مجتمع

عمر الياس.. الموصلي الذي تحدى الطغيان وغدر به الزمان.

بيدر ميديا.."

عمر الياس.. الموصلي الذي تحدى الطغيان وغدر به الزما

صباح كنجي

عمر الياس.. ملامحه تذكرك بهرقل.. قبضة يده هي نسخة من قبضة أنكيدو.. المتأهب لحماية كلكامش.. تؤكد جاهزيته واستعداد للعمل.. وتشير لقدرته على التحمل غير آبه بالمشاق والصعوبات مهما كانت.. كأنه في تماهي مع حالة عدم اكتراث مزمنة.. تجعله غير قادر على التنفس ومراجعة الموقف.. بين الهجوم والانسحاب.. لذلك قرر الثبات ومواجهة المحن.. هو نوع من الثبات على الموقف في لحظة اختيار يقيني.. تفرز لحظاتها صدامات غير متوقعة.. تحتاج للرد السريع لا ينفع معها التأمل والتفكير..
هذا هو الدرس الأول الذي تعلمه.. في ريعان شبابه في أجواء الحياة العسكرية.. التي انغمس فيها وعايشها في العهد الملكي.. حينما وجد نفسه جندياً.. ومن ثم ضابط صف في سلك الطيران..
حكايته تقول:
انه من مواليد الموصل عام 1917.. في كنف اسرة فلاحية تحمل لقب الحيالي.. اضطر في صباه للعمل في الزراعة والبناء.. وواصل الدراسة المسائية.. من بعدها المتوسطة.. وتخرج من المدرسة الصناعية للطيران عام 1939 لينسب الى السرب الإيطالي الخامس..
أصيب بجرح شظية في حركة مايس 1941.. بعد فشل الحركة هرب الى سورية.. هناك انتسب للمقاومة التي قادها فوزي القاوقجي.. الذي كان هو الآخر.. بعد مطاردة الفرنسيين له والحكم عليه بالإعدام.. قد لجأ الى العراق.. والتحق بالكلية الحربية في بغداد عام 1935.. وقاد مجموعة من المتطوعين العراقيين عام 1936 لنصرة الثوار الفلسطينيين.. وشارك بحكم وجوده في العراق في حركة رشيد عالي الكيلاني المناهضة للبريطانيين.. وأسس وقاد تشكيلاً لجيش الإنقاذ العربي لاحقاً عام 1948..
تنقل عمر الياس في المدن السورية.. بين حلب.. دير الزور.. الرقة.. الميادين.. واطلع هناك في سوريا على منشورات للحزب الشيوعي العراقي.. من بينها جريدة الشرارة السرية وفيها مقال تقييمي لسياسة الحزب من الالمان.. فتح ذهنه على المنشورات اليسارية.. وحينما عاد للعراق.. بعد العفو الملكي عن المشتركين في الحركة عام 1942.. ونقل الى الموصل عام 1945.. تابع قراءة اعداد من مجلة المجلة اليسارية.. التي كانت تصدر في الموصل أولاً قبل انتقالها الى بغداد..
ومن ثم نشرات وجريدة حدة النضال السرية.. التي تبلورت من خلالها توجهاته الشيوعية.. في أجواء الانتصار على النازية.. وبروز دور الجيش الأحمر والشيوعيين السوفييت على الساحة الدولية.. ومن حينها أصبح شيوعياً صلباً يحمل بطاقة الانتساب لعضوية الحزب الشيوعي العراقي.. وتواصل نشاطه في مجال عمله.. المهني كعسكري.. والاجتماعي كمناضل شيوعي.. سطر مع الأيام تاريخياً نضالياً.. ليست هذه الاسطر.. الاَ جزء من ذلك السفر البطولي..
المعلومات الأولية عن نشاطه السياسي البكر.. تشير لانتسابه لرابطة الشيوعيين العراقيين.. التي تزعمها المحامي المعتقل داود الصائغ.. الذي أطلق سراحه في كانون الأول من عام 1943.. ليبادر مع مجموعة من الشيوعيين لتأسيس وتشكيل هذا التنظيم عام 1944.. كان من بينهم المدرس بهنام شماس توما (وهو شقيق جميل شماس توما.. الذي كان من المشاركين في الاجتماع التأسيسي للحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار 1934) وقاد الخلايا والحلقات الأولى من تنظيم الموصل.. وعرف من المنتسبين لها عبد الرحيم جودة موظف في قطاع الصحة المنحدر من لواء العمارة..
كان للتنظيم خط عسكري في الجيش.. عرف من المنتسبين له الرائد الركن سليم الفخري.. وكل من: ضباط صف طيران..
1ـ عمر الياس
2ـ عجيل علي عمران..
وأصبح عمر الياس عضواً في اللجنة المركزية للتنظيم.. الذي استمر بالعمل والنشاط لغاية عام 1947..
عن انتسابه للتنظيم يقول:
أنظم للتنظيم مع رئيس العرفاء علي عباس.. وكانت صلته بالجندي عبد اللطيف نجم.. الذي كان له صله بعريف شيوعي إنكليزي يدعى ريب من سنة 1944.. وانه استمع لمحاضرة داود الصائغ في أجواء الحرب العالمية الثانية.. والانتصارات على النازية.. الذي دفع به واقرانه العسكريين للنشاط الشيوعي وكان ارتباطه بالعريف خلف يوسف.. الذي ساهم معه بالتخطيط والتوجه لعمال النسيج والنشاط السياسي المنظم من بينهم شقيقه شيت.. الذي كان يعمل في معمل نسيج محمد نجيب الجادر..
وكانت المقهى القريبة من المعمل.. المكان الذي يجتمعون فيه.. وان جهودهم تكللت بدفع العمال لتشكيل فرع لنقابة عمال الغزل والنسيج في الموصل.. وتم ربطها لاحقاً بالنقابة المركزية في بغداد.. التي كان يقودها الشيوعيون..
وحدث لقاء لوفد النقابة من بغداد.. المكون من صادق جعفر الفلاحي وفخري السعيد.. مع العشرات من العمال في حديقة المعارف.. في الساحل الايسر من مدينة الموصل.. وأصبح من بعدها مقر الفرع في باب الجديد..
في مسار آخر..
واصل عمر الياس مع رفاقه.. العمل مع العسكريين من الضباط والجنود.. وفي لقاء احتفالي.. مع الانتصار على الفاشية والنازية.. وانتهاء الحرب العالمية الثانية.. القى عمر الياس كلمة وقصيدة شعر ترحب بالضباط الداعمين للديمقراطية والتحرر.. ورافق هذا النشاط توزيع منشورات لرابطة الشيوعيين في الموصل.. وتزامنت هذه الفعالية مع اجراءات السلطات باعتقال العديد من النشطاء الشيوعيين بتهمة توزيع هذه المنشورات..
