قصة

فزاعة القرن الواحد والعشرين.

بيدر ميديا.."

فزاعة القرن الواحد والعشرين

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

لم يقنعوا بحالهم أو يقتنعوا بما تحت أيديهم، سعت أدمغة الرؤوس التي استحوذت على أغلب مقدرات مساحات الأرض ان تستبدع شيئا مغايرا جديدا، يجعل من البشر عبيدا مطواعين الى الأوامر، عبيد حتى في الجينات الوراثية، اجتمعوا فيما بينهم، و خلال مداولات أخذ و رد وبعد ان نبذوا الفزاعة الخشبية والورقية و رجل الصفيح ودراكيولا وغيرهم… اعجبتهم فكرة صناعة رجل البراز، الذي سيكون المحفز والحامي والطارد لجميع الطامعين، رجل سيكون صناعته من برازهم كونهم النخبة التي تُخرج أنتن الروائح و أعفن مخلفات بشرية، شرط ان يشاركوا النخبة فقط في صناعته، لا ضير إن صنعوه مشوها، فكلما كان مخيفنا منتنا زاد في ابتعاد الناس عن التقرب إليه والسؤال عما يفعله، لكنهم اشترطوا ان يجعلوا رجلا يقوم على  خدمته، سادنا يحافظ على بقاءه محتفظا بنتانته وقاذوراته… حفروا بركة كبيرة ثم راحوا يتغوطون بها لمدة شهر كامل إلى أن امتلئت، وحتى لا يغبنون رأي الشعب او جعلهم يستفردون في مواد صناعته طلبوا من الشحاذين و البؤساء ان يشاركونهم في التغوط أيضا… استغرب الشحاذون والبؤساء حين تغوطوا على حواف الحفرة وهم يتبرمون قائليبن: حتى تغوطهم يفرق عن تغوطنا فرائحته اكثر نتانة وأكثر قذارة عن ما نتغوطه، اجاب احد الشحاذين ردا على سؤال البائس ذلك بسبب اكلهم السحت ولوطهم مع شياطين إبليس… اخرسه احدهم بعد ان لطمه على وجهه وهو يقول: إنك كاذب بل رائحة تغوطهم اعفن وانتن من رائحة تغوط الخنازير التي تمرح في حقولهم وحظائرهم، سلني أنا فقد عملت ذات مرة لديهم… دخل السادن وهو محمر العينين هيا يا رعاع الناس ففي بقائكم مدة اطول سيتعفن التغوط من رائحة عرق اجسامكم، اللعنة عليكم كم انتم نتنون… هيا الى الجحيم بكم..

في نفس الصباح حضرت النخبة ثم شمرت عن ثيابها، دخلوا الى بركة الغائط يتجادلون في هيئة ما يصنعونه كفزاعة جديدة، بعضهم اراد أن يكون له ذيل مثل الشيطان تقربا إليه، والبعض أراد ان يكون له رأس كبير كالحمار، والبعض انتدب رأيا قرأه بأن يكون على شكل طائر كبير مثل التنين، غير ان احد الشحاذين لم يكن قد دلف بعيدا بعد، سمع جدالهم، فجاة أبدى برايه رغم ان السادن طاح به ضربا وركلا… فصاح سادتي هل يمكن ان أدلي برأي؟؟ إن راق لكم اخذتم به وإن لم يكن صرفتموني بعيدا… تعرف عليه احدهم قائلا: إني اعرف هذا الحيوان لقد عمل في فترة ما في أحد حظائر الخنازير عندي، دعونا نسمع له فقد كنت قد أخذت ببعض أراءه و كانت ذات عائد لا بأس به، حتى ظن نفسه عبقريا واراد ان يصبح سيدا على الخنازير فعنفته وضربته ثم طردته شر طردة… هات ما عند يا حيوان، سمعا وطاعة يا سيدي، أرى أنكم تريدون صناعة رجلا لا تنينا او رجل برأس حمار، لكن لدي رأي واظنه يقنع الناس ويخيفهم ويكسبكم الزهو فمثلكم علية القوم عليهم ان يأتوا بالجديد، وأظنكم بعد ان أدخلتم انفسكم مستنقع تغوطاتكم عليكم ان تصنعوا فزاعة كبيرة شرط ان تكون على هيئة رجل ضخم جدا كرجل الهولك أو كوازيمودا مخيف شرط ان يكون ذو عين واحدة يقف على قمة هرم ينظر الى البعيد من تطلعاتكم، ارى ذلك اكثر هيبة لكم ويعكس مدى استحواذكم على ما مد البصر إليه برغباتكم وتطلعاتكم بتلك العين، غير مبال بما تحته من المخلوقات.. ما رأيكم؟؟؟ صاح من كان سيدا له مرحى لك أيها الحقير، اجده رأيا ملائما و ممكنا و مبتكر جديد… ماذا تقولون؟؟ راق للجميع رأي الشحاذ غير ان أحدهم رغم موافقته طلب من السادن ان يدفن ذلك الشحاذ حيا حتى لا يشيع أن فكرة الفزاعة فكرته وتضيع جهودهم هواء في شبك… فكان له ذلك في لحظتها، قال احدهم: يبدو أننا برغم ما نريد ان نصنعه كي نسيطر على هذا العالم نتعب من إيجاد الافكار وأظننا و نحن في خضم ذلك يأتي حثالة القوم الذين كنا مثلهم يخرج برأي كنا نفكر فيه قبل ان نعتلي مناصب السلطة… لعلكم ترون أننا حين انغمسا في هذا الوحل من التغوطات لم نتذمر او نتعالى على فعلتنا لأننا رجعنا الى أصولنا التي جئنا منها، مستنقع الحضيض لكنه حضيض الدعة والسياسة التي أصبحنا على الإنصياع الى جميع الخطايا والرذيلة والفسوق شرط ان لا نترك او نبتعد عن حظيرة الخنازير التي إنغمسنا في مستنقعها المصنوع بأيدي لا تعرف أي دين او عُرف او تقاليد أو ملة… أظن أن رجل الفزاعة الجديد كفيل بأن يبقينا الى حين، حتى يأذن ذلك الرب الذي نعرف بظاهرة جديدة، صفق له الجميع، ثم شكروا الذباب الطنان الذي راح يصفق لهم وهو يحوم حولهم متراقصا بفزاعة القرن الواحد والعشرين.

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com