصفاء ) واشتمل على 12 فصلاً ، كل فصل نناقش فيه مفصلاً محدداً ضمن محتويات وتبويبات هذا الباب .
2- الباب الثاني: خصّص لمعالجة ( النظام الداخلي لحركة إخوان الصفاء ) وشمل 14 فصلاً ، ناقشنا فيها شكل الأسس التنظيمية واللّـوائح التي تحكم هذا الشكل من التنظيم .
3- الباب الثالث : خصص لمناقشة (نظرية الإمـامة عند إخوان الصفاء ) وشمل أيضاً 14 فصلاً ، عالجنا فيه كل إشكالات ( نظرية الإمامة في الفكر الإسلامي ) ونظرة إخوان الصفاء المستقلة بهذا الموضوع .
وعلى ضوء ذلك كانت ( فهرست الموضوعات ) مرتّـبة على النحو التالي :
1- المقـدمة .
2- الباب الأول : عصر إخوان الصفاء .
3- الفصل الأول : تاريخ ظهـورهم .
4- الفصل الثاني : إخوان الصفاء والحالة الاجتماعية لعصرهم .
5- الفصل الثالث : الحالة السياسية لعصرهم .
6- الفصل الرابع : التطور السياسي لإخوان الصفاء .
7- الفصل الخامس: علاقة إخوان الصفاء بالإسماعيلية .
8- الفصل السادس : تأليف جماعة إخوان الصفاء .
9- الفصل السابع : مكان ظهـورهم .
10- الفصل الثامن : رجال الرسائل .
11- الفصل التاسع : النظام السياسي لحركة إخوان الصفاء .
12- الفصل العاشر: مبدأ التقية وسريّـة العمل .
13- الباب الثاني : النظام الداخلي لحركة إخوان الصفاء .
14- الفصل الأول : تمهـيد تاريخي .
15- الفصل الثاني : شروط القبول والعضويّـة .
16- الفصل الثالث : القَـسَم = نيـل العضوية .
17- الفصل الرابع : قـواعد العمل الحزبي .
18- الفصل الخامس : التقسيم الخلوي .
19- الفصل السادس : طقس الاجتماع .
20- الفصل السابع : واجبات سكرتير الخلية .
21- الفصل الثامن : الإشراف الحـزبي .
22- الفصل التاسع : التثقيف والإعـداد الحزبي .
23- الفصل العاشر : الكادر ومقوّماته .
24- الفصل الحادي عشر : مهمات الكادر وشروط المفاضلة .
25- الفصل الثاني عشر : درجات تقسيم الكادر ومسمياتها وصلاحياتها .
26- الفصل الثالث عشر : العقوبات الحزبية .
27- الفصل الرابع عشر : توصيات الحركة لأعضائها .
28- الباب الثالث : نظرية الإمـامة عند إخوان الصفاء .
29- الفصل الأول : تمهـيد تاريخي . .
30- الفصل الثاني : تطوّر مفهوم الإمامة .
31- الفصل الثالث : البعد الديني والدنيوي في مفهوم الإمامة .
32- الفصل الرابع : الفِـرق الإسلامية ومفهوم الإمامة .
33الفصل الخامس : الفروقات السياسية والأساسية بين مفهومي السنة والشيعة للإمامة .
34- الفصل السادس : مفهوم الإمامة عند الإسماعيلية وإخوان الصفاء .
35- الفصل السابع : الإمامة في نظر إخوان الصفاء .
36- الفصل الثامن : موقفهم من الخلافة .
37- الفصل التاسع : علي والإمـامة عـندهم .
38- الفصل العاشر : نظام تراتب الأئمة عندهم .
39- الفصل الحادي عشر : هيكلية البناء التنظيمي للأئمة .
40- الفصل الثاني عشر : الأبوة الروحية .
41- الفصل الثالث عشر : الإمامة ومفهومها السياسي في الرسائل
42- الفصل الرابع عشر : آراء المعـادين لهم .
43- قائمة المصادر والمراجع .
* وهــذا الجُـهد هو محض اجتهاد من قبلنا ، ولا ندّعي الكمال فيه، إلاّ أننا نقول بأنّـا فتحنا ( طاقة من التراث ) للولوج من خلالها الى فكرنا السياسي المغيّب بقرار السلطان، نأمل أن نكون قد وفّـقنا في هذه المعالجة الخاصة بموضوعها .
* * * يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com