كان عمر الياس من بين المعتقلين.. حيث جرى اعتقاله لأول مرة في صيف 1946 وأفرج عنه ليعتقل ثانية في الخريف من نفس العام ليسجن شهراً كاملا بتهمة توزيع كتاب (خطاب ديمتروف)..
وفي هذه المرحلة أصبح مسؤولاً عن اللجنة المحلية للرابطة في الموصل.. وأشرف عليها الضابط سليم فخري.. الذي عرف عنه تشدده والتزامه العسكري.. وحاول ان يطبق الضوابط العسكرية في العمل السياسي..
لم يكتفي عمر الياس.. ومن معه في التنظيم.. بهذا الإطار.. وتمكنوا من توسيع نشاطهم مستغلين أجواء العمل العلني للحزب الوطني الديمقراطي بزعامة الجادرجي.. ودفعوا مجموعة منهم للعمل في صفوفه.. تجاوز عددهم 400 شخص.. شكلوا قوام ما سمي بالجناح السياسي ـ اليساري للحزب.. مما دفع بالجادرجي لشتم الصائغ ومن معه.. بسبب هذا الاختراق لصفوف حزبه في حينه..
في عام 1947.. الذي شهد انضمام العصبة للحزب الشيوعي العراقي.. أصبح النشاط السياسي لعمر الياس ومن معه.. معتمداً على أساليب أرقى وأكثر جدية.. وجرى التنسيق بشكل مباشر بين تنظيم محلية أربيل التي كان يقودها الشاب النشط عزيز محمد.. الذي قدم الى الموصل عام 1947 واجتمع بقيادة التنظيم.. وأسفر هذا الاجتماع لاحقاً.. عن ارسال يوسف حنا القس مرشح اللجنة المركزية ليصبح سكرتيراً لمحلية الموصل التي تكونت من:
(عمر الياس واحسان يوسف وصبري بطرس) وكان من أبرز الناشطين.. خارج قوام المحلية.. في ذلك الوقت.. الاخوين.. نوري وفخري بطرس.. بهنام شماس توما.. عدنان جلميران.. وهاشم حسين.. وكانت اهم الاجتماعات واللقاءات تعقد في دار بهنام شماس..
وكان هناك من له ارتباط خاص ومباشر بيوسف حنا.. كما هو الحال مع الضابط حسين خضر الدوري..
وتؤكد المعلومات.. ان اللجنة القيادية في الموصل.. التي شكلها يوسف حنا.. بعد اتفاق فهد مع داود الصائغ.. المعتقل في سجن الكوت على حل تنظيمات رابطة الشيوعيين.. والانضمام للحزب الشيوعي العراقي.. كانت تضم عمر الياس.. وكان من أبرز نشاطهم لاحقاً المشاركة في انتخابات عام 1948 والتوجيه الذي يدعو لدعم المرشح كامل قزانجي.
وبرز دور عمر الياس عام 1948 مع احداث وثبة كانون.. التي اندلعت في بغداد وعموم العراق للمطالبة بإلغاء معاهدة بورتسموث المذلة.. في عهد حكومة صالح جبر.. حيث يلاحظ وجود نشاط للشيوعين في مظاهرات الموصل بقيادة عمر الياس.. الذي كلف من اللجنة المحلية بعد اجتماعها بالاتصال بالقوى السياسية الفاعلة المناهضة للمعاهدة.. ومنها حزب الشعب.. الذي كان يقود تنظيمه حينها المناضل عبد الرحمن القصاب..
واتصل يوسف حنا بممثل البارتي.. وبعدها جرى اعتقال عبد الرحمن القصاب.. واستمرت المظاهرة لليوم الثاني.. وتوجه المتظاهرون نحو مركز مديرية الشرطة العام.. وتمكنوا من تحرير عبد الرحمن القصاب.. الموقوف بأمر مدير الشرطة عبد الجبار فهمي.. الذي كان يضرب المتظاهرين بهراوته.. وخرج عبد الرحمن ليتم رفعه على الاكتاف..
وواصل المتظاهرون نشاطهم.. وساروا نحو القنصلية السورية.. لتقديم الشكر والتقدير لموقف الحكومة السورية المساند للوثبة.. وكان في مواجهة المتظاهرين المتصرف.. ومدير الشرطة.. وفي قيادة المظاهرة.. عدنان جلميران وعمر الياس.. الذي بادر لإلقاء كلمة تحية وتشجيع للمتظاهرين.. ندد فيها بمواقف الحكومة المتخاذلة للبريطانيين.. وحدثت مشادة مباشرة بينه وبين مدير الشرطة.. الذي زيف الموقف وإدعى في تقريره لمرؤوسيه ان عمر الياس هتف باسم وحياة ستالين..
مع استمرار المظاهرات في الموصل تمكن الحزب الشيوعي.. ومن اشترك في الاحتجاجات.. في يوم 26 كانون الثاني من الوصول الى مبنى المتصرفية.. حيث القى عمر الياس كلمة اللجنة المحلية للحزب الشيوعي في الموصل.. طالب فيها الغاء المعاهدة واسقاط حكومة صالح جبر.. وشدد على المطالبة بإشاعة الحريات وضمان الخبز وتحسين الوضع الاقتصادي.. وجسدها هاتفاً بشعار (الخبز للجياع والعمل للعاطلين).. ورغم حدوث تجاوزات من قبل بعض المتظاهرين.. ومحاولات نهب المتاجر.. التي تصدى لهم الشيوعيون واوقفوهم.. لم يبادر الجيش للدخول في مواجهة مع المتظاهرين.. بنصيحة من رئيس اركانه صائب الجبوري.. وحينما وصل المقدم الركن عمر علي الى الخط الأول من التظاهرة.. بادر المتظاهرون لرفعه على الاكتاف.. والقى كلمة هادئة بالمتظاهرين.. لكن الشيوعيين طالبوه بالهتاف ضد المعاهدة.. وهتف مرغماً.. ليسجل من خلالها أروع تلاحم سلمي وثوري بين جموع المتظاهرين وممثلين عن الجيش.. انحازوا لصالح شعبهم.. في لحظات تاريخية نادرة.. في مسيرة الدولة العراقية الحديثة.. في ظل العهد الملكي.. الذي كان ينحو نحو العنف.. ومارس القمع والإرهاب بنطاق واسع.. بعد الحرب العالمية الثانية.. وفقاً لتوجيهات بريطانيا.. والدول الإقليمية.. التي سعت للعبث بأوضاع العراق.. وتدخلت في شؤونه.. وحالت بينه وبين الاستقرار.. في فترات لاحقة ايضاً.. كما هو معروف للجميع..
