مجتمع

المثقف والسياسي: ندان أم سيان؟.

بيدر ميديا.."

المثقف والسياسي: ندان أم سيان؟

نادية هناوي

 

الثقافة والسياسة جدلية من الجدليات التي تغري المفكرين والكتّاب بالخوض فيها، تدليلا على سلبيات طرف أو حسناته على طرف آخر أو اكتفاء بالتأشير على سيئات هذه الجدلية التي من المفروض فيها أن طرفيها متنافران أو متعارضان على أساس أن كل طرف يعمل بعيدا عن الآخر. وعلى الرغم من كثرة ما كُتب حول هذه الجدلية من تنظيرات ورؤى، فإنها تعود دوما إلى الواجهة وتفرض على المهتمين بها معاودة النظر فيها مجددا.
ومعلوم أنه كلما كانت علاقة المثقف بالسلطة طبيعية وقد تماشت مصالحه مع مصالحها، كان بزوغ هذه الجدلية أكثر خطورة، يدلل على ذلك تاريخ طويل فيه شتى الصور والديباجات المحفوظة عن تواطؤ المثقف ومهادنته الماكنة السياسية وتخاذله أمام مغرياتها أو ربما عدم تحسبه لمؤامراتها وحبائلها للإيقاع به وتغريره.
وما من مثقف يبقى مثقفا موصوفا بأنه تنويري أو عضوي وهو يرفع راية الاستسلام ويخنع أمام السياسي قابلا بالمساومة، راضيا أن يستغله بإمكاناته الكثيرة. وما من شك في أن استغلال السياسي للمثقف هو نفسه استغلال المثقف للسياسي، إذ لا تبرئة في جدلية الثقافة والسياسة، والمصلحية هي عماد الاستغلال الذي معه تذوب الفوارق بين المثقفين المنخرطين في الماكنة السياسية وبين السياسيين المهتمين بمتابعة عجلة الثقافة.
وفي خضم هذا الوضع المتداخل والمضطرب تغدو المصفوفات الفكرية والثنائيات الفكرية سهلة التحليل وغير عويصة الفهم، فالمثقف يرى واجبا عليه أن يأخذ ويعطي مع السياسي الذي يرى أيضا أن من واجبه أن يأخذ ويعطي مع المثقف. والنتيجة بالنسبة إليهما مربحة؛ فالمثقف يكسب ودّ السياسي الذي بإمكانه أن يغدق عليه مكاسب عدة، والسياسي يشتري من المثقف سكوته فيضمن خنوعه له.. وإلا لماذا لم نعد نشهد تصاديا بين المثقف والسياسي؟! ومتى أصبحت الثقافة العربية مصدر اطمئنان وتعاون مع السياسة والسياسيين؟ وما ذنب الجمهور العريض وقد نبذه المثقف وراح يتطلع إلى رضا السياسي؟ أم هي مقتضيات المصلحة العامة والاستسلام للدعة وتجنب دوخة الرأس؟
وفي مشهدنا الثقافي العربي مظاهر كثيرة على خنوع المثقف لحنكة السياسي اللينة؛ فمعارض الكتب يفتتحها السياسيون، واجتماعات السياسيين يلتحق بها ويحضرها المثقفون، والمسابقات الثقافية وانتخابات المثقفين يرعاها سياسيون ويدعمونها كي يضمنوا لجدلية الثقافة والسياسة أن تكون لصالحهم.. وهلم جرا من الصور والممارسات وبألوان مختلفة.
إذن لا ثورة ضد الفساد السياسي ولا تنوير يزيل العتمة، فهذا كله ما عادت له أهمية، وما دامت الروح الصداقية تلقي ظلالها على طول المشهد بين المثقف والسياسي، فلا تصادي ولا تمرد، بل كل شيء يبدو ناعما سلسا وبكل وسائل تدجين القطيع، من التطبيع إلى التطبيل وربما التركيع.
