ثقافة

الحب المأساوي لسيرغي يسينين وإيزادورا دونكان.

بيدر ميديا.."

الحب المأساوي لسيرغي يسينين وإيزادورا دونكان

جودت هوشيار

 

من الصعب تحديد أيهما كان أكثر شهرة – الراقصة الأمريكية إيزادورا دونكان؟ أم الشاعر الروسي سيرغي يسينين؟ لم يكن لديهما أي شيء مشترك تقريبا، ولم يتحدثا حتى اللغة نفسها، ومع ذلك، انجذبا لبعضهما منذ اللقاء الأول. كانت علاقتهما عاصفة وغير متكافئة، وكالعادة تحول الحب بين شخصين مبدعين إلى بركان من المشاعر المتفجرة والمشاحنات المهلكة. هي راقصة باليه عالمية، امرأة عاطفية جميلة في منتهى الرقة والكياسة، وهو الشاعر العظيم ذو القدر المفجع.. ملايين المهتمين بالأدب والفن في روسيا السوفييتية تابعوا أخبار حياتهما العاصفة.
إيزادورا دونكان، رائدة ومؤسسة فن الرقص الحر، كانت أول من رفضت مدرسة الباليه الكلاسيكية، وأصرت على أن الرقص يجب أن يكون استمرارا طبيعيا للحركة البشرية، ويعكس عواطف وشخصية الراقصة. أسلوب رقصها – حافية القدمين في شيتون يوناني خفيف أحدثت ثورة حقيقية في تصميم الرقصات. الموهبة الأصيلة والاجتهاد والثقة المطلقة بنفسها وفنها، سمحت لها بتحقيق إنجازات غير مسبوقة، كان رقصها محط إعجاب الجمهور، ومصدر إلهام للمبدعين.
قبل اللقاء المصيري بينهما، كانت دونكان قد زارت روسيا السوفييتية عدة مرات في جولات فنية. ولعبت دور الملهمة للعديد من الكتّاب والشعراء الروس. على سبيل المثال، رأى ألكسندر بلوك في الراقصة رمزا للأنوثة الأبدية؛ وبدا لأندريه بيلي أن فن دونكان هو تنبؤ «بحياة إنسانية سعيدة». آمنت دونكان حقا بـ»رقصة المستقبل» متأثرة بأفكار فريدريك نيتشة ـ رقص يمثل اندماجا مع الطبيعة نفسها، وفوضاها وتدفقها. ربما هذا هو السبب في أن البلد الذي «ألقيت فيه العقائد، التي عفا عليها الزمن، من باخرة الحداثة» كان جذابا للغاية بالنسبة إليها. في ذلك الوقت، عندما دعاها، مفوض الشعب للتعليم لوناتشارسكي إلى روسيا، كانت معروفة في جميع أنحاء العالم: رقصت في باريس، ولديها مدرستها الخاصة في ألمانيا، وكان أنطوان بورديل، وأوغست رودان، وأرنولد رونيبيك، من عشاق فنها. ووقفت امام إدوارد مويبريدج لرسمها. بعد انفصال والديها، لم تطمح إلى الزواج، رغم مغامراتها العاطفية العديدة، انجبت ثلاثة أطفال ماتوا بشكل مأساوي، وظل هذا الألم معها إلى الأبد. في عام 1921 جاءت إيزادورا دونكان إلى موسكو، ليس فقط في جولة فنية جديدة، كما في المرات السابقة، لكن في مهمة خاصة، وهي تأسيس مدرسة للرقص الحر للطالبات المتميزات. وفقا للخطة، كان من المفترض أن يدرس فيها بنات من العائلات البسيطة، ورأت الراقصة أن هذا شيء جيد وضروري، جاءت إلى موسكو باحثة عن السكينة لروحها بعد المآسي المفجعة التي حلت بها. وقد ساعدها انشغالها بتلميذاتها على إنقاذ نفسها من الحزن والكآبة. ومن أجلهن كانت قادرة على مواصلة الحياة.
في يوم وصولها، تم تعيين الصحافي إيليا شنايدر سكرتيرا لها، وقد ساعدها في تنظيم المدرسة، وسجل أيضا كل ما كان يحدث لدونكان، وبفضل ملاحظاته، يمكننا استعادة العديد من الأحداث في ذلك الوقت، ومنها قصة حبها المأساوي مع الشاعر الروسي سيرغي يسينين.

ترقص في موسكو

اللقاء الأول

كان يسينين حريصا على حضور حفلات دونكان ومعجبا بفنها الرفيع، عرض النحات والرسام الطليعي جورجي ياكولوف تقديم يسينين إلى دونكان. أقام ياكولوف ـ في يوم ميلاد يسينين في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول عام 1921 – حفلة في الاستوديو الخاص به. ظهرت دونكان بعد منتصف الليل: في شيتون يوناني أحمر، وشعر نحاسي، أجالت النظر في أنحاء الأستوديو، ووجدت يسينين بعد لحظات كان الشاعر يركع أمامها وهي شبه مستلقية على الأريكة. وضعت رأسه على صدرها، وأخذت تنظر في عينيه الزرقاوين، وتمرر يدها خلال شعره الذهبي قائلة: «يا للرأس الذهبي». لم تكن دونكان تعرف سوى بضع عشرات من الكلمات والعبارات الروسية الدارجة. ولم يكن يسينين يعرف الإنكليزية – كان الشاعر في عمر السادسة والعشرين، وكانت هي تكبره بـ17 عاما ـ وكان من الصعب تصديق أن هذا أول لقاء بينهما؛ فقد تصرفا بشكل طبيعي، كأنهما يعرفان بعضهما منذ أمد طويل، وتحدثا طوال الليل بلغتين مختلفتين، لكنها استطاعت مع ذلك أن تفهم أشعار يسينين بروحها الرومانسية وأحاسيسها كموسيقى.. «لقد قرأ قصائده لي، ولم أفهم شيئا، لكنني أسمع أن هذا إيقاع موسيقى لقصائد كتبها شاعرعبقري» قالت دونكان لاحقا. في حوالي الرابعة فجرا غادرا معا، وخيل لمن ظل في الحفلة، إنهما لن يفترقا أبدا. انتقل يسينين للعيش في قصر بالاشوفسكي في موسكو، الذي خصصته الحكومة السوفييتية لمدرسة الرقص ولسكن دونكان. وتحول القصر إلى عش للشعراء من أصدقاء يسينين. انبهرت دونكان بيسينين وموهبته، لدرجة أنها استقبلت بكل سرور جميع ضيوفه من الشعراء، حتى عندما كانوا يقتحمون المنزل في ساعة متأخرة من الليل، ويطالبون بوجبة عشاء. كانت دونكان توقظ مساعدتها الفرنسية، التي كان عليها أن تقلي الفطائر الروسية المفضلة لديهم.

هل كان حبا؟

تساءل صديق يسينين الكاتب نيكولاي نيكيتين: «هل أحب يسينين دونكان حقا، أم لا؟ أعتقد أنه أحبها. ربما كان هذا الحب أحد أخطائه». كان يسينين مبتهجا بحب دونكان الراقصة التي تحظى باعتراف عالمي، وبموهبتها الخلاقة وشخصيتها القوية المشرقة. ومن جانبها عبّرت دونكان ليسينين ليس فقط عن مشاعرها الأنثوية، لكن أيضا احتضنته كأم حنون، وهو أمر كان يفتقر إليه كثيرا في علاقاته النسائية. كانت الفنانة العالمية غنية، ومستعدة للتضحية بكل شيء من أجله، والصرف بسخاء على المآدب والشمبانيا والهدايا الثمينة، ليكون سيريوزا (اسم التدليل لسيرغي) الحبيب الرائع سعيدا، ولا يشعر بالحاجة إلى أي شيء. أحب دونكان الشاعر الشاب بشغف، لكنها في قرارة نفسها أدركت أن هذا الحب كان منذ البداية يائسا. كان يسينين يعبّر عن روحه القلقة بالهروب من الواقع السوفييتي العبثي ونهج أسلوب في الحياة ـ كان شائعا عند المبدعين الروس ـ وهو الصعلكة. والإفراط في تعاطي الكحول للتخدير الذاتي حينا، والتمرد حينا آخر.
يقول الكاتب البلجيكي البارز فرانز إلينز: «لم تكن لدونكان أي أوهام، وكانت تعرف أن وقت السعادة القلقة سيكون قصير الأجل، وأنها ستمر بصدمات دراماتيكية، وأن الوحش الصغير الذي أرادت تربيته يرجع إلى طبيعته عاجلا أم آجلا، ويتخلص ربما بقسوة ووقاحة من وصايتها العاطفية.»
لم تكن علاقتهما هادئة أبدا، فقد كان يسينين يترك المنزل دون سابق إنذار، ويذهب ليسكر حد الثمالة، ويختفي لعدة أيام ثم يعود وكأن شيئا لم يحدث. كانت تنتظره. وذات مرة أهدته ساعة ذهبية عليها صورتها حتى ينظر إليها كثيرا ويتذكرها. لم تنجح الحيلة، على الرغم من أن يسينين كان يحب إخراج الساعة الجميلة والتباهي بها أمام أصدقائه. وفي أثناء إحدى المشاجرات رمى الساعة الذهبية على الحائط وكسرها.. ذات يوم وبعد مشاحنة عنيفة غادر يسينين المنزل. بعد بضع ساعات، وصل بواب مع رسالة دونكان إلى يسينين، ثم جاء إيليا شنايدر، وبحلول المساء – جاءت دونكان نفسها تطلب المغفرة (من ذنب لم ترتكبه). جلست على الأرض بالقرب من شاعرها، ووصفته بالملاك، واعترفت بحبها له. دفعها بعيدا، وجلدها بألفاظ قاسية. لكنها إما لم تفهم، أو أنها لم تشعر بالإهانة، وأصبحت أكثر لطفا. ونتيجة لذلك، غادرا معا في سعادتهما الغريبة.

كانت دونكان قد وعدت نفسها في السابق بعدم الزواج أبدا، لكنها خرقت نذرها من أجل يسنين. ولم تنفصل عنه رغم تصرفاته الجامحة. وفي الوقت نفسه، تلقت الراقصة دعوات للقيام بجولات فنية في عدد من البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. وتزامن ذلك، مع وفاة والدتها في باريس، وبدأ الزوجان في الاستعداد بشكل عاجل للمغادرة. وفي محاولة لتسهيل جميع الإجراءات البيروقراطية على نفسيهما، سجلا زواجهما بشكل رسمي في الثاني من مايو/أيار 1922، وغادرا روسيا السوفييتية في الشهر نفسه.
ادعت ألسنة شريرة أن يسينين، لم يكن يحب دونكان بقدر ما كان يحب شهرتها العالمية. ذهب الزوجان في جولة طويلة استغرقت 15 شهرا في الدول الغربية. رقصت هي مثل آلهة، وكتب هو قصائد رائعة. قالت دونكان لأصدقائها: «يسعدني أن أحب يسنين. فهو شاعر عظيم، إنه عبقري. سأقدمه للعالم بأسره. أريد أن ينحني العالم كله أمام يسينين». وقبيل السفر إلى الخارج أهدى يسينين كتابه «بوغاتشوف» إلى دونكان، وكتب في كلمة الإهداء: «من أجل كل شيء، كل شيء، أشكركِ.»

زوج دونكان

عندما وجد يسينين نفسه في الخارج مع دونكان، سرعان ما اضطر إلى قبول حقيقة بسيطة: لم يكن معروفا في الغرب سوى بين المهاجرين الروس، ولم يُنظر إليه إلا كزوج دونكان العظيمة. ذات مرة رأى في أثناء تجواله في نيويورك صورته الشخصية على الصفحة الأولى لإحدى الجرائد في واجهة كشك للصحف. كان مندهشا للغاية، وقال في رسالة إلى أحد أصدقائه: «اِقْتَنيت عشرات النسخ من الجريدة، أسرعت إلى المنزل، وفكرت أن من الضروري إرسال بعض النسخ إلى أصدقائي في الوطن، وسأطلب من أحد ما أن يترجم لي النص المنشور تحت الصورة». وكان النص المترجم مخيبا لآمال الشاعر: «سيرغي يسينين، موجيك روسي بسيط، زوج الراقصة الساحرة ذات الموهبة العظيمة التي لا تضاهى، إيزادورا دونكان، إلخ». «وأضاف يسينين في رسالته: «كنت غاضبا جدا لدرجة أنني مزقت الصحيفة إلى قطع صغيرة، ولم أستطع أن أهدأ لفترة طويلة.. قلت في نفسي – هذا مجدك! في ذلك المساء نزلت إلى المطعم، وأخذت أشرب وأبكي، أريد حقا العودة إلى الوطن.»

تحول يسينين في الخارج من شاعر عظيم إلى زوج دونكان، أخذ يسكر بإفراط، وتركها وحيدة أكثر من مرة، ولم يتورع عن ضربها أحيانا، عندما يغضب لأتفه الأسباب، ثمّ يندم على ما فعله، ويفصح عن حبه لها. سئمت دونكان من تصرفات يسينين الطائشة، وفي أغسطس/آب 1923 قررا العودة إلى روسيا. بعد العودة، عاش الزوجان معا لفترة قصيرة، وكان هناك خلاف، واختفى يسينين، وانتقل للعيش بشغف جديد مع صديقته غالينا بينيسلافسكايا. في عام 1924، انهار زواجهما أخيرا. كانت نتيجة زواجهما ورحلتهما عبر أوروبا وأمريكا هي ديوان شعر بعنوان «موسكو كاباتسكايا» «موسكو الخمارات». جرى لقاء يسينين الأخير مع دونكان في منزلها في شارع بريشيستينكا، وانفصلا ببرود.

في 30 سبتمبر/أيلول 1924، غادرت دونكان إلى باريس لوحدها. وفي وقت لاحق، ستقول، إن السنوات الثلاث التي قضتها في روسيا، على الرغم من كل المصاعب، كانت الأسعد في حياتها. احتفظت دونكان بذكريات دافئة عن الشاعر الروسي العبقري الوسيم. عند علمها بوفاته مشنوقا في غرفته في فندق «إنكليتير» في لينينغراد ( بطرسبرغ حاليا) في 28 ديسمبر/ 1925، أدلت دونكان ببيان لصحف باريس: «لقد صدمني موت يسينين. تسبب لي موته المأساوي أعمق الألم. كان لديه الشباب والجمال والعبقرية. وبسبب عدم رضاه عن كل هذه النعم، سعت روحه الشجاعة إلى تحقيق المستحيل. لقد دمر جسده الشاب الجميل، لكن روحه ستعيش إلى الأبد في روح الشعب الروسي، وفي روح كل من يحبون الشعر. إنني أحتج على التصريحات التافهة التي نشرتها الصحافة الأمريكية. لم تكن هناك أي خلافات عميقة بيني وبين يسينين، ولم نتطلق مطلقا. أحزن على موته وأشعر بالألم واليأس.»
صُدمت دونكان بموت الرجل الذي ظلت تحبه. كتبت إلى ابنتها بالتبني إيرما، المقيمة في روسيا: «لقد بكيت وعانيت كثيرا بسببه، ويبدو لي أنني قد استنفدت بالفعل كل الاحتمالات الإنسانية للمعاناة». بعد وفاة يسينين، عاشت دونكان أقل من عامين، وماتت في 14 سبتمبر 1927، بشكل مأساوي في نيس. علق طرف وشاحها الحريري المتطاير، الملتف حول عنقها، بمحور العجلة الخلفية للسيارة مُسببا كسر عنقها واختناقها وموتها على الفور. دفنت إيزادورا دونكان في باريس. ثمة العديد من المذكرات حول العلاقة بينها وبين سيرغي يسينين، وعدة أفلام سينمائية وعروض مسرحية حول حبهما المأساوي. إنه لأمر مؤسف أن القدر قد أعد لهما تجارب مهلكة لا تطاق، وقد احترقا قبل الأوان، مثل نجمتين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com