عموماً كان لعمر الياس دوراً مشهوداً في تلك المرحلة.. تعدى مواجهة المستعمرين.. ومن كان في واجهة السلطة المتخاذلة للاستعمار.. ولعب دوراً اجتماعياً في حضوره المناسبات والنشاطات الاجتماعية..
وترافق مع نتائج وثبة كانون جملة فعاليات اجتماعية شهدتها الموصل من خلال مجالس التعازي التي أقيمت للضحايا والشهداء.. التي كان يحضرها ممثلو الأحزاب الأخرى.. كالاستقلال الذي اعتمد على الشريحة الغنية من أبناء المدينة.. وجلهم من الاقطاعيين.. الذين انعمت عليهم السلطات العثمانية والعهد الملكي بالمكارم والمغانم..
وكانت تحدث في هذه المجالس أحياناً.. ملاسنات ومناوشات.. لا تخلو من الاشتباك بالأيدي.. لم يكن عمر الياس متردداً فيها.. بحكم بنية جسمه القوية.. وطول ذراعه.. وكفه التي كانت لا تتردد في حسم الموقف لصالحه..
وهذا ما كان يفعله وبدرجة أقل في مقرات الأنصار.. حينما يخسر في لعبة الشطرنج مع رفاقه.. ويكون رد فعله قلب الطاولة.. وترديد كلمات قاسية للخصم غالباً ما تتحول الى طرفة.. يتناقلها الأنصار في المقرات.. كما حدث مع بهاء الدين نوري اثناء مروره بمقر كوماتا في بهدينان.. وفاز عليه في جولات اللعب.. لكنه تحمل ردود فعله القوية.. التي وصلت للشتائم.. مع موجة ضحك من الأنصار المشجعين المتابعين للمباراة.. والمنتظرين لمفاجآت عمر الياس في نهاياتها..
المعلومات عن هذه المرحلة.. من تاريخ الموصل.. تؤكد استمرار النشاط الشيوعي فيها لغاية 27 آذار 1948.. وبعد جملة نشاطات واحتجاجات اشتركت فيها غسالات الصوف.. من النساء والفتيات.. في محلة الجوبه أيضا.. ومع استمرار مشاركة النساء فيها.. قررت السلطة الملكية.. بدعم من العوائل المتنفذة في الموصل.. التصدي للنشاط الشيوعي ومجابهة المتظاهرين.. وتم اعتقال عدد من الكوادر.. وكان عمر الياس من بين مجموعة شيوعيين أغلبهم من الطلبة والمعلمين.. تم اعتقالهم في مايس 1948.. وكان هذا اعتقاله الثالث.. وبقي لمدة 6 أشهر في المعتقل.. حيث تمكن من الهرب..
وبعد اعتقال يوسف حنا القس.. ومجموعة من كوادر الموصل عام 1949.. أصبح عمر الياس المسؤول الأول لمحلية الموصل.. الا انه لم يسلم هو الآخر من الملاحقة.. وتمكنت الشرطة من اعتقاله للمرة الرابعة في 19 شباط.. بعد ثلاث شهور فقط من هروبه..
وحكم عليه لسبع سنوات بالسجن.. مع الطرد من الجيش.. وابعد الى سجن نقرة السلمان.. ولم يعود الى الموصل إلا ّ في عام 1957 ليواصل كفاحه ويصبح من جديد عضواً في اللجنة المحلية.. التي قادها هاشم حسين.. مع فخري بطرس وسعد يحي ق وعبد الرحمن القصاب.. وانضم إليهم عدنان جلميران.. اما عباس علي هبالة.. فكان عضواً احتياطياً في اللجنة واستمر هذا التشكيل القيادي لفترة ما بعد تموز 1958..

واعتبرت من انشط اللجان في عموم العراق.. لذلك زادت أجهزة السلطة الملكية.. والشعبة الخاصة تحديداً من وتيرة اهتمامها ومراقبتها.. وخصصت أكفأ عناصرها لمراقبة النشاط الشيوعي في الموصل في حينها..
في فترة 14 تموز.. كلف عمر الياس بالإشراف على العمل النسوي ومتابعته في المدينة.. وتمكن من تحقيق نجاحات ملموسه وتحويله الى نشاط فاعل ومؤثر.. في نطاق منظمة جماهيرية تنشط فيها أكثر من 1000 رابطيه.. ساهمن بفاعلية في مكافحة الامية.. ورفع الوعي بين النساء.. وبرزت بينهن وجوه أصبحن رموزاً على مستوى المحافظة والعراق..
لكن هذا النشاط لم يروق للعناصر العشائرية والمتخلفة في المدينة.. التي كانت تنسق مع الأحزاب والمنظمات والقوى.. التي أخذت تجمع قواها لعرقلة اتجاه التطور في العراق.. وأصبحت بغداد وكركوك والموصل مدناً تشهد صراعات يومية.. وصدامات بين قوى وتيارات قومجية.. مدعومة من أطراف إقليمية ودولية.. اخذت تمارس العنف.. وباشرت بالاغتيالات والتصفيات السياسية والاجتماعية.. وكان من نصيب الموصل.. بعد فشل مؤامرة الشواف في الثامن من آذار 1959.. ومحاولة اغتيال قاسم بتاريخ 7 تشرين الأول عام 1959.. وما رافقها واعقبها من احداث مأساوية وملابسات وتعقيدات أسفرت عن:
1ـ موجة اغتيالات للشيوعيين.. ومن يواليهم في المحافظة واطرافها.. حيثما امتدت ايادي الغدر من البعثيين والقوميين.. المدعومين من عوائل اقطاعية.. كانت تغذي القتلة.. بوسائل الاجرام.. وتقدم لهم المساعدات المالية.. والمكافآت على ما يقترفونه من جرائم.. ذهب ضحيتها العشرات.. لابل المئات من الناس..
2ـ موجة اعتقالات للذين تصدوا للمؤامرة من للشيوعيين والجنود والضباط.. الذين تحولوا بين ليلة وضحاها.. الى متهمين تلاحقهم أجهزة الدولة.. بأمر من قاسم.. الذي قرر الرضوخ لمشيئة القتلة.. والتراجع عن مواجهة من كان يتربص به وبسلطته.. من شراذم بشرية.. تمكنوا من الإطاحة به في الثامن من شباط عام 1963 لاحقاً..
