فن

حميد البصري ورحلة الحنين .

بيدر ميديا.."

علي حسين

قبل حوالي أربع سنوات شاهدنا عبر الفضائيات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومعه الحكومة الفرنسية بأكملها، وكذلك الرئيسين السابقين نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند، على رأس عدد كبير من المشيعين الذين ساروا وراء جنازة المطرب الفرنسي شارل أزنافور..

 

 

ولأنني مواطن “غشيم” وعلى نياتي، كنت أتصور أن الدولة، والتي غنى لها حميد البصرة اجمل الالحان ستعزي برحيل فنان بحجم حميد البصري، الذي غادرنا في بلاد الغربة يئنّ على بلاد تُنكر أبناءها. لكن يبدو أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فغاب حميد البصري أيضا عن اهتمامات المؤسسات الثقافية العراقية، فالجميع ربما يعتقد أن حميد البصري مواطن من بلاد “الواق واق”.

يأخذنا حميد البصري، في أعماله الفنية وكتاباته ومواقفه النضالية، للغوص معه في مرحلة مهمة من تاريخنا السياسي والثقافي، بدأت في واحدة من أجمل مدن العراق، البصرة عام 1935، ومرت بمحطات كان فيها الفنان والمثقف والمناضل حميد البصري مصرّاً على أن الفن موقف من الحياة والمجتمع والإنسان، وبسبب مواقفه عانى من التشرد بين مدن العالم من اليمن إلى بيروت ثم إلى سوريا لتنتهي المحطة في هولندا. في سيرة حميد البصري نحن أمام شخصية تشبه إنساناً قادماً من زمن مختلف، يخشى على بلاده التي غادرها مجبراً بعد تجربة مريرة مع المطاردة والغربة، ويخفي خشيته بنوبات من الحنين والأسى أحياناً، على زمن جعل من العراق مجرد ذكرى لحلم يريد له البعض أن يمرّ سريعاً.

كان حميد البصري مغرماً بما يقدمه، سواء في الموسيقى، أو الكتابة أو المواقف الحياتية، يعتقد أن الفن والثقافة سيصنعان بلداً يكون ملكاً للجميع، وإنساناً يبذر الخير لمجتمعه .

يكتب الكولومبي غارسيا ماركيز: إن المتفردين لا يرحلون كأفراد.. يرحلون، كمرحلة بصموا على بدايتها وصار رحيلهم خاتمتها. بدأ حميد البصري يغني للفرح والأمل والعشق وفرحة الطيور التي لم يسمح لها بأن تعود إلى أعشاشها، وانتهى بعذابات الغربة .

رحل حميد البصري غريباً، وقبل “20” عاماً رحل كاتب أغنية “ياعشكنا” كاظم الرويعي غريباً في عمان، وقبل تسعة أعوام مات فؤاد سالم مهملاً في أحد مستشفيات دمشق.. وكانوا جميعاً، يحلمون أن العمر سيضيع في بلادهم التي عشقوها حتى النفس الأخير: “يا عشكنه فرحة الطير اليرد لعشوشه عصاري”.

نستذكر زمن حميد البصري ونتأسى عليه ، لان الحاضر الذي نعيشه يحيط به الخراب ، بلا لون ولا طعم ، ونبحث عن الذين صنعوا لنا الفرح ، لان الذين نعيش معهم اليوم لا يجلبون لنا سوى الهم والغم ومفردات الانسداد والانبطاح . ونتمنى ان نُصبح دولة سوية تكرم الذين يستحقون التكريم ، ولا تنشغل بالبحث عن منصب للشيخ علي حاتم السليمان . .

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com