منوعات

الحكاية الخرافية وإدراك مغزاها.

بيدر ميديا.."

الحكاية الخرافية وإدراك مغزاها

نادية هناوي

 

تستحوذ الحكاية الخرافية على جانب كبير من السرد العربي القديم، وشكلت لوحدها عالماً له خصائصه وانعكاساته واستطاعت أن تسمو بالسرد من نطاق شعبي ضيق إلى النطاق الرسمي العام. وما تاريخها سوى تاريخ الإنسان على هذه الأرض وبالتدرج تطورت الحكاية في أشكالها غير مفصولة عن أشكال التعبير الإنساني الأخرى. وأول صورة تعبيرية اتخذتها أنها كشفت عن تجارب نفسية أو ممارسات اجتماعية بسيطة تم نقلها شفاهياً، ثم تواترت روايتها على الألسن عبر الأجيال إلى أن تخصص بنقلها أناس امتلكوا الموهبة والحذاقة، فكانوا يوظفون الطاقة التخييلية في صياغة حكايات شفاهية. وبتقدم الزمان صارت للحكاية الخرافية قوانينها الشكلية والموضوعية المختلفة نوعياً عن الأسطورة، والمتجردة قيمياً من الصفة الإخبارية من ناحية الصدق والكذب. ولا يخلو شعب من الشعوب المتحضرة من الحكايات الخرافية، وأقدم هذه الشعوب هم السومريون الذين عرفوا هذه الحكاية ومن بعدهم انتقلت إلى شعوب البحر المتوسط.
ولا مراء في أن الحكاية الخرافية هي أساس الأدب عامة والشعر خاصة، وهو ما تشير إليه حياة البشر ما قبل التاريخ، وما اكتشف من آثار ومدونات قديمة تعطي صورة لطبيعة المرويات التي تداولها البشر قبل آلاف السنين.
وعلى الرغم من أن كثيراً من الإرث الحكائي ضاع، فإن هناك دلائل مادية وافتراضات علمية، تؤكد أن الحكاية الخرافية خالدة في ما بقي منها في الذاكرة الجمعية. وهو ما يقتضي منا العناية بدراستها والبحث في أهميتها وإدراك مغزاها بعد أن ساد اعتقاد عام أن الحكاية الخرافية بدائية وتمثل مرحلة ساذجة من حياة الإنسان، لم يكن للعقل فيها دور أو عنوان.
وأساس هذه التصورات أن التاريخ الذي ظهرت فيه الحكاية الخرافية سحيق في القدم، وأن كثيراً منها لم يصمد أمام الزمن وما وصل إلينا هو منتحل وغير حقيقي. ولكننا إذا ربطنا بين نشأة الحكاية الخرافية ونشأة التدين والاعتقاد فسنجد أنها غير قابلة لأن يتقادم عليها الزمن، بل هي وإن تحورت وتطورت فإنها باقية كشاهد على قوة الوازع الديني في حياة البشر على مر الأزمان.
ومن ثم لا بدائية ولا سذاجة أو فطرية في ما بدر عن الإنسان من أفعال فكّر فيها وأراد أن يعبر من خلالها عن نفسه وما حوله متعايشاً ـ تصالحاً أو مهادنةً ـ فتخيل الآلهة بشراً وعبدها واعتقد أنها تشاركه حياته وتؤثر في مماته. وهو ما تؤكده أبحاث علم الأديان التي تذهب إلى أن معرفة الإنسان للتأمل وامتلاكه الحكمة في إدراك كنه الوجود وجوهر الحياة هو قديم قدم وجوده على الأرض. وما من غموض واجهه الإنسان القديم إلا كان الخيال هو أداته في التأمل فوضع تفسيرات خيالية لكل مظهر من مظاهر حياته، ولم يفصل بين التخيل والتدين والتعايش مع الوجود منذ آلاف السنين. ولا نستثني أي شعب من الشعوب القديمة في كونها أنتجت الحكاية الخرافية، ولا نقصرها على الإغريق أو الهنود أو الفرس أو العرب.
ولا شك في أن الحكاية الخرافية هي الأساس الذي عليه بنيت الأسطورة، فكانت أولا حكياً متداولاً ثم صارت شعراً ودونت في شكل قصائد، شكّلت الأساس لبناء الملاحم والقصص والمسرحيات في ما بعد. وبلغت ذروة هذا الإنتاج الأدبي للأسطورة في عصور لاحقة حتى تبلورت في العصور الوسطى أشكالا أدبية جديدة وتكاملت مع أنواع أخرى قديمة، وبدت الحكاية الخرافية كأنها ماتت أو ذوت، بينما هي في الحقيقة الأساس الخيالي لكل نوع فني وجنس أدبي.
وقد عمقت نظريات الأدب التي اهتمت بنمو الأجناس الأدبية وتطورها ذاك التصور بأن الحكاية الخرافية انقرضت وانتهت، وأن ما بقي منها لا يمثل مرحلة أدبية تستحق الدراسة إلا في صورتها الشعبية التي درسها الشكلاني بروب في كتابه (مورفولوجية الحكاية الشعبية الروسية) قاطعاً الطريق على كثير من التصورات في مجال علم الخرافة الذي بانت طلائعه في عشرينيات القرن الماضي. فترسخ الاعتقاد بأن تاريخية الحكاية الخرافية تنطلق من ألف ليلة وليلة لكنها تتضح في الحكاية الروسية العجيبة في متن أفاناسييف عن الخرافة الشعبية وكتاب بولت وبوليفكا المعنون (ملاحظات حول خرافات الأخوين كريم) غير أن أهم ما توصل إليه بروب هو استباقه ما سيكون عليه علم السرد مستقبلاً في دراسة آداب العصور القديمة قائلا: (عندما سيبدو هذا الأدب في نظر الأجيال القادمة بالمنظور البعيد نفسه الذي تبدو لنا من خلاله العصور القديمة منذ ما قبل التاريخ إلى العصر الوسيط، وعندما سيعمل الزمن على تلخيص تعقيدات هذه الظواهر وتقليصها إلى مجرد نقطة تغوص في الأعماق، إذ ذاك ستنصهر خطوطها في تلك التي نكتشفها الآن عندما نلتفت لمعاينة هذا الإبداع الشعري القديم وسيتربع الاختزال والتكرار على طول الطريق).

بالطبع ليس وراء اعتبار العرب متأثرين غير مؤثرين، وناقلين غير منتجين، سوى النظرة الاستشراقية التي بموجبها تكون الشعوب الشرقية متخلفة وشعوب أوروبا متحضرة. وإلا أين عصور ما قبل التاريخ من العصور الوسطى كي يكون لحضارات الشرق القديم تلاق مع حضارة الغرب عامة والعالم الجديد خاصة؟

وعلى الرغم من أن ليفي شتراوس اهتم بالفكر الإنساني في مرحلته الطفولية، وأكد أهمية دراسته في بعده التاريخي والإنثروبولوجي، فإنّ ذلك لم يترك آثاراً واضحةً على النظرية الأدبية عامة ونظريات السرد خاصة. فبقيت الحكاية الخرافية كأنها غير موجودة تاريخياً أو موجودة لكنها منقرضة. وأهم ما عملته الدراسات الإنثروبولوجية هو أنها اتخذت من دراسة الحكايات الخرافية طريقاً يوصل في أبعاده التاريخية إلى فهم عادات البشر وحياتهم في صورها الفطرية الأولى. وكان للمناهج التي استحدثتها الدراسات ما بعد البنيوية ومنها المنهج الأسطوري والسيميائي والتفكيكي أن ساهم في إيلاء الفلكلور اهتماماً لكنه ظل محصوراً أيضا في إطار البحث عن الأنواع الأدبية وتطور أنماطها الشعبية الغنائية والقصصية والمحكيات المفردة والجماعية.
ولا خلاف في أن الحكاية الخرافية هي همزة الوصل بين الجذر والفروع أي بين الحكي وما تولد عنه من أساطير، وأشكال شعرية وأنواع نثرية وأجناس أدبية.. بيد أن الدرس النقدي الغربي تغافل عن هذا الدور المهم للحكاية الخرافية. وكان للدرس البنيوي بعض الدور في إعادة الاعتبار إلى الحكاية الشعبية فدرسوا بناءها الداخلي واعتنوا بالعلاقات والعناصر، ولكنهم لم ينظروا إلى أبعاد الحكاية الخرافية الإطارية وسماتها الخارجية من ناحية المنتج والمستقبل، وفعل التاريخ ودور الخيال وما إلى ذلك.
إن أهمية الحكاية الخرافية تأتي من أهمية فهم مركزية إنتاجها الأولي كأصل عنه انبثق كل أنواع الحكي الأخرى الأسطورية والدينية والبطولية والتاريخية. ومن ثم لا تمييز بين الحكاية الخرافية وهذه الأنواع، فنبحث عنها ونقارب أنماطها، إذ كيف يمكن فهم الفروع من دون الوقوف على حقيقة الأصل الذي لا يكون أصلاً إلا إذا كان متسماً بالاتساع.
ومعتقدات البشر وتقاليدهم لم تنشأ من فراغ، كما أنها لم تأت عن فوضى التعدد والتشابك، بل هي تشكلت كقاعدة هي واحدة في صلادتها ومتسعة في تأثيرها. وهو ما ينطبق على الحكاية الخرافية التي عرف السومريون أول ابتكاراتها ومنها أنشأوا أساطيرهم في الخلق والكون والحياة والموت، فكانوا أول من بنى الملحمة من الأساطير. وفي ذلك دليل قاطع على أن الحكاية الخرافية هي أول شكل تعبيري ابتدعه الإنسان وكانت نشأته في بلاد ما بين النهرين، فاستحوذت على فكر السومريين والبابليين والأكديين الذين كانت لهم تأثيراتهم اللغوية والحياتية في الأقوام المجاورة.
أما ما تصوره فردريش فون ديرلاين من أن الفراعنة والإغريق والرومان والهنود هم المصدر الكبير لتدفق الحكاية الخرافية، فلا نؤاخذه عليه لأنه أثبته في مرحلة لم تكن الدراسات الآثارية والإنثروبولوجية قد توصلت إلى كشوفاتها التاريخية المهمة بعد.
وهو إذا افترض أن العرب استمدت الحكاية الخرافية مما ترجم إليها من حكايات الهنود والفرس في ألف ليلة وليلة، فإنه أيضا اهتم بتاريخ الحكاية الخرافية في أوروبا وما تركته الحروب الصليبية وفروسية العصور الوسطى من أثر فيها، من دون أن يشير إلى فضل العرب الذين منهم استمد الرومان والألمان حكايات طوروها بأشكال تلائم حياتهم.
بالطبع ليس وراء اعتبار العرب متأثرين غير مؤثرين، وناقلين غير منتجين، سوى النظرة الاستشراقية التي بموجبها تكون الشعوب الشرقية متخلفة وشعوب أوروبا متحضرة. وإلا أين عصور ما قبل التاريخ من العصور الوسطى كي يكون لحضارات الشرق القديم تلاق مع حضارة الغرب عامة والعالم الجديد خاصة؟ ولا مناص من القول إن الحكاية الخرافية عاشت أوج ازدهارها منذ أن صارت قاعدة عليها انبنت الأساطير. ومنذ ذلك الحين والحكاية الخرافية حاضرة في كل شكل أو جنس أدبي تم استحداثه والتقيد بضوابط معينة في ابتداعه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com