وكان من نصيب عمر الياس في هذا المجال.. الكثير مما يمكن ذكره وقوله.. فالرجل الذي كان قد تحول الى وجهاً جماهيراً مهماً وفاعلاً في المدينة واطرافها.. ولعب دوراً قيادياً في التصدي للمؤامرة أصبح متهماً وملاحقاً ومطلوباً لأكثر من جهة رسمية وعشائرية..
3ـ جملة نشاطات محمومة مارستها أجهزة الدولة.. بما فيها مديرية أمن لواء الموصل في رفع تقارير كاذبة الى السلطات.. كانت تقلب الحقائق وتشوه الاحداث.. وتسعى لعكس انطباع وهمي لدى قاسم والمحيطين به.. وكان لهذه التقارير والمعلومات المزيفة.. قنواتها الرسمية وصداها الفعلي في الدائرة المقربة من قاسم..
وبدأت هذه الممارسات والفعاليات تعكر الأجواء مع الأيام الأولى.. التي تلت 14 تموز فوراً.. وتمثلت بالزيارة المشؤومة للعقيد عبد السلام محمد عارف في 15 آب 1958 مباشرة.. وأسست هذه الزيارة لحالة صراعات مفتعلة.. احتدمت يوماً بعد آخر.. وفق مخطط كبير.. نسجت خيوطه أكثر من جهة.. وكانت نتيجته كارثة على الموصل.. ومن فيها خاصة.. والعراق عموماً..
حيث شهدت الزيارة.. أول حالة اشتباك بين القوى القومية المتهيئة لمواجهة الشيوعيين.. ومن معهم.. من الذين أتوا للمشاركة في الاستقبال الرسمي للزائر.. وسعوا لعزلهم والانفراد بالقادم وفقاً لنوايا مبيته.. وأصبحت الأجواء متوترة.. وشهدت المزيد من الاشتباكات في الشوارع والمقاهي والمدارس والأسواق.. لا بل حتى أحياناً داخل الاسرة الواحدة..
وبرزت حدة الخلافات في المدارس.. التي تكررت فيها الصدامات.. وافرزت جرحى.. كانت تستقبلهم المشافي بين الحين والأخر.. وتحولت الجوامع الى محطات تبث الكراهية والحقد.. وتعالت من على منابرها الأصوات.. للقصاص من الشيوعيين.. وتحولت الى صالات لبث الرعب والخطابات السياسية المنددة بالمبادئ الشيوعية.. وتصدى لهذا التمادي الشيوعيون.. فتدخلت الشرطة لتحمي.. من كان يعوي في بيوت الله ومساجده.. ويمارس التضليل.. ونشر المعلومات الكاذبة.. ليل نهار.. بعد ان ضمن رجل الدين الهزيل.. من يدفع له بالمقابل.. ثمن هذا الدور المشين.. وقبل ان يتحول لمشعوذ ودجال ساهم في خلق الفتنة بين البشر..
والمدقق في مضمون هذه التقارير.. سيجد انها مكتوبة بصيغة معادية للشيوعيين.. من قبل نفس العناصر.. التي كانت تلاحقهم في العهد الملكي.. كأن كتابها ما زالوا راقدين في الكهوف.. ولم يعوا حجم التغيير الذي حصل في العراق.. لا بل مارسوا دورهم بأريحية.. كأنهم يكتبون عن معادين للوطن والشعب.. المطلوب القاء القبض عليهم.. ومعاقبتهم.. وللأسف هذا ما حصل فعلاً في عهد قاسم.. الذي اختلطت عليه الأمور.. وبات لا يفرق بين صديق ومؤازر له ولسلطته.. ومن يعاديه ويسعى للإطاحة به..
والمعلومات تؤكد..
ان عدة وفود من الموصل.. كانت قد حذرت عبد الكريم قاسم بشكل مباشر.. بما يحدث في الموصل والعراق من مخططات للنيل من الأوضاع.. وشخصت أسماء المتآمرين ودوافعهم وارتباطاهم.. وكانت نفس التحذيرات تتكرر مع المسؤولين الوافدين الى الموصل.. وتنبههم الى مخاطر الأوضاع فيها وتجاوزات القوميين والبعثيين.. الذين انغمسوا في سلسلة اعمال إجرامية.. بشكل علني كأنهم محمين من السلطة القاسمية..
وهذا ما حدث مع عمر الياس وعبد الرحمن القصاب.. عند زيارة وزير الداخلية الى الموصل العميد الركن أحمد محمد يحيي لحضور مباراة كرة القدم بين الفريق الجزائري والعراقي بتاريخ 15 شباط 1959 وكان الفريق الجزائري مكون من مجموعة من اللاعبين الجزائريين المحترفين في فرنسا، تركوا احترافهم وشكلوا هذا الفريق الذي استوطن تونس وجاب البلدان العربية وعدد من بلدان العالم لخوض لقاءات ودية للتعريف بقضية الشعب الجزائري.. وشعر من خلال احداث الملعب بالتوتر الشديد بين الشيوعيين والبعثيين وخرج من الملعب قبل انتهاء المباراة متوتراً وغاضباً ومتذمراً.. وحينما التقى بهم في مأدبة البلدية.. سأل عمر الياس كيف هي الأحوال في الموصل؟ فأجابه سيئة ولم يعد الصبر نافعاً.. ولقي نفس الجواب أيضا من عبد الرحمن القصاب.. ووفقاً لما ورد في كتابات المؤرخ عقيل الناصري عنه في الحوار المتمدن.. فإن الوزير أحمد محمد يحي قد نبه قاسم من خلال موقعه كوزير للداخلية على ما يدور من مخططات ضد السلطة والثورة ومنا ما يتعلق بمؤامرة الشواف مسبقاً..
وبعدها وقبيل المؤامرة بأيام التقى عبد الرحمن القصاب وعمر الياس في النادي العسكري بالشواف وكانت الاستفزازات البعثية ضد الطلاب الشيوعيين في اوجها وصارح عمر الياس الشواف منبهاً (ان هذه المدينة الشبيهة بالعائلة أصبحت في مجابهة واحتراب ينذران بالانفجار) وعقب الشواف لا مفر من ذلك وأطلعهم على خطته الأمنية ليوهمهم بأنه حريص على المدينة..
وفي هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والقلق عقد الحزب الشيوعي اجتماعاً في ملعب الإدارة المحلية اشترك فيه مختلف الأحزاب والاتجاهات السياسية الحريصة على الموصل.. بحضور رجال الدين ومنهم بشير الصقال والقس افرام العبودي.. وقدما مساهمات خطابية في الحفل.. اعقبهم عمر الياس بإلقاء كلمة اللجنة المحلية للحزب الشيوعي..
