ثقافة

في ذكرى وفاة جبران خليل جبران: ما سرّ نجاح كتاب “النبي”؟

بيدر ميديا.."

في ذكرى وفاة جبران خليل جبران: ما سرّ نجاح كتاب “النبي”؟

مولود بن زادي

 

وصفته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ذات مرة ب «الكتاب المُقدّس للثقافة المضادة» لما حمله من روحانيةٍ وحريةٍ وتمرّدٍ على الأعراف والقيم الاجتماعية التقليدية، وبحثٍ عن طرق بديلة للحياة. إنه كتاب «النبي» للشاعر المهجري جبران خليل جبران، الذي استطاع أن يجتاز اختبار الزمن، فيبقى إلى يومنا هذا في قائمة الكتب الأكثر مبيعا في العالم. وإن كُلّل مشوار جبران الأدبي بنشر 20 كتاباً، لم يحقق أي منها ما حققه كتاب «النبي» وهو ما يدعونا إلى التساؤل: لمَ نال «النبي» شهرة عالمية، ولم تحقق أعمال جبران المترجمة من العربية ذلك؟ ما الذي جعل هذا العمل بالذات ينتشر في أنحاء العالم ويصمد أمام اختبار الزمن، على عكس أعمال عربية لا تُحصى حظيت بالترجمة إلى لغات متعددة؟

الاندماج من أسرار نجاحه العالمي

من الحقائق المجهولة عن سيرة جبران قدرته الفريدة على التأقلم والاندماج. بعد وصوله إلى أمريكا عام 1895، استقر في البداية في منطقة ساوث إند في بوسطن، وسط أفراد الجالية اللبنانية. بعدها، كان عليه أن يتخذ قرارا مصيريا، مثلما أوضحت محطة (وبر) لولاية بوسطن الأمريكية، «كان يدرك حق الإدراك أنه مخيّر بين الانخراط التام في المجتمع الفكري المحيط به في بوسطن ونيويورك، أو الاستمرار في الحياة وسط المهاجرين. المثير للاهتمام أنه عندما عاد إلى الولايات المتحدة من باريس، اختار الانتقال رفقة أخته ماريانا إلى بيكون هيل، بدلاً من الاستقرار وسط الجالية السورية». وأضافت المحطة، «لم يمكث في سوريا الصغيرة، ما يعني أنه كان حريصا على الاندماج. وبالمثل، عندما ذهب إلى نيويورك، استقر في قرية غرينتش، حيث جمعته علاقات حميمة مع كثير من الأشخاص… هل كان في وسعه المكوث بين أفراد الجالية السورية؟ أكيد، لكني لا أعتقد أنه كان سيصبح شخصية عالمية».
وهكذا، كان لاندماج جبران في المجتمع الأمريكي عميق الأثر في بلورة شخصيته ونجاحه، كمثقف من أصل عربي. ولم يساهم اندماجه هذا في قبوله في الأوساط الثقافية الأمريكية فحسب، بل أيضا في نجاح كتابه الإنكليزي «النبي» وانتشاره العالمي. وقد مكّنه انخراطه في المجتمع الأمريكي من إدراك طريقة تفكير المجتمعات الغربية، والتغلب على الفوارق الثقافية، التي عادة ما تعيق الفهم وتقف حجر عثرة في طريق التواصل والانسجام والتآلف بين الأمم. فاستطاع بفضل فهمه الثقافة الغربية أن يخطف أنظار جماهير واسعة في عالمنا، محققا عالمية حقيقية تتعدى الحدود الجغرافية والثقافية والأطر المحلية والإقليمية.

البوهيمية والصوفية ساهمتا في انتشاره

وقد «انغمس خليل جبران في البوهيمية الفكرية في بداية القرن العشرين» مثلما ذكرت محطة بور، وكان لهذه الحركة بالغ الأثر في أعماله، لاسيما في كتابه «النبي». جدير بالذكر أنّ البوهيمية حركة اجتماعية وثقافية ظهرت في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر وتميزت برفض التقاليد والقيم التقليدية والتركيز على الروحانية والحرية والحياة الاجتماعية. لعبت هذه الحركة دوراً حاسماً في انتشار كتاب «النبي» وزيادة شعبيته العالمية. فالثيمات التي تناولها الكتاب كاكتشاف الذات والفردية وتحدي الأعراف المجتمعية تتناسق تناسقا وثيقا مع الروح البوهيمية. وفضلا عن البوهيمية، كان للصوفية أثر بارز في كتابات جبران. تتجلى النزعة الصوفية في التفكير العميق، وتأمل الحياة والسعي لإدراك الحقيقة والمعرفة الروحية والصبر، كوسائل لإدراك الحكمة وتحقيق السلام الداخلي، وهو ما نلمسه في كتاب «النبي» فضلا عن قيم المحبة وحسن التعامل والتساهل مع الآخرين التي يدعو إليها وهي كلها من ركائز الفلسفة الصوفية. نرى النبي يحث العالم على محبة الآخرين وحسن المعاملة والتسامح والتعايش السلمي. تقاطعُ فلسفة الصوفية ومبادئ البوهيمية في «النبي» يضفي أهمية بالغة على هذا العمل الخالد الذي يستمر إلى يومنا هذا في إلهام القراء عبر الثقافات والأجيال.

فلسفته العميقة عززت مكانته

كتاب «النبي» بما يحمله من وصف وتعبير دقيق أشبه بريشة فنان ماهر ترسم لوحات تفصيلية لمفاهيم حياتية أساسية تعزز فينا روح التأمل، وترسخ في أنفسنا روح التفكير العميق، وتعلّمنا أن الحياة ليست مجرد وجود عابر، بل رحلة استكشاف لمعنى الوجود والتواصل الروحي. يستكشف «النبي» الترابط بين الفرح والحزن، مؤكدا أنهما عنصران أساسيان في التجربة الإنسانية. فالإنسان لن يدرك معنى السعادة الحقيقية إلاَّ في مقابل الحزن. فهذان شعوران ضروريان لنمو الذات. وهكذا من خلال الاعتراف بتعاقب الفرح والترح في الحياة، يحث جبران العالم على تقبل تقلبات الدهر، والإيمان باستمرار الحياة في كل الظروف.
ويتطرق «النبي» إلى موضوع الحب فيصوره على أنه قوة ملزمة، ينبغي أن تتُبنى على أساس التحرر والاحترام المتبادل، بعيدا عن التملك. وهو بذلك يدعو القراء إلى حب غير مشروطٍ وغير أناني. علاوة على ذلك، يعرض «النبي» وجهة نظر فريدة من نوعها عن الزواج، مؤكدا أهمية الحفاظ على الفردية والحرية داخل عش الزوجية. فعلى الزوج أن يدعم النمو الشخصي لشريك حياته وأن يتيح له فرصة النمو الفردي. ويشدد على أن الزواج يجب أن يكون شراكة تقوم على التفاهم والاحترام المتبادل، وليس الهيمنة أو التبعية. يقول عن ذلك، «كونا سويًّا، إنما بشيء من المسافة: فأعمدة المعبد متباعدة، وأشجار البلوط والسرو لا تنموان في ظلّ بعضهما بعضا».

لغة قديمة آسرة خالدة

ويُعزى النجاح الواسع الذي حققه كتاب «النبي» إلى حد كبير إلى استخدامه لغة شعرية آسرة تتجاوز الحدود التقليدية. اللافت في هذا العمل تميز جبران بالكتابة بلغة إنكليزية غير الإنكليزية المتداولة بين أبناء عصره. كتب «النبي» بلغة شعرية، أقرب في بنية الجمل واستخدام المفردات والتركيب اللغوي من اللغة الإنكليزية القديمة، تمتزج فيها عناصر مختلفة من التقاليد الأدبية، من ضمنها اللغة التوراتية والحكمة الشرقية. وكان من مزايا هذه اللغة أن منحت أسلوبه نكهة فريدة وقديمة، ما يضفي على عمله سحرا وتميزا، معزّزا فرصته في إبهار العالم واجتياز اختبار الزمن.
من سمات أسلوب جبران في كتاب «النبي» توظيف الصور والرموز لتمثيل المفاهيم والأفكار المجردة، ونقل تعقيدات التجربة الإنسانية والموضوعات العالمية. نثره نثر شعري، يتخلله إيقاع موسيقي واستعارات حية ولغة مجازية مثيرة للمشاعر والتفكير. ولعل خير مثال على ذلك تصويره الحب، « إذا أشَارَ إليك الحبُّ فاتبعه، وإن كانت طرقه صعبة ووعرة. وإذا انطوى جناحاه استسلمت له، حتى لو جرحك السيف المختبئ بين قوائمه. وعندما يكلمكم فآمنوا به، حتى لو حطم صوته أحلامكم كما تدمر ريح الشمال الجنة. لأنه كما يكللكم الحب كذلك سيصلبكم». تتجلّى من خلال هذا المقتطف لغة جبران الغنائية وأفكاره العميقة عن عظمة الحب وأثره العميق في نفوس البشر.

التحرر من الخلفيات الثقافية

من أسرار نجاح كتاب «النبي» لجبران خليل جبران أيضا تناوله ثيمات عالمية وقضايا إنسانية خارج الحدود الجغرافية والثقافية. نراه يشدد على أهمية الحرية الجسدية والنفسية وقدرة الأفراد – بما في ذلك الأطفال – على التعبير عن أنفسهم بحرية، «أولادكم ليسوا لكم.. أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها.. بكم يأتون إلى العالم، لكن ليس منكم. ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم. أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، لكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارهم». ونراه يسبح في فضاء الموت مصوّرا رحلة الروح وخلود المحبة وترابط الحياة والموت. ويخوض في مثل هذه المواضيع متحررا من الخلفيات الثقافية والتعاليم المختلفة.

تجاوز التقاليد الدينية

من ميزات كتاب «النبي» قدرته الفريدة على تجاوز الحدود الدينية وملامسة قلوب الجماهير من خلفيات متنوعة، وهو ما أكده القس لوري سو في نيويورك، عندما قال، «لكنه ليس مليئا بأي نوع من العقيدة؛ فهو متاح لأي شخص، سواء كان يهوديا أو مسيحيا أو مسلما». يعكس هذا الشعور جوهر هذا العمل الذي أراده جبران أن يكون مرآة تعكس الوقائع والتجارب العالمية، وصوتا يخاطب كلّ البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. ويشير البروفيسور خوان كول، مؤرخ الشرق الأوسط في جامعة ميشيغان إلى دور هذا العمل في إلهام كثير من أولئك الذين لم يجدوا القناعة والسكينة في الهياكل الدينية التقليدية. قال إنّ «كثيرا من الناس انصرفوا عن المؤسسة الكنائسية إلى جبران».
وهكذا بفضل تجاوزه التقاليد الدينية المتعددة، استطاع كتاب «النبي» أن يجذب اهتمام جماهير واسعة من خلفيات دينية وثقافية مختلفة، ويستمر إلى يومنا هذا في إلهام القراء وإرشادهم في رحلة البحث عن بدائل جديدة للتفكير وبناء الذات والحياة بعيدا عن متاهات الملل المتصارعة. وهكذا، استطاع كتاب» النبي» الذي خطه المؤلِّف باللغة الإنكليزية أن يحقق ما عجزت عن تحقيقه مؤلفات شرقية لا تحصى – بما في ذلك مؤلفات جبران العربية المترجمة إلى الإنكليزية. جاذبية «النبي» تنبع من قدرة الكاتِب الفائقة على تجاوز الحدود الجغرافية والخلفيات الثقافية بثيمات عالمية مهمة، ورؤى فلسفية عميقة، وحكمة رشيدة. وليس من شك في أنَّ من أسرار تفوق كتاب «النبي» على مؤلفات جبران باللغة العربية والروايات العربية المترجمة، التفكيرُ والكتابةُ باللغة الإنكليزية المنتشرة في أنحاء العالم. فمن خلال تبنيه النمط الغربي في التفكير وكتابته باللغة العالمية، استطاع جبران أن يتجاوز الحواجز اللغوية والفوارق الثقافية التي ساهمت إلى حد كبير في تعثر المؤلفات العربية المترجمة وأعاقت سيرها نحو العالمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com