ثقافة

لجواهري الكبير الذي دعمني أدبياً.

بيدر ميديا.."

الجواهري الكبير الذي دعمني أدبياً

غادة السمان

 

منذ ربع قرن رحل شاعر العراق الكبير مهدي الجواهري، ولم تتح لي الفرصة قبل ذلك لشكره على شهادته بأدبي، ولا أنكر أنها أفرحتني وجعلتني أشعر بالامتنان نحو ذلك العراقي الذي يشبه بلده الكريم:
يعطي ولا يأخذ، وكله سخاء نفسي.
ففي حوار للشاعر الكبير الجواهري، أصابني حظ من جواهره في ما قاله للزميل الراحل حافظ محفوظ الذي حاوره ولم نكن نعمل معاً في مجلة «الحوادث» يومئذ. سأل محفوظ الشاعر الكبير الجواهري عمن يعجبه من الكاتبات والكتاب.

كم دعمني بعدما طالعني

قال الجواهري لحافظ محفوظ حرفياً، رداً على أسئلته، ما يلي: «أنا معجب جداً بما تكتبه غادة السمان. قرأت لها فافتخرت بنفسي وافتخرت بأن تكون للأمة العربية كاتبة بهذا المستوى»، وأضاف الجواهري المزيد إلى شهادته التي أفتخر بها ونشرتها على غلاف العديد من كتبي لأنها تجتذب القارئ (ولن أبرئ نفسي من المباهاة والفخر)!
ربع قرن مر منذ اليوم الذي قرأت فيه شهادته الداعمة لأدبي وأنا أقرر الاتصال به وشكره ولقائه، لكننا نتوهم دائماً أن ثمة الكثير من الوقت، فعلام العجلة؟! ثم يداهمنا الزمن كأنه يقول لنا: أيها الحمقى، الموت آت، فإذا كانت لديكم كلمة طيبة لا تؤجلوا قولها. وارتكبت حماقة التأجيل ورحل الجواهري منذ ربع قرن حتى دون أن أقول له كلمة شكراً. كأننا سنعيش إلى الأبد!!

هل تريد الحياة قرنين؟

قرأت أن العلماء «يعملون حالياً على تطوير دواء من شأنه أن يطول به عمر البشر إلى 200 سنة» وتفاصيل أخرى كثيرة حول ذلك. من طرفي، لا أريد أن أعيش 200 سنة، ولدي شروطي: أن أعيشها بنضارة الشباب! وأحببت رأي الدكتور ستيل لصحيفة (دايلي ميل) البريطانية الذي لا يرى سبباً بيولوجياً في عدم إمكانية إطالة حياة المرء حتى 200 سنة، لكنني أرى سبباً نفسياً؛ فمع الزمن نفقد الاعتراف بأننا نفقد الكثير من حيوية الشباب وحتى نزواته الجميلة، فهل نريد أن نطيل أعمارنا كشبه جثث في السرير نرقب شاشة التلفزيون ونعجز عن ركوب طائرة للسياحة مثلاً واكتشاف أماكن جديدة في كوكبنا وتنمية صداقات جديدة وربما قصص حب؟

اعتراف!

من طرفي، أتمنى أن أموت حين يشاء الخالق وينتهي عمري. لكنني أتمنى أيضاً العودة إلى الحياة مرة واحدة كل قرن، ويوماً واحداً أو كل نصف قرن لأرى ما الذي سيحدث للشعوب في كوكبنا كل نصف قرن.
أتمنى أن أرى ماذا سيحدث لفلسطين الحبيبة المحتلة بعد نصف قرن؟ وهل سيظل الإسرائيلي يلعب دور الجلاد؟ هل سيظل المستوطن يقطع أشجار الزيتون والبرتقال؟ وهل سيظل يهدم بيوت الفلسطيني؟ وهل سيظل يخترع لنفسه اسم «المستوطن» بدلاً من «المحتل»؟ أتمنى أن أعود إلى الحياة ليوم واحد كل نصف قرن (أو كل قرن) فقط لأعرف ما سيدور يومئذ في كوكنا على كل صعيد: العلم، العدالة الاجتماعية، التعصب ضد عرق ما، والحروب، والقتلى هدراً بالاختراعات المبيدة، وكل ما يشغلنا اليوم وما أطول القائمة! أريد أن أعيش يوماً كل نصف قرن أو قرن بدافع الفضول! وبدافع الرغبة في الالتقاء بمن فاتني التعرف إليهم، مثلاً الشاعر العراقي الكبير الجواهري، الذي سبقني منذ ربع قرن على الأقل إلى الحياة الباقية (من دنيانا الفانية).

اتق شر من أحسنت إليه!

جاء في جريدة (صن) البريطانية حكاية عن أسرة من (برادفور ـ إنكلترا) فتحت بابها للاجئ/لاجئة أوكرانية. توني ولورنا غارنيت أحبا الإحسان إلى من هو/هي في حاجة إلى مأوى إذا كان مهاجراً من حرب أوكرانيا. وهكذا دخلت إلى بيتهما الأوكرانية الشقراء الجميلة صوفيا الشابة (22 سنة)، وبدلاً من الاهتمام بطفليهما ومصادقة ربة البيت لورنا، اهتمت بالزوج! وبعد أسبوعين أغرم الزوج باللاجئة الأوكرانية وتخلى عن أسرته ومضى معها، وهجر زوجته وطفليه!
هذه الحكاية التي نشرتها الصحيفة البريطانية (صن) لا تعني رفض أي لاجئ أوكراني في بيت آمن، بل تعني الحذر!

كان عليّ الحذر منها

صحافية مبتدئة لبنانية، جاءت تطلب مني حواراً وقالت إذا لم أجب على أسئلتها للصفحة الثقافية، فلن يتم تعيينها في الصحيفة التي أرسلها لي مدير الصفحة الثقافية في الجريدة أيام ازدهار لبنان صحافياً وعلى كل صعيد. وقلت لها باللهجة الشامية (تكرم عينك) سأجيب على أسئلتك الأدبية. أسئلة عادية سبق أن أجبت على ما يشبهها، لكنني قررت أن عليّ مساعدتها، فأنا أحترم الحاجة إلى العمل والراتب الشهري.
لكنني حين قرأت أسئلتها، وهي عادية، فوجئت برداءة لغتها العربية؛ ففي كل سؤال أكثر من غلطة، حيث نصبت الفاعل (وأمور مشابهة) بلغة ركيكة، وأدركت أن هذه الشابة لن تستطيع العمل في حقل الصحافة لرداءة لغتها. وهكذا صححت لها الأخطاء في أسئلتها وهي قصيرة جداً، وصرت أعيد كتابة كل سؤال قبل جوابي، فماذا فعلت الصحافية التي حاورتني؟
وضعت عنواناً لموضوعها: السمان في دوري السائل والمجيب!
وأضحى الحوار نجاحاً كبيراً للصحافية وأنا التي أنقذتها من الطرد من العمل. وتذكرت عبارة «اتق شر من أحسنت إليه».
أما الصحافية ب. (لن أذكر اسمها الكامل) فسواي لم يتعامل معها على هذا النحو، وركاكة لغتها لم تعد سراً، ولم تعد تعمل في حقل الكتابة. ولكنها علمتني درساً: اتق شر من أحسنت إليه. ولن أُعيد اليوم كتابة أسئلة كلها أخطاء بخط يدي، بل صرت أتركها على حالها!
والبعض يدفع الثمن للأسف، عن قلة وفاء سواه!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com