فن

جاكي شان في حيّ الحجر الأسود… «فرانس برس» مساهمة في التزوير… وخلاصة معادلات نصر الله- (فيديو)

بيدر ميديا.."

جاكي شان في حيّ الحجر الأسود… «فرانس برس» مساهمة في التزوير… وخلاصة معادلات نصر الله- (فيديو)

راشد عيس

 

منذ أن دعت صحيفة سورية ذات مرة إلى استثمار الأحياء المدمرة في سوريا كاستديو تصوير بلا كلفة، توالت الأعمال التلفزيونية والسينمائية المصورة فوق حطام المدن والأحياء (بالمناسبة؛ هل تحتفظ الأحياء باسمها حين يغادرها جميع الأحياء/البشر؟ هل يبقى اسم الحيّ حياً بعد دماره!). هكذا صوّر جود سعيد على أنقاض مدينة حمص، ونجدت أنزور على أنقاض داريا وغيرها، والليث حجو على أنقاض الزبداني، وأحمد الغصين (لبناني) في القصير، وأخيراً ها نحن أمام فيلم صيني منتجه وبطله جاكي شان على أنقاض حي الحجر الأسود (شقيق مخيم اليرموك)، أحد أبرز نقاط التظاهر في بداية الثورة السورية، وواحد من الأحياء التي حوصرت وجوّعت وقصفت بلا رحمة إلى أن هجّر جميع من فيها، وباتت مجرد هياكل خربة ينعق فيها المعفّشون.
صور الفيلم الصيني القادمة من الحجر الأسود في اليومين الأخيرين استفزّت الكثيرين، ليست المسألة في تحريم التصوير فوق مكان مدمر، فبعض أجمل الأفلام الوثائقية السورية المناهضة للنظام صوّر في الأحياء نفسها، وفوق الأنقاض نفسها، مع ذلك قد نعثر، لو أردنا، على العديد من الأسباب تفسر غضبنا تجاه الصور.

هناك عوامل للغضب لعلها فوق كلّ الأسباب، شيء من قبيل الإحساس بأنهم يصورون فوق مقبرة تضم قبور أحبابك. يدبكون فوقها، ويتقافزون، ويضحكون ويشوون اللحم.

يكفي أن الأمر يجري في ظل النظام ورضاه لندرك أن التزوير سيطال كل شيء، فما بالك عندما تجتمع الصين، والإمارات (شريك بإنتاج الفيلم)، وعناصر سورية منتقاة (حتماً)، من كومبارس ومخرجين منفذين ومشرفي إنتاج وخلافه.
لكن الفيلم لا علاقة له بالحدث السوري، فالمكان كناية عن اليمن، وهو، على ما يقول صنّاع الفيلم، ليس مكاناً آمناً للتصوير، ويريد الفيلم أن يصور عملية إجلاء صينيين عالقين في اليمن أثناء الحرب، ويقول المخرج إن فيلمه «ينطلق من وجهة نظر الدبلوماسيين من الحزب الشيوعي الذين تحدوا وابل الرصاص في بلد تمزقه الحرب». العبارة الأخيرة لن تضيف شيئاً لجمهور الغاضبين، الحانقين حتى قبل أن يكحّلوا أعينهم بها.
هناك عوامل لعلها فوق كل الأسباب، شيء من قبيل الإحساس بأنهم يصورون فوق مقبرة تضم قبور أحبابك. يدبكون فوقها، ويتقافزون، ويضحكون ويشوون اللحم. لا يغيب عن البال فيديو لطفلين خرج أثناء حصار الحجر، كانا يبحثان في التراب عن فتات خبز، من يدري أين هما الآن! ثم من قال إن الاستديو السوري المستجد بلا كلفة! القتل والتدمير والتجويع والتهجير ليست كلفة!
في النهاية لا ضرورة لتعداد أسباب منطقية، يكفي ذلك الشعور الذي تحدث عنه كونديرا ذات مرة، عندما يسرق (يقطع) أحدٌ يدك ثم يضعها لنفسه، ويلوّح لك بها من بعيد. هذا ما يفعله اليوم نجم الألعاب القتالية جاكي شان في فيلمه الجديد.

سقوط فرانس برس

بنفس القدر من القسوة (قسوة تصوير فيلم صيني في حي مدمّر ومهجّر) يأتي خبر وكالة الصحافة الفرنسية في تغطية الحدث، خصوصاً حين يُعَنْوِن: «معقل سابق للجهاديين في سوريا يتحول استوديو لفيلم صيني ينتجه جاكي شان»