أكد فيها على ضرورة الحفاظ على السلم والاستقرار في المدينة.. وأشاد بالثورة.. فخرج البعثيون والقوميون من الملعب.. بدفع وتحريض من محسن العاني.. وحازم المفتي.. وكان الرجلان من اشد أعداء الثورة..
وكان دور الشواف الذي انساق مع مخططات المتآمرين.. واضحاً ومكشوفاً.. ومعروفاً للقاصي والداني.. لذلك أوصى ضباط وزارة الدفاع عبد الكريم قاسم.. بحجز الشواف في بغداد.. وعدم ارجاعه لحامية الموصل العسكرية.. قبل المؤامرة بأيام.. لكنه لم يستجيب للنداء والطلب..
عاد الشواف للموصل ليواصل تنفيذ مخططه.. بالتنسيق مع البعثيين.. الذين طلب منهم خلق أجواء متوترة في المدينة.. وافتعال مصدامات مع الشيوعيين.. لتكون مبرراً لاعتقالهم سوية.. ومن ثم حجز الشيوعيين وابقائهم محجوزين وإطلاق سراح البعثيين..
وهذا ما أكده الكادر البعثي طه فتحي داود.. الذي كانت الاجتماعات تعقد في بيته.. واشترك معهم في خلق حالة الفوضى في المدينة الإسلاميون ومجموعات من حزب التحرير.. لكي تكون مبرراً للشواف لتطبيق خطته الأمنية.. في اعتقال المؤيدين لثورة تموز في الموصل.. من الشيوعيين والمحسوبين على البارتي.. وفعلا تم حجز أكثر من 60 كادراً منهم.. مع مجموعة ضباط تجاوز عددهم ال 14 ضابطاً في الثكنة العسكرية ليلة السابع / الثامن من اذار..
وبعد فشل المؤامرة ومقتل الشواف.. استقبل قاسم وفداً كبيراً من الموصل.. كان من بينهم عمر الياس بتاريخ 25 اذار.. وأشاد بهم وأكد لهم: انه كان على علم بالمؤامرة وخاطبهم بالنص.. (اخوان ثورة الموصل هي ثورة العناصر الفاسدة، والعناصر الفاسدة هذه أرسلت اليها الأسلحة من الخارج، وان حادث الموصل سيكون درساً لأبناء الشعب العظيم وسيكون درساً للمغفلين المدفوعين بالكلام والتهريج الباطل، اننا نتشرف بلقاء أبطال مناضلين من أبناء الحدباء (الموصل) العزيزة، أنتم لستم أبناء الموصل وحدها، أنتم أبناء الشعب العراقي، واشكركم على هذه الزيارة وارجو ان يكثر الله من أمثالكم المخلصين لهذا البلد، وأنتم قوة لهذا البلد).
ووعد قاسم زواره بتعميم المقاومة الشعبية وتسليح الشعب.. لكنه تراجع عن وعده.. وأخذ يمارس سياسة معاكسة.. ناهض فيها الشيوعيون.. وفتح الأبواب للقومجية والبعثيين.. الذين تآمروا عليه.. وفسح لهم المجال للعمل بعد محاولة اغتياله بأشهر.. واخذ يلاحق الشيوعيين ويبعدهم عن الوظائف وزج بهم في السجون والمعتقلات.. وبقي البعض منهم لغاية شباط 1963 في السجون.. ليجري اعدامهم بدم بارد.. من قبل البعثيين.. الذين اطاحوا بقاسم وسلطته.
يؤكد عمر الياس.. على الموقف الكردي الداعم لثورة تموز.. ودورهم في التصدي للمؤامرة.. ويذكر ان الدعم.. كان قد وصل للموصل من العمادية وزاخو ودهوك ومجموعة من الايزيديين في قرى سهل نينوى وقضاء الشيخان.. ويذكر من بين الأسماء التي قادت هذه المجموعات.. الشيوعي نعمان أمين من العمادية.. وحمد عبد العزيز ـ عزو ـ من زاخو.. وعبد العزيز حجي ملو المزوري من دهوك ومصطفى الأركوشي..
وفي نفس الوقت يؤكد عمر الياس:
إن عبد الرحمن القصاب.. المتهم الأول في قضايا الموصل.. الذي نسبت اليه الأوساط البعثية والقومجية الكثير من الجرائم.. وادعت انه شكل محكمة قصابية استبدل بها الخرفان بالبشر.. وان ضحايا البعث ومن كان يواليهم قد تجاوزت العشرين ألف.. وفقاً لبوق الأكاذيب في محطة صوت العرب من القاهرة احمد سعيد..
ان عبد الرحمن القصاب قد لعب دوراً انسانياً في التخفيف من حدة الصراعات.. وأنقذ العديد من المتهمين البعثيين وأبناء العوائل المشاركة في المؤامرة.. واخرجهم من المعتقلات.. بعد القاء القبض عليهم.. وهو لا يتحدث.. كما يقول ويدعي القومجيين كذباً وبهتاناً أرقاماً خيالية عن قتلاهم في المؤامرة.. التي لم تتجاوز 36 اسماً..
قتلوا وسقطوا.. كمقاتلين مشتركين في المؤامرة في مواجهات مباشرة مع الجنود والضباط في صفحات الفوضى المرافقة لحالة التآمر.. مع مجموعة قتلى الدملماجة المكونة من (17) فرداً من المحتجزين العسكريين المشتركين في المؤامرة.. عندما جرى نقلهم بسيارات الشرطة.. تحت حراسة فصيل الدفاع على وجبات لموقع عين ماء بالقرب من الدملماجة.. وتمت تصفيتهم بقرار من الملازم إبراهيم محمود العباس.. الملقب بإبراهيم الأسود..
الذي جرت محاكمته وحكم عليه بالإعدام.. وشمله العفو لاحقاً.. بعد محاولات اغتيال عبد الكريم قاسم.. وأطلق سراحه مع بقية المتهمين الذين ادينوا معه في تلك الحادثة..
ويثبت عمر الياس أسماء من ساهم عبد الرحمن القصاب في انقاذهم.. ويذكر منهم شخصيات معروفة كان لها دوراً فاعلا في صفحات المؤامرة.. منهم على سبيل المثال (ناظم عبد الله مسؤول حزب التحرير وغانم حمودات وحافظ سليمان من قادة الاخوان المسلمين.. وهشام احمد الطالب وطه فتحي الذي كتب شهادته قبل سنوات ووثق وكشف جزء من الحقائق عن السلوك العدواني للبعثيين في المدينة.. ومؤيد عسكر ونديم احمد الياسين ونجم العراقي) وجميعهم من نشطاء وكوادر البعث ممن أطلق سراحهم بتدخل من عبد الرحمن القصاب مباشرة..