وما سوء الظن بالمثقف إلا لأن السياسة مناورة في أحسن الأحوال، ولقد دفع العرب بسببها أثمانا باهظة، فغدت الثقافة كما يقول عبد الرحمن منيف (عند مفارق طرق) وخطورة الاختيار بين هذه الطرق هي في خطورة الثقافة نفسها بوصفها ركنا أساسا في بناء أي مجتمع ولها أدوارها التوعوية والتثويرية التي ينبغي أن تستمر في تأديتها بقوة واقتدار، لا أن يكون العكس مما نلمسه في مجريات الثقافة العربية الراهنة، وقد اختارت طريق التطامن متقاعدة عن تحمل أعبائها الوظيفية للأسف، وها هي اليوم مجرد استعراضات أو ديكورات لا يتجاوز الأثر الذي تتركه حدود الإعلام اليومي.
وبتغير دور المثقف تتغير الثقافة، والمحصلة أننا واقعون في أزمة ثقافية، فالمثقف الشمولي الذي ظهر بدايات القرن العشرين ومنتصفه لا وجود له بيننا اليوم كما لا وجود لتجمعات أو كيانات تحمل رؤى خلاقة وفكرا طموحا على شاكلة جماعة الديوان أو جماعة أبولو في مصر والرابطة القلمية في المهجر الأمريكي وجماعة الفن الحديث في العراق وسواها.
وقد يتفاءل أحدهم فيتساءل مستنكرا: ما الضير من علاقة المثقف بالسياسي والحركة الثقافية منتعشة وحاضرة شأنها شأن السياسة؟ والرد عليه هو أن لا خير في ثقافة تتحرك بأقدام وسيقان سياسية ثم كيف نتفاءل ودفة الثقافة يتولى أمرها متثاقف مؤدلج؟ وهل نسينا ويلات الأدلجة الحزبية وفساد مشاريعها وتحالفاتها كي لا نتوجس من أدوارها الخطيرة في صناعة أشباه المثقفين وقولبتهم وفلترتهم بمرشحات إمكانياتها المتنوعة لكي يكونوا أدواتها التي بها تُقتل روح الرفض والمعارضة داخلنا. ولا شك في أن وجود متثاقف يهرف بما لا يعرف، ويتحكم في ما هو غير واع به ولا مؤهل له، سيكون كفيلا بإزاحة وإذابة المثقفين الاصلاء غير القابلين للتدجين أو المساومة على المبادئ.
والهدف من هذه الاستراتيجية صناعة ثقافة واهية غير عضوية ليس فيها وعي ممكن ولا وعي قائم ــ بالمفهوم البنيوي التكويني الذي تطرق إليه لوسيان غولدمان ــ وإنما الثقافة ربيبة السياسة وخادمتها التي عليها أن تؤدي ما تريده منها. وهنا لا يعود اسمها ثقافة، بل هي أشكال مشوهة منها ومفبركة وقد تكون ضحكا على الذقون. إذن لا يتساوى المثقف مع السياسي الذي لا ينطلق من مبادئه دائما وإنما من مصالحه فيتقلب من هذه الضفة إلى الأخرى وقد يتحول من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. أما المثقف الحقيقي فولاؤه لمبادئه التي يلزمه بها وعيه الذي هو مرآة له في ما يقدمه لمشروعه الثقافي.
وإذا كان من النافع أن تُسخِّر الثقافة لصالح السياسة كي تفرض وجودها على قطاعات واسعة من المجتمع، فإن من مصلحة الثقافة ألا ترتمي في أحضان السياسة أو ترتجي خيرا منها، وألا ينخدع المثقف الحقيقي بالمظاهر البراقة، فينتهي أمره إلى التدجين وقد صار أداة طيعة بيد السياسي، يمرر من خلاله أهدافه ويحقق مشاريعه، ولو قرأنا تجارب التاريخ القريب والبعيد لتوفرنا على أمثلة حية وكثيرة على ذلك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com