اقتصاد

كيف يمكن للسياسة المالية إطلاق العنان لإمكانات لبنان الصناعية؟

بيدر ميديا.."خاص.

كيف يمكن للسياسة المالية إطلاق العنان لإمكانات لبنان الصناعية؟

جمال ابراهيم حيدر,

 

عادل مالك

على الرغم من تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان بوتيرة متسارعة منذ عام 2019، ثمة فُرص غير مستغلّة حتى الآن لاستثمار القدرة الإنتاجية الحالية وتعزيز الصناعات المحلية. فمع تراجع تكلفة العمالة وارتفاع معدلات الفقر بين اللبنانيين وتدهور قيمة العملة المحلية، لجأ عدد من رواد الأعمال اللبنانيين إلى إطلاق مبادرات ومشاريع لتصنيع منتجات متطورة، مثل الدراجات الكهربائية وبطاريات الليثيوم للألواح الشمسية، مما يشير بشكل واضح إلى وجود مهارات محلية مهمة غير مستغلّة في البلاد. تساعد مثل هذه المبادرات الشباب على البقاء في لبنان، وتولّد فرص عمل عالية الجودة في القطاع الخاص، وتُنتِج المزيد من المنتجات المتطورة، وترفع الناتج الاقتصادي، وتقلّل من الطلب على وظائف القطاع العام، كما تستثمر المدخرات بكفاءة في ظل عدم وجود قطاع مصرفي فاعل، إلّا أن هذه المبادرات تفتقر حتى الآن إلى الحوافز المطلوبة، علمًا أنها قابلة للتزايد في حال توفرت لها أدوات السياسة المالية المناسبة (كالحوافز الضريبية) التي تساعد رواد الأعمال والشركات في لبنان على تنويع الصناعات المحلية.

في هذا السياق، من المهم النظر في حوافز الممكن تقديمها للشركات والصناعات، وذلك لجملةٍ من الأسباب. أوّلها أنّ تكوين فكرة واضحة عن كيفية اتخاذ الشركات قرارها بدخول الأسواق يمكن أن يسمح بالتعرّف أكثر على آليات استكشاف السوق، وفرص النجاح والفشل، والحوافز القابلة للنجاح. ثانيًا، بما أن الشركات والمنتجات ستكون جديدةً، فإن تحديد الشركات والمنتجات القادرة على الاستمرار لفترة أطول والنمو بشكل أسرع يُعَدّ عاملًا أساسيًا في التطور والنمو الاقتصادي. فبحسب ما وثّقه كل من أمسدن (1992) وكيهو ورول (2013) ولوكاس (1993)، ثمة علاقة وثيقة بين المنتجات الجديدة والنمو الاقتصادي في سياق التحوّل الصناعي في الدول. وقد بيّن حيدر (2022) أن الشركات القادرة على ترشيد قرارات الدخول إلى الأسواق واستيعاب العوامل والمعلومات الخارجية تستمرّ لفترة أطول وتنمو بشكل أسرع. وقد استُكمل هذا الاستنتاج بأعمالٍ بحثية حديثة رصدت دوراً مؤثراً لتنويع المنتجات ونجاحها وبيّنت أهمية تصميم سياسات التنويع.

يعاني القطاع الصناعي في لبنان منذ سنوات عديدة تمتد إلى ما قبل الأزمة الأخيرة. فبَين عامَي 2011 و2019، انخفضت القيمة المضافة في القطاع الصناعي بنسبة 25% لتصل إلى 3.1 مليار دولار أمريكي، ثم تراجعت بنسبة 27% إضافية بين عامي 2019 و2021. كذلك ساهم سعر العملة المُبالَغ فيه، إلى جانب تكلفة العمالة المرتفعة نسبيًا، في تراجع القدرة التنافسية للمنتجات المصنّعة محليًا في الأسواق الخارجية والمحلية قبل عام 2020. وأدت الهيكلية الاحتكارية للسوق أيضًا إلى تراجع حوافز الدخول إلى قطاعات التصنيع الرئيسية.

انخفض تعقيد الاقتصاد اللبناني على مدى السنوات العشرة الماضية، متراجعًا أربع مراتب ليحل في المركز الـ47 في تصنيف مؤشر التعقيد الاقتصادي (ECI) لعام 2020. ويعود ذلك إلى عدم تنويع الصادرات إذ تتركز أكبر صادرات لبنان من السلع في المنتجات المتوسطة والمنخفضة التعقيد، وهي الأحجار والزراعة على التوالي. ومع أنّ لبنان تمكّن من التنويع منذ عام 2005 عبر إضافة عدد كافٍ من المنتجات الجديدة التي بلغت 17 منتجًا وساهمت بمقدار 8 دولارات في نصيب الفرد من الدخل في عام 2020، إلا أن هذه المساهمة في نمو الدخل ظلت طفيفة.

