منوعات

«في مثل هذا اليوم» من اسكتلندا: يوميات تصنيع كيان ومقاومة شعب.

بيدر ميديا.."

«في مثل هذا اليوم» من اسكتلندا: يوميات تصنيع كيان ومقاومة شعب

هيفاء زنكنة

 

هل بإمكاننا أن نُحدثُ تغييرا، في أي مجال عام، ونحن نعيش في عصر تزخ فيه الأخبار السيئة على رؤوسنا بشكل يومي؟
هل من قيمة للمبادرة الفردية وأنشطة التضامن إزاء أنظمة تقتات على تجارة السلاح وهدفها الأول والأخير الهيمنة على الشعوب بمساعدة حكام محليين يديرون التضليل والقمع بالوكالة؟ ماذا عن الأنشطة الجامعة بين التوعية والتوثيق والحفاظ على الذاكرة، في عصر يتميز بكثافة التضليل الأعلامي وفبركة الأخبار؟
عشرات الأسئلة يثيرها يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، المؤرخ 2 كانون الأول/ديسمبر1977 للاحتفال به من كل عام باعتباره اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو ذات اليوم من عام 1947 الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة قرار تقسيم فلسطين. تأخذنا محاولة العثور على أجوبة إلى النظر في نوعية النشاطات المنظّمة بمناسبة «اليوم». حيث تقام، في كل عام، نشاطات كثيرة، في أرجاء العالم، من بينها نشاطات رسمية لحكومات تساهم، عمليا، في ديمومة الاحتلال وتبرير جرائم وانتهاكات المحتل اليومية ضد الشعب الفلسطيني، بينما تدّعي العكس لتتجنب أما إغضاب شعوبها كما في البلدان العربية أو إغضاب الكيان الصهيوني شاهر سلاح «معاداة السامية» في البلدان الغربية. هناك، أيضا، فعاليات تحييها منظمات الأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية الدولية ومنظمات المجتمع المدني في عديد البلدان، ويتبنى معظمها خطاب الأمم المتحدة الرسمي «للتوعية بمحنة الشعب الفلسطيني وحشد الدعم لنضاله في سبيل نيل حقوقه غير القابلة للتصرّف». ما يميز هذه النشاطات، بالدرجة الأولى، كونها مرتبطة بـ «اليوم» الذي دعت إليه الأمم المتحدة، بينما يعيش الشعب الفلسطيني في سجن الاحتلال في كل دقيقة من دقائق يومه، بسنوات الاحتلال حيث «جدران بيتك تحفظ عن ظهر قلب وجوه القذائف، وأنت بباب المشيئة واقف، وصوتك نازف، وصمتك نازف، تلم الرصاص من الصور العائلية، وتتبع مسرى الصواريخ في لحم أشيائك المنزلية، وتحصي ثقوب شظايا القنابل في جسد الطفلة النائمة»، كما صورّها الشاعر الراحل سميح القاسم، ولا تزال متمثلة في معاناة الفلسطيني ومقاومته ألتي تُعري قتلة الاحتلال وهم ينفذون جرائمهم وإعداماتهم في الشوارع العامة.
من هنا، من ديمومة المقاومة الفلسطينية التي يدفع الفلسطيني حياته ثمنا لها، تنبع ضرورة استمرار التضامن العالمي، بشكل يومي، مهما كان حجمه، ليكون جزءا لايتجزأ من إثبات الإنسان لإنسانيته وتعطشه لتحقيق العدالة، وألا يقتصر على يوم واحد في السنة وألا يختزل النضال لتحرير فلسطين التاريخية ووصف الاستعمار الصهيوني الاستيطاني بأنه نزاع.

إن مبادرة « في مثل هذا اليوم»، التي يشارك في إعدادها ونشرها قلة من الناشطين المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية، تؤكد أهمية مبادرات التضامن العالمية

من بين المنظمات الناشطة في تطبيق هذا الموقف المبدئي، على الرغم من حملات التشويه التي تتعرض لها تحت مزاعم «معاداة السامية»، هي «حملة التضامن الاسكتلندية مع فلسطين»، التي أسسها الناشط الحقوقي ميك نابيار، عام 2000، وتديرها الناشطة صوفيا ماكلاود. تهدف الحملة إلى التوعية، وتحشيد المعارضة العامة لمشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وتواطؤ حكومة المملكة المتحدة لدعم إسرائيل، وإرسال رسالة تضامن قوية مع مقاومة الشعب الفلسطيني، من خلال عديد النشاطات ومن بينها المشاركة العملية في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل حتى تنهي احتلال الأراضي الفلسطينية.
لمواجهة الحملات المحمومة لمحو الذاكرة وكتابة التاريخ وفق الأجندة الصهيونية الاستعمارية، شرعت الحملة، قبل عامين، باستحداث «في مثل هذا اليوم» باللغتين الانكليزية والعربية. مستفيدة من التطور التقني في أسلوب التواصل، وفرت الحملة «في مثل هذا اليوم» للاستلام عبر الواتس آب، بالإضافة إلى موقع الحملة الرسمي وصفحتها على الفيسبوك. وهي خدمة مجانية، يصفها محمد عيسى، أستاذ الفيزياء المتقاعد، ومترجمها إلى العربية، بأنها «فكرة بسيطة لمذكرات باتت تجذب جمهورًا متزايدًا من جميع أنحاء العالم. « في مثل هذا اليوم»، ليس مجرد سجل جاف للحقائق التاريخية، بل أكثر من ذلك بكثير… في وقت يتم فيه إسكات أصوات الفلسطينيين ومحو روايتهم وتاريخهم».
ويستطرد قائلا «عندما طُلب مني إجراء الترجمة العربية لليوميات، أدركت فجأة مدى ضآلة تعرضنا للتاريخ الفلسطيني بشكل يسهل الوصول إليه». وهو ذات الاحساس الذي انتابني وأنا أتابع ما أستلمه، يوميا، منذ عامين على هاتفي المحمول، من يوميات موثقة، كان بعضها أما مدفونا في ملفات سرية أو لعلها ضائعة في زخم المتوفر من غث وسمين. فإذا كان هذا احساسنا، نحن الذين درسنا تاريخ فلسطين ونحمل فلسطين بدواخلنا، فكيف بالغربي الذي لم يكن حتى فترة قصيرة يرفض حتى لفظ اسم فلسطين ناهيك معرفته بتاريخ الاحتلال وما قاد إلى تصنيع الكيان الصهيوني؟
من بين اليوميات، مثلا، تذكير بما حدث في 24 نوفمبر من عام 1940، حين قامت المجموعتان الصهيونيتان الإرهابيتان الهاغاناه بالتنسيق مع الإرغون بتهريب قنبلة ضخمة على متن سفينة في ميناء حيفا. كانت السفينه باتريا س س تنقل آخر 1800 لاجئ يهودي من ألمانيا النازية متجهين إلى موريشيوس، حيث توجد منشآت لتوفير ملاذ آمن للاجئين. تم تفجير القنبلة في الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، مما أسفر عن مقتل 267 وإصابة 172 آخرين.
كان هدف الاعتداء منع مغادرة أي يهودي من فلسطين. أما في 4 ديسمبر، عام 1948، فقد نشر ألبرت أينشتاين وعدد من اليهود الأمريكيين البارزين رسالة في صحيفة « نيويورك تايمز» تدين حزب حيروت، سلف حزب الليكود برئاسة نتنياهو حاليا، باعتباره «قريبًا جدًا في تنظيمه وأساليبه وفلسفته السياسية وجاذبيته الاجتماعية من الأحزاب النازية والفاشية «. استخدم حيروت «أساليب العصابات» و«افتتح عهد الإرهاب ضد الجالية اليهودية في فلسطين» وكذلك ضد الفلسطينيين. مُنح مؤسس حيروت مناحيم بيغن على جائزة نوبل للسلام بعد 30 عامًا.
إن مبادرة « في مثل هذا اليوم»، التي يشارك في إعدادها ونشرها قلة من الناشطين المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية، تؤكد أهمية مبادرات التضامن العالمية، وما توفره للقراء، سهلة القراءة، عميقة وقصيرة، بعيدة عن رطانة الخطب، مما يجعلها أقرب إلى ومضة نور في محيط مظلم أو مفتاح باب يقود إلى فضاء معرفة أوسع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com