وهذا ما فعله أيضا الكادر الشيوعي المعروف إسماعيل رشيد.. من أبناء الموصل الذي ساهم بشكل مباشر في انقاذ عدد من البعثيين والقوميين من الموت..
وأيضا هذا ما فعله عمر الياس.. حينما سعى لإنقاذ اغوات باب البيض المشاركين في المؤامرة.. وحاجج قيادة الحزب الشيوعي العراقي.. وممثلهم حمزة سليمان.. الذي وصل الموصل.. ودعوا أي قيادة الحزب لتصفية الرؤوس المدبرة للانقلاب.. تماشياً مع موقف عبد الكريم قاسم في لحظتها..
والغريب في هذه المعادلة.. التي ما زالت لغزاً محيراً للباحثين الجادين.. طبيعة الاحكام الصادرة بحق العديد من الشيوعيين والعسكريين.. الذين تصدموا للمؤامرة.. حيث جرى حكمهم بالإعدام لاحقاً.. ومنهم ونذكر هذا للتوثيق.. ولمن يرغب بالمزيد من الأدلة الدامغة.. كل من:
1ـ الملازم الأول المتقاعد هاشم حميد العبايجي
2ـ العريف المساح خلف صالح
3ـ العريف حسان خلف
4ـ الجندي الأول طلب شلاش
5ـ الجندي الأول عبد الله محي الدين
مع قائمة طويلة بالعشرات من الأسماء بالسجن لعدة شهور.. حتى العشر سنوات.. وبحوزتي العشرات من الأسماء لمعلمين وموظفين.. لم يكن لهم اية علاقة.. بما حدث في ساعات المؤامرة.. من أبناء بعشيقة وبحزاني وسنجار والشيخان..
حيث جرى فصل واعتقال كل من جمعة كنجي وخضر حجي مادو وصبري مراد وحازم كوركيس بناء على طلب المدير العام بكتابه السري المرقم 9295 المؤرخ بـ 2-10-1960 في زمن المتصرف عبد الوهاب شاكر وجميعهم معلمون من أهالي بحزاني.. وتحت يدي ملف كامل لاعتقالهم.. والتحقيق معهم وملابسات الحكم عليهم.. بالرغم من عدم وجود اية صلة لهم.. مباشرة ولا غير مباشرة.. بتلك الاحداث وما له علاقة بمؤامرة الشواف.. والمطلع على الملف سيقف حائراً امام ما كان يجري في عهد قاسم من مخازي.. في أروقة الدولة العراقية.. التي كان يعبث بها البعثيون والقومجية.. وازلام العهد الملكي المقبور.. وسيأتي اليوم والوقت المناسب لنشر هذا الملف كاملا.. في كتاب مستقل.. ليكون شاهداً ووثيقة على عهد ما زلنا نقف حائرين امام تفاصيل أحداثه.. كما هو الحال مع بعض جوانب مؤامرة الشواف.. وما تلاها من احداث معاكسة لمجرى الجريمة.. وسياقاتها في نطاق دولة قاسم العبثية..
ومن الغريب ان المدير العام للأمن العقيد عبد المجيد خليل قد كتب في تقريره المختصر عن ملف المحاكمة في الوثيقة المرقمة بالعدد 8588 بتاريخ16-9-1960 (الى الحاكم العسكري العام.. الموضوع طلب نقل معلمين.. اعلامكم 15478 في 4-9-1960 المعطوف على كتاب متصرفية لواء الموصل ق. س -1199 في 22-8-1960 وطياً مع العلم يسجل لدينا شيء عن المعلمين جمعة حاجي كنجي وحازم كوركيس…الخ)
ومع هذا جرى فصلهم.. والحكم عليهم من قبل المجلس العرفي الأول.. بتاريخ 23-10-1961 بالحبس الشديد لكل منهم مدة سنة.. وقرر وزير المعارف العميد إسماعيل العارف.. تبعاً لذلك عزلهم وفصلهم من الوظيفة اعتباراً من تاريخ صدور الحكم..
للأسف أصبح قاسم مصدراً لهذا العبث بحكم توجيهاته.. التي يصعب فك طلاسمها وغاياتها.. كما يقول خليل إبراهيم حسين.. الذي شغل موقع معاون مدير الاستخبارات العسكرية.. ويؤكد: ان قاسم استدعى محسن الرفيعي مدير الاستخبارات العسكرية.. وعبد المجيد جليل مدير الامن العام.. وامرهم بتولي امر الشيوعيين ومطاردتهم واعتقالهم.. وتشجيع اغتيالهم.. ثم أصدر الأوامر لقادة الفرق والمحافظين.. بأن يوقفوا النفوذ الشيوعي.. واوعز لبقية مؤسسات السلطة.. بعدم التعمق في التحقيق.. الذي يطال اغتيال الشيوعيين..
وهذا ما جرى في الاقضية والنواحي أيضا.. كما هو الحال مثلا مع كوكب علي الجميل.. حاكم تحقيق سنجار.. الذي أصدر مذكرات اعتقال شيوعيين في القضاء وتوابعه.. شملت العشرات من الأسماء وبينهم معلمين وموظفين في الدولة.. وبحوزتي صور من هذه الوثائق الرسمية.. نشرت في كتاب الدكتور عبد الفتاح البوتاني.. الذي جرى التنويه عنه في الصفحات السابقة..
وفي احداها يوجد اسم 24 شيوعياً مطلوب القبض عليهم.. ومن المستغرب ان الوثيقة.. حسب قول المؤرخ سيار الجميل.. وفقاً لما جاء في كتاب البوتاني.. مؤرخة بتاريخ 8 آذار 1959 او 9 آذار وهو نفس يوم المؤامرة في الموصل..
.. بينما تم اعفاء المشتركين بالمؤامرة.. وجرى إطلاق سراحهم.. وفتح أبواب المؤسسات الحكومية لهم.. وتمت رعايتهم من قبل قاسم ومن كان يحيط به..
وانعكست هذه التوجهات على الأوضاع في الموصل.. التي اضطر فيها الشيوعيين.. وفي المقدمة منهم الكادر القيادي للعودة للعمل السري.. ولم يبقى امامهم إلا مواجهة الموقف واحتمالاته التي شملت:
1ـ الاعتقال والفصل من الوظيفة والعمل
2ـ الاغتيال
3ـ الهجرة ومغادرة المدينة
4ـ البقاء والصمود والتحدي..
وهي “خيارات” احلاها مُرْ كما يقول المثل الشعبي.. ترافقت مع نهج جديد لسلطة قاسم.. تمثلت بجملة اجراءات قمعية.. منعت فيها من إجازة الحزب الشيوعي العراقي.. وأقدمت على حل تنظيماته الشعبية والمهنية في الموصل.. وفي المقدمة منها (اتحاد الشبيبة الديمقراطي).. وفي بغداد تم إيقاف اصدار جريدة اتحاد الشعب العلنية بأمر من المجلس العرفي..
ومع تأزم الأوضاع في العراق ومطاردة الشيوعيين في الموصل.. طلبت قيادة الحزب الشيوعي العراقي منه التوجه الى بغداد في تموز من عام 1959.. ومنها جرى ترتيب امر تسفيره للاتحاد السوفيتي للدراسة.. وعاد الى العراق بعد انقلاب شباط عام 1963.. لشارك في حركة الأنصار.. وتمكن من الوصول الى الموصل سراً لأكثر من مرة لغاية عام 1973
عن تلك الأيام يذكر عمر الياس..
في مخطوط كتاباته.. التي كانت بحوزتي.. بعد وفاته في دهوك سنة 1992.. وسلمتها لأرشيف الحزب بعد مغادرتي العراق عام 1995.. وعلمت انها طبعت على الالة الكاتبة مع مقدمة كتبها عبد الرزاق الصافي.. وأخذ منها الدكتور المؤرخ عبد الفتاح عليّ البوتاني الكثير من المعلومات المتعلقة بأوضاع الموصل وبداية النشاط الماركسي ـ الشيوعي في كتابه الهام (تاريخ الحزب الشيوعي العراقي في لواء الموصل 1934 ـ 1970 الصادر عن روز هلات في اربيل عام 2023.
(بعد حركة الشواف بأشهر تم اعتقال معظم نشطاء الحزب في الموصل وتراكمت الاعمال السياسية والتنظيمية مما اوقعنا في مشاكل لا حصر لها، منها ما كان من اختصاصنا.. لكنها فوق طاقتنا بفعل الارتباك وعدم ترتيب اللازم، وأخرى.. وهي أكثر.. من غير اختصاصنا.. وليس من حقنا ممارستها، مما جعلنا نقصر في أداء مهامنا).
وجرى حينها توجيه الانتقاد للمقصرين في العمل وانتقد مسؤول الضباط في محلية نينوى لتقصيره في أداء عمله وانعكس هذا التقصير على النشاط النسوي بحكم مسؤولية هذا النشاط الذي كانت تقوده زوجته.. واضطر بعدها عمر الياس للتدخل وقيادة هذا النشاط في المجالين.. واستطاع ان يعقد اجتماع واحد للجنة الضباط قبل قرار سحبه الى بغداد.. بتوجيه من قيادة الحزب.. لكنه لم يسلم من الملاحقة واحتمال الاعتقال.. لذلك اقترح على قيادة الحزب.. ان ترسل كريم احمد الداود ويوسف حنا القس لمتابعة أوضاع الموصل.. وبعد ان ذهب المذكورين الى الموصل.. تم تنسيب المناضل طالب عبد الجبار لمسؤولية التنظيم في المحافظة..
وكانت فترة قيادة طالب عبد الجبار في غاية التعقيد.. وتميزت بالخطورة.. وكثرة الاغتيالات.. التي استمرت من عام 1959 لغاية انقلاب شباط 1963 الدموي.. وبدأت حملة تصفيات وحشية شرسة طالت العراق بأجمعه..
وكان من نصيب الشيوعيين في الموصل.. من بين المئات من المعتقلين.. العشرات من الشهداء الذين تمت تصفيتهم في السجون والمعتقلات.. ممن كانوا قد احتجزوا في العهد القاسمي.. وبقوا في تلك الأقبية لغاية انقلاب شباط.. وتم اعدامهم في شوارع الموصل وتلكيف ودهوك والقوش.. وعلقت جثث البعض منهم امام مركز شرطة قضاء تلكيف..
كما علقت جثة حميد الياس خنو امام كنيسة مار قره داغ جنوب القوش.. وجرى اعدام المعلم الشيوعي عبد الرحمن سليم المزوري والد النصير سلام تحياتي وعيسى ملا صالح في دهوك.. واجبر الناس على مشاهدة اعدامهم.. بالإضافة الى من كان قد سفر من الموصل وتوابعها الى المعتقلات والسجون الأخرى وسجن نقرة السلمان الصحراوي وتمت تصفيتم ايضاً..
علماً ان المداهمات والملاحقات التي أقدمت سلطات قاسم عليها في الموصل.. وفقا لماً ورد في كتاب الدكتور عبد الفتاح البوتاني كانت قد بلغت 7510 غارة تفتيش وملاحقة.. بالرغم من مغادرة 2424 عائلة للموصل.. شكل مجموع افرادها أكثر من 5000 آلاف شخص بين مذكر ومؤنث ناهيك عن الاطفال..
ويذكر عبد الغني الملاح.. ان عدد القتلى في جرائم الاغتيالات قد تجاوز 400 وهناك من يؤكد انها تجاوزت 800 قتيل من الشيوعيين ومؤازريهم.. بينهم عدد آخر من الضحايا الأبرياء.. لا صله لهم بأي نشاط او جهة سياسية..
وفي هذه الأجواء المعقدة.. تم تكليف ستار خضير الحيدر.. للعمل في الموصل مع طالب عبد الجبار.. الذي كان يقود اللجنة المحلية.. وفي قوامها يوسف حنا أيضا.. ومصلح الجلالي الذي كان قد ابعد من كركوك.. وجميعهم من خارج المحافظة..
بالإضافة الى عابدين احمد من الرشيدية.. وعادل صبحة من الموصل وتوما توماس من القوش.. وجميل الرحبي وعدد آخر شكلوا قوام اللجنة المحلية.. ومارسوا دورهم ونشاطهم السري في مواجهة الاحداث الدامية.. التي شهدت تواطؤ سلطات قاسم.. مع المد الرجعي والتعصب العروبي المدعوم إقليميا ودولياً.. بعد ان تحولت الموصل الى حاضنة للإرهاب المنفلت والقتلة المأجورين..
وعموما كان التوجه لإعلان الكفاح المسلح.. الخطوة التالية في سياق تطور الأوضاع في العراق.. وبدأت تنظيمات الموصل تتمركز في عدة مقرات للأنصار بين جبل بحزاني حيث تجمع عدد من الشيوعيين في بساتين وكلي مزار الشيخ بكر من اليوم الأول للانقلاب.. وبدأ التنسيق بينهم وبين مجموعة القوش ومن ثم بقية تنظيمات مدن وقرى المحافظة..
تعرفت على عمر الياس ـ أبو علي ـ وكان يلقب بـ أبو باسم وأبو رياض أيضا.. في مقر كوماته للأنصار الشيوعيين عام 1980.. حينما وصلها عبر الشريط الحدودي مع مجموعة من أنصار مفرزة الطريق.. كان حينها قد تجاوز الستين من العمر.. وبقي يزاول مهامه الحزبية بين الأنصار لعدة سنوات..
وكان لقائي الثاني به بعد الانفال في دمشق عام 1990 حينما كان يسكن بشقة في مساكن برزة مع المناضل الشيوعي مظهر كرموش ـ النصير أبو جاسم كيشان ـ من الموصل.. وكانت حينها علامات التعب بادية عليه.. واوضاعه صعبة بسبب بعده عن الاهل ووجوده في سوريا.. بحكم وجود البعثيين العراقيين فيها.. شكل ضغطاً نفسياً عليه وجعله متوتراً وعصبياً..
بعد الانتفاضة عام 1991 كان لقائي الثالث به.. حينما عاد للعراق ليبقى في دهوك ضيفاً على محلية دهوك أولا.. ومن ثم أصبح ضيفاً على محلية نينوى.. افردت له غرفة صغيرة داخل المقر.. ولم يكن لنا صلة حزبية به.. وبقي في حدود تعاملنا.. كضيف نوفر له الحماية والسكن.. وكان حاله كأي نصير او شيوعي داخل المقر..
ونتابعه ونتعامل معه بحدود هذه العلاقة.. ونشعر بمعاناته الإنسانية.. واهماله من قبل قيادة الحزب.. وحذره من العلاقات الاجتماعية.. رغم حب الناس وتقديرهم له في دهوك.. حيث كان معروفاً في الوسط الاجتماعي كشخصية قوية لها تاريخ معروف..
في عام 1992 حينما كنت سكرتيراً لمحلية نينوى.. طلب مني مساعدة.. وقال لي:
ـ اريد ان أعرف شيئاً عن عائلتي..
قلت له: هذه مهمة سهلة..
ورتبت له موعدا لقاء مع ابنه رياض.. وساعدناه في الوصول الى البيت الذي اسكنه في دهوك.. مع شخصين من اصدقاءه من الموصل.. كانا يترددان عليّ بين الحين والآخر.. واستمر اللقاء عدة ساعات كنت خلالها اعد الطعام له وللضيوف ايضاً.. لكن ما زلت أتذكر جزء من تفاصيل ذلك اللقاء العاطفي الحزين الصادم..
جاء لقائه بابنه رياض.. بعد فراق دام لأكثر من عقدين من الزمن تقريباُ أو أكثر.. حينها كان (أبو رياض) قد تجاوز العقد السابع من عمره.. بينما الابن في منتصف الاربعينات.. سأل عمر الياس أول سؤال لأبنه رياض..
ـ الحجية شولنها؟ يقصد زوجته.. كان الجواب صادماً لنا وله..
ـ الحجية توفيت من سنين
ـ سأل عن ابنه الآخر اعتقد باسم
ـ كان الجواب صدمة ثانية.. باسم قتل في الحرب العراقية ـ الإيرانية
ـ سأل عن شقيقته..
ـ ماتت
ـ سأل عن شقيقه
ـ مات
ـ سأل عن حالتين أخرى او ثلاث وكانت الجواب هو.. هو مات.. مات.. ماتت.. ماتت.
لم اتحمل.. نهضت مندفعاُ نحو المطبخ انفث دخان سكارتي.. وقلت لرياض ومن معه.. كفى.. كفى صدمات.. لن اتحمل فكيف به!
قال أحدهم:
ـ أبو علي قوي ويتحمل الصراحة..
لا أتذكر بعد هذا الحديث.. هل تناول عمر الياس شيئاً من الطعام الذي اعددته ام لا؟
لكن أتذكر.. انه أهدى ساعته ومبلغ بسيط لا يتعدى الخمسة دنانير.. كانت لا يكفي لشراء حلويات لطفل صغير.. مؤكداً:
ـ ليس لي شيء أقدمه لك.. هذا كل ما املك..
ولم تمضي بعد هذا اللقاء سوى أيام معدودة.. كانت ثلاث او أربع أيام فقط.. حينما توفي الرجل.. مات عمر الياس.. مات أنكيدو مغلفاً.. بطوق من الاحزان.. التي تحولت لمقتل رجل عنيد.. قرر ان يموت بصمت.. هو صمت الحزن.. الذي كان ينمو معه في أجواء الغربة.. التي تفتقد للعواطف والحنان.. ولم يتحمل عواطف اللقاء ومودة لحظات احتضان الابن لأبيه وبالعكس..
مات عمر الياس الموصللي.. الذي تحدى الاستبداد والطغيان.. وغدر به الزمان..
ــــــــــــــــــــــــ
صباح كنجي
26 تشرين الثاني 2023
ـ ـ أما بالنسبة لمذكراته فكانت مكتوبة بخط يده في دفاتر سلمتها للحزب بعد خروجي من كردستان عام 1996 وتأكد انها نضدت على آلة كاتبة مع مقدمة لعبد الرزاق الصافي لكنها لم تطبع لحد الآن..
المصادر
1ـ تاريخ الحزب الشيوعي العراقي في لواء الموصل الدكتور عبد الفتاح البوتاني مطبعة روز هلات أربيل 2023
2ـ صلاح الخرسان صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق دار الفرات الطبعة الأولى 1993
3ـ صلاح الخرسان صفحات من تاريخ العراق السياسي الحديث ” الحركات الماركسية” 1920ـ 1990 مؤسسة العارف 2001
4ـ رشيد رشدي منعطفات خطيرة في تاريخ الشعب العراقي اطلالة تاريخية
5ـ أوراق توما توماس مطبعة آزادي العراق.. كردستان 2017
6ـ مذكرات بهاء الدين نوري
7ـ كتابات فخري بطرس الحوار المتمدن
8ـ لقاءات ومعلومات مباشرة من كوادر عملوا مع الفقيد عمر الياس
9ـ لقاءات مباشرة للكاتب مع الفقيد في فترة الكفاح المسلح وما بعد الانتفاضة في دهوك
10ـ كتابات أخرى ووثائق دوائر ومؤسسات السلطة ودوائر الامن والمخابرات
11ـ ملفات التحقيقات الجنائية في العهد الملكي الخاصة بالشيوعيين
12ـ وثائق لمديرية الامن

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com