يمكن تحقيق النمو من خلال تنويع المعرفة بهدف إنتاج مجموعة أوسع وأكثر تعقيدًا من السلع والخدمات. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اقتصاد لبنان لا يزال أكثر تعقيدًا مما هو متوقّع مقارنةً بمستوى دخله، لكن هذا غير كافٍ، إذ إن البلدان التي تكون منتجاتها أكثر تعقيدًا من المتوقّع مقارنةً بمستوى دخلها تنمو بوتيرة أسرع. لذا يمكن للبنان في المرحلة المقبلة الاستفادة من العديد من الفرص لتنويع إنتاجه المحلي من السلع باستخدام المعرفة الحالية.

لكن لبنان لم يبدأ بعد عملية التحول الهيكلي المطلوبة التي تُعدّ عاملًا أساسيًا في النمو الاقتصادي والتي تقوم على نقل النشاط الاقتصادي من القطاعات المنخفضة الإنتاجية إلى القطاعات العالية الإنتاجية، بحيث يتم نقل أنشطة الإنتاج من الزراعة إلى المنسوجات، تليها الإلكترونيات و/أو تصنيع الآلات. لقد شهدت حصة لبنان من صادرات المنسوجات في السوق العالمية ركودًا خلال العقد الماضي، كما أن صناعة الإلكترونيات والآلات لم تنطلق بعد في لبنان، الأمر الذي يحد من فرص نمو الدخل فيه. في المقابل، كانت ديناميكية الإنتاج في لبنان في السنوات الخمسة الماضية قائمةً على الخدمات، إلا أنّ صادرات الخدمات تراجعت بشكل مُقلق، ما عرقل النمو الاقتصادي في لبنان جرّاء تركيزه على قطاع متراجع من الصادرات العالمية.

تميل الدول إلى التنويع من خلال الانتقال إلى المنتجات المحاذية والمشابهة أو تلك التي تتطلب معرفة مشابهة، وذلك من أجل الاستفادة من القدرات الحالية. فعلى سبيل المثال، تكون الدول التي تنتج المنسوجات قادرة في الغالب على إنتاج منسوجات أخرى، ولكنها قد تفتقر إلى المعرفة المطلوبة لإنتاج الآلات مثلًا. في هذا السياق، حددت أعمال بحثية حديثة مسارات لتنويع اقتصاد لبنان بناءً على ما لديه من معارف مترابطة، فذكرت الحاجة إلى (أ) حوافز حكومية لرواد الأعمال لتشجيعهم على التركيز على تصنيع منتجات متطورة للغاية، (ب) وصادرات لبنانية معقّدة من خلال الارتقاء بمستوى المعرفة الإنتاجية، (ج) والاستفادة من الميزة النسبية للبنان. إن لبنان قادر على النجاح أكثر في تنويع صناعاته عبر انتقاله إلى الإنتاج الذي يستفيد من القدرات الحالية والذي يتطلب معرفة مشابهة للمعرفة المتوافرة حالياً. ولبنان يتمتع بميزة نسبية في إنتاج الأغذية الزراعية والآلات والمعدات الكهربائية والكيماويات والورق والخشب، وبالتالي هو قادر على تنويع منتجاته أكثر من خلال تطوير هذه القطاعات وغيرها.

من خلال فهم القدرات الإنتاجية للبنان، يمكن لصانعي السياسات استخدام الحوافز لتوليد فرص العمل في القطاعات الخاصة التي يملك لبنان ميزة نسبية فيها. فعلى سبيل المثال، بوسع الحوافز الضريبية الموجّهة والمصمّمة بعناية (مثل إعفاء واردات المنتجات الوسيطة أو السلع الرأسمالية كالآلات من رسوم جمركية معينة، وإعفاء الشركات القائمة والجديدة في قطاعات معينة من الضرائب) أن تشجع على تصنيع سلع جديدة يستطيع لبنان إنتاجها اليوم. يمكن للحوافز الضريبية الموجّهة للشركات أن تشجّع أيضًا التدريب المهني النوعي وتدعم الابتكار. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه الخطوة المساعدة في تنويع قاعدة التصنيع في لبنان بدل التركيز حصرًا على عدد قليل من الشركات الكبيرة والمؤثرة أو تفضيلها على سواها بما يوفّر فرص ربحٍ يستأثر بها عدد قليل من الأفراد.

تُظهر الأدلّة الحديثة أن الحوافز الضريبية تؤتي ثمارها. فقد زادت قيمة واردات لبنان من السيارات بين عامي 2021 و2022 بنسبة 78% لتصل إلى 1.87 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لواردات السيارات من حيث القيمة منذ عام 2013 على الأقل (تاريخ أقدم بيانات متوافرة). كذلك ارتفعت قيمة واردات لبنان من الآلات والمعدات الكهربائية بين عامي 2021 و2022 بنسبة 108% مسجلةً 2.45 مليار دولار. فمع توقّع اللبنانيين ارتفاع الرسوم الجمركية في نهاية عام 2022، سارع الكثيرون إلى شراء السيارات والآلات بكميات أكبر تحسبًا لزيادة وزارة المالية سعر الدولار الجمركي من 1500 ليرة لبنانية إلى 15000 ليرة لبنانية، وفي هذا دليلٌ على أنه بإمكان السلطات المالية تحفيز المزيد من واردات الآلات، عبر استخدام الحوافز الضريبية والجمركية، من أجل توسيع قاعدة الإنتاج.

كذلك يمكن لفرض الضرائب على أصحاب العمل أن يثنيهم عن التوظيف وعن توسيع أنشطتهم الاقتصادية واستكشاف أسواق جديدة للمنتجات خلال الأزمة الحالية في لبنان. ومن جهة الموظفين، يؤدي فرض الضرائب على أجورهم إلى تراجع صافي دخلهم ويؤثر بالتالي على حماستهم للعمل. في المقابل، من الصعب على السلطات المالية اللبنانية تخفيض كل هذه الأعباء الضريبية دفعةً واحدة، في ظل ما تعانيه الحكومة لتقليص العجز المالي. وبالتالي فإن الحوافز الضريبية الموجّهة والمحددة هي ما يمكن أن تولّد مكاسب على صعيد التوظيف، فضلًا عن مساهمتها في تعزيز وتنويع القطاع الصناعي بالتكلفة الأكثر كفاءة. ولن تُثقل هذه الحوافزُ الضريبية كاهلَ الحكومة على المدى القصير، ويمكنها رفع الإيرادات العامة المتوقعة على المديين المتوسط والبعيد.

تعدّ الحوافز الضريبية في قطاعات تصنيعية معينة أداةً سهلة في متناول واضعي السياسات الاقتصادية في لبنان. فثمة حاجة ماسة لتوليد فرص عمل للقوى العاملة الماهرة في لبنان، لا سيما أن البلد يتمتع بميزة نسبية وقدرات إنتاجية في القطاعات ذات الصلة. ولا يتطلّب تطوير قطاعات التصنيع هذه سوى جهود صغيرة على شكل حوافز للمنتجين ورواد الأعمال للمضي قُدمًا في هذا الاتجاه. ولا يحتاج مثل هذا الإجراء الحكومي إلى تمويل أجنبي أو استثمارات في البنية التحتية أو إصلاحات تعليمية متخصصة، فرأس المال البشري المطلوب متوافر في لبنان. إن الحوافز الضريبية يمكن أن تحقق تحوّلًا في حال توافر الإرادة السياسية والالتزام على أعلى مستوى، لا سيّما أن الجهات الفاعلة في السوق لن تمضي في هذا الاتجاه ما لم تتوفر لها الحوافز.

بيّنت أبحاث صدرت مؤخرًا أنه في حال تشجيع شركة على دخول السوق من خلال حوافز ضريبية أو غيرها، فمن المرجح في حال نجاحها أن تحذو حذوها شركاتٌ أخرى. والمبادرون الأوائل إلى دخول السوق سيُنتِجون معلومات يمكن للّاحقين بهم استخدامها، وتتعلق هذه المعلومات عادةً بحجم العرض والطلب في السوق، وبالتالي تتعلم الشركات من بعضها البعض بشأن الطلب على المنتجات وتفضيلات المستهلكين ومعايير الجودة والأنظمة وشبكات التوزيع، إلا أن غياب التشجيع الحكومي يمكن أن يقلل من حوافز الدخول إلى أسواق جديدة، حتى من جانب المصدّرين الأكثر إنتاجية. كما أن احتمال فشل تنسيق السوق يتطلب تحفيزًا من جانب الحكومة (على شكل حوافز ضريبية) من أجل تحقيق توازن أفضل في القطاع الصناعي في لبنان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com