ثقافة

شيوخ ومريدون: صراع الأجيال في الأدب.

بيدر ميديا.."

شيوخ ومريدون: صراع الأجيال في الأدب

إبراهيم مشارة

 

لا يخلو أدب أمة من الأمم من زعامات فكرية وأدبية شعرية أو نثرية فالكبار، أو الشيوخ، هم ظاهرة في كل أدب من آداب العالم، فقد كان سوفوكليس وهو من هو في آداب الإغريق، علم في فن الكوميديا يقول إنه يلتقط ما يتساقط من فتات مائدة هوميروس، ولا شك في أن هذه المقولة المأثورة تكرس فكرة الأفضلية والزعامة والمشيخة الفكرية، أو الأدبية ومثل ذلك ما روي من أن البحتري سئل أأنت أفضل أم أبو تمام؟ وقد عرفا بالطائيين، وجعل الآمدي الموازنة بين شعريهما عنوانا لكتاب نقدي شهير «الموازنة بين الطائيين» غير أن البحتري رد بتواضع مقرا بزعامة أبي تمام (والله ما أكلت الخبز إلا به، أرضي تنخفض عند سمائه ونسيمي يركد عند هوائه).
يمكن إدراج جدلية الشيخ والمريد، الجيل السالف والراهن في إطار مبدأ التنازع الذي هو سمة كونية تنسحب على الكائنات، كما تنسحب على الأفكار والعادات، فآلية الدفاع الفردي ضد الآخر تنسحب على الذات الجماعية في دفاعها عن ذاتها أمام الجديد والمختلف، الذي يهددها بالمحو والتلاشي ودفاع كل جيل عن ماضيه المجيد، وهكذا يرى الجيل السالف أنه أبدع إبداعا لا نظير له، وأن ذلك الإنتاج جاء بعد كدح كبير ومراس عظيم تأتى بعد هضم الثقافة القديمة والجديدة في الشرق أو في الغرب، أو فيهما معا، وأن ذلك النسغ شكل هذا الزخم الإبداعي الذي لقي رواجا عند القراء، وإقبالا عظيما لم تقو الأيام على محوه، ومن حق أولئك الشيوخ التشدد في قبول الإبداع الراهن والإنتاج الشبابي الجديد، ومن حقهم ممارسة الوصاية على الكتابة فهم الأسياد والشيوخ والزعامات، أو الأقطاب، ما يؤدي إلى ثورة الشباب أو الجيل الراهن، متهمين الشيوخ أو الكبار بالتنكر للجديد والإزراء بإنتاجهم، حسدا أو زراية أو تحقيرا، لا لشيء إلا لأنهم يخشون على مشيختهم وزعاماتهم، فليست سوى نرجسية واستعلاء ولوذ بالأبراج العاجية، قضية لا يخلو منها أدب أمة من الأمم، وصراع طبيعي يضرب بجذوره العميقة في تاريخ الفكر والثقافة، منذ بدأ الإنسان يصوغ بالحرف صرح الكتابة.

يمكن إدراج جدلية الشيخ والمريد، الجيل السالف والراهن في إطار مبدأ التنازع الذي هو سمة كونية تنسحب على الكائنات، كما تنسحب على الأفكار والعادات، فآلية الدفاع الفردي ضد الآخر تنسحب على الذات الجماعية في دفاعها عن ذاتها أمام الجديد والمختلف، الذي يهددها بالمحو والتلاشي ودفاع كل جيل عن ماضيه المجيد.

وفي علم النفس أشار فرويد إلى تلك العقدة التي تنشا في نفس الابن، ولعل استحواذ الأب على الأم، ثم رغبة الابن في فرض وجوده وتمايز شخصيته واستقلاله الفكري والحياتي، والخروج من عباءة الأب، ثم اصطدامه برغبة الأب في الاستحواذ والسيطرة والإلحاق، يؤدي ذلك إلى هذا الصراع بين الأب والابن، بين عادات وأخرى، بين أفكار سالفة وراهنة، بين تبعية واستقلال. كتب جورج طرابيشي في سيرته الموجزة أنه كان يمارس عادة في الأكل سببت امتعاض زوجته وبناته، وهي تمزيق الخبز أثناء الطعام قطعا صغيرة بشكل سادي، ونبهته أن هذا لا يعجب الضيوف على المائدة حتى اهتدى إلى الجواب عند فرويد، فتمزيق الخبز هو إشارة لاواعية باطنية للرغبة في تمزيق الأب – الذي كان في خلاف معه – رمزيا وقد اعترف أنه بعد الفهم تخلى تلقائيا عن هذه العادة اللاشعورية، وطالما قرأنا روايات وشاهدنا أفلاما على شاكلة «لن أعيش في جلباب أبي» ولعل المثل العربي القديم «الطفل نسخة ثانية من أبيه» يلقي الضوء على الرغبة التاريخية في كبح جماح صراع الأجيال لصالح القبيلة الواحدة ذات المنزع الواحد والفكر الأوحد دفاعا عن الوجود ضد الغزو حتى قال الشاعر دريد بن الصمة:
وما أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
إن الصراع بين البنوة والأبوة قد يؤول إلى تنامي مشاعر الكراهية إذا لم تتم معالجته على هدي الحوار والفهم والاعتراف بالخصوصية والفردية والاختلاف، ولا شك في أن قتل الأب رمزيا في الأدب يعني الفرادة والتميز والاختلاف، وتنامي الشخصية المستقلة، وهكذا لن يكون الطفل نسخة ثانية من أبيه، إنه صراع الأجيال صراع بين السالف والراهن والأصل والفرع.
يقول المثل الفرنسي «أزمنة أخرى آداب أخرى» وهذا يعني التحول والصيرورة، فما كان من أعراف وتقاليد القرن الثامن عشر، ليس تأكيدا من تقاليد وأعراف اليوم، وكل جيل يحرص على تثبيت قيمه وأعرافه وأفكاره متهما الجيل الجديد بالعقوق والتمرد، لكنها آلية دفاع ضد المحو والفناء تنحوها الذات الفردية والجماعية في إطار جدلية صراع الأجيال وغريزة البقاء العياني والرمزي.
يتخذ هذا الصراع محاور متعددة في قضايا الأدب، ففي القديم العرب الفصحاء والمولدون ومن يحتج بشعره ومن لا يحتج، ففي قضايا اللغة توقف الاحتجاج عند شعر الفرزدق ولعل هذا ما آلم المعري حتى قال:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائـل
ردا على من قال ما ترك الأول للآخر شيئا! وكان هذا التضييق على الجيل الراهن ومدح السلف والوقوف عند الحدود التي رسموها للفكر والأدب سببا في ثورة أبي تمام ومسلم بن الوليد في خروجهما على عمود الشعر ثم ثورة أبي نواس في إطار صراع الأجيال والكف عن التقليد والتعلق بالسالف والرغبة الأكيدة في إثبات خصوصية الأنا حتى قال متهكما:
عاج الشقي عن رسم يسائلـه
وعجت أسال عن خمارة البلد
وكان النظام يزري بأبي نواس ويسفه حياته وشعره الذي أخل بالآداب والأخلاق وأنه «جيل صايع» فرد عليه الشاعر معرضا به وهو من هو في الاعتزال:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفــة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
واتخذ صراع الأجيال في الأدب محورا مهما اشتغل عليه هو القديم والجديد حتى قال ابن رشيق حسما للخلاف في العمدة في صناعة الشعر ونقده (كل قديم من الشعر هو محدث بالإضافة إلى زمانه).
وفي العصر الحديث عرفت قضية الصراع بين الشيوخ والشباب، الجيل السالف والراهن حدة كبيرة، وهكذا عد العقاد زعيم المدرسة السكسونية، أي التي تقتبس عن الأدب الإنكليزي المفاهيم النقدية والرؤى الفكرية، بينما عد طه حسين زعيم المدرسة اللاتينية، التي تقتبس وتبدع على هدي الفكر الفرنسي، كما عد الرافعي شيخ المحافظين ممن يترصدون البلاغة الرصينة والأسلوب الجزل على طريقة الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب، وانقسم المريدون ممن يحفون بشيوخهم في صراع بينهم وفي بث الشكوى تارة أخرى من إهمال الشيوخ لهم وعدم الاعتراف بإنتاجهم، مسلمين ذواتهم الإبداعية إلى مشاعر النرجسية والتعالي والكبرياء الجارح، فقد كان العقاد يقول بتلذذ إنه لا يقرأ لهم أبداً باستثناء تيمور والحكيم ومحفوظ، أما الآخرون فلا يستحقون أن يقرأ لهم، وقسا طه حسين على الشباب متهما إياهم بعدم القراءة الجادة والعميقة، والرغبة فقط في النجاح بلا جهد أو مراس وتضحية، وكان يترصد أخطاءهم اللغوية ممعنا في التلذذ بتعذيبهم أدبيا، حقا لقد مارس أولئك الشيوخ وصاية على الأدب، لكنهم لم يمنعوا من يستحق الذيوع من الانتشار إقليميا وعربيا وحتى عالميا، ولعلنا نذكر في إطار صراع الأجيال قضية العقاد مع الشعراء الشباب، الذين اتهمهم بتخريب اللغة والفكر والقيم وإفساد الشعر أمثال أحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ونزار قباني، والنقاد الشباب آنذاك أمثال عبد العظيم أنيس ورجاء النقاش ومحمود أمين العالم، ولعل البعض يذكر قصيدة حجازي في محاولة النيل من العقاد (وقد ندم على كتابتها ندما شديدا باعترافه):
من أي بحر عصي الريح تطلبه
إن كنت تبكي عليه نحن نكتبــه
يا من يحدث في كل الأمور ولا
يكاد يحسن أمرا أو يقربـــه
تعيش في عصرنا ضيفا وتشتمنا
إنا بإيقاعنا نشدو ونطربـــــه
ومن أمثلة ذلك وصم نجيب محفوظ بأنه عقبة في طريق تطور الرواية، ووصم أدونيس بأنه غدا مجترا لقديمه وليس عنده ما يضيفه، وأنه انتهى منذ زمن وقبل ذلك وصم غازي القصيبي نزار قباني بكونه انتهى إبداعيا فما كان يصدره من دواوين هو من قبيل نزار 1 نزار 2 نزار 3 قياسا على رامبو1 رامبو 2 رامبو 3.
وكثيرا ما شكا الشباب من الكتاب والشعراء والنقاد وكتاب الخواطر من إهمال الشيوخ لهم، وعدم الالتفات إلى نتاجهم نقدا وتعريفا أو احتفاء وكأنهم يخافون على زعاماتهم ومكانتهم من التقويض والاستسلام إلى مشاعر النرجسية والغطرسة الأدبية دون الالتفات إلى أولئك الشباب والأخذ بأيديهم إلى مسالك الإبداع والتأصل، مع مشاعر اللامبالاة في حين يرد أولئك الشيوخ أنهم – أولئك الشباب- لا يقرأون كثيرا ويحيون البروز والنجاح السهل والرغبة في تقويض كل شيء، وقد حفلت الصحافة بكثير من هذه الشكاوى من قبل الشباب والرد الصارم من قبل الشيوخ، حتى غدا الأمر فصلا من فصول الأدب الحديث.

وفي العصر الحديث عرفت قضية الصراع بين الشيوخ والشباب، الجيل السالف والراهن حدة كبيرة، وهكذا عد العقاد زعيم المدرسة السكسونية، أي التي تقتبس عن الأدب الإنكليزي المفاهيم النقدية والرؤى الفكرية، بينما عد طه حسين زعيم المدرسة اللاتينية، التي تقتبس وتبدع على هدي الفكر الفرنسي.

ويمتد هذا الصراع بين الشيوخ والشباب إلى الصراع بين الذكورة والأنوثة فكم قرأنا شكاوى لكاتبات وشاعرات يدن النظرة الاستعلائية الذكورية، فكثير من النقاد والكتاب رغم ثقافتهم لم يفلتوا من قبضة التاريخ وآصار الفكر الذكوري في التقليل من شأن الإبداع النسوي، مستسلمين إلى خطاب ذكوري يسلم بجدارة الرجل وفرادته وأصالته، وكأنهم يسلمون بمقولة تدين المرأة رواها الجاحظ «إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها» فالصياح حكر على الديك كما الكتابة حكر على الرجل، وكانت مي زيادة ضحية لهذا الخطاب الذكوري، فالكتّاب والشعراء الذين حفوا بها مثل حومان الفراش بالنور كانوا يرون فيها الجانب الأنثوي الملهم والأنثى الأخرى المختلفة عن ست البيت وما صدر عنهم من إعجاب لا يعدو أن يكون مجاملات، وقد اعترفت بذلك في رسالة إلى باحثة البادية ملك حفني ناصف. وقد قلل روائي جزائري تارة يكتب بالعربية وتارة بالفرنسية من شان إبداع أحلام مستغانمي ناعتا إياه بالكتابة الظرفية العابرة، وعللت هي ذلك بالغيرة والحسد.
نخلص من ذلك كله إلى أن الصراع بين القديم والجديد والشيخ والمريد والقلم النسائي والذكوري هو صراع طبيعي في إطار جدل التاريخ والفكر ومبدأ التنازع، وأن الإبداع الحقيقي هو التوليد الهدام للمعنى بتوصيف جوليا كريستفيا حيث لا يجتر المبدع ولا يكرر ولا يكون نسخة أخرى عن مبدع سابق، هناك القدوة في البدايات لكن الاستقلالية أمر حتمي، وكل ذلك يخلق جوا من التنافس والرغبة في إثبات الذات أمام الخصوم، وهذا هو الذي يفتح آفاقا بكرا وحقولا جديدة ومسالك مختلفة عكس الرتابة والتبجيل والنمطية والتسليم وغياب الفكر النقدي، الذي لا يحيل إلا إلى عالم الموات. ولا خوف على الشباب من الشيوخ ولا على القديم من الجديد، لأن الإبداع الحقيقي سيعرف طريقه إلى الانتشار والبقاء، ولن يكون هناك إبداع ما لم يكن هناك جهد حقيقي ومراس كبير وموهبة ثرة وتعب مضن.
يقول المثل التركي الإبداع الحقيقي هو الذي لا نشم فيه رائحة عرق المبدع والقصد من ذلك اختفاء التأثر والقراءات السابقة حتى لتبدو العملية الإبداعية كأنها لا أصل لها وفريدة من نوعها «الكتابة في الدرجة صفر».

كاتب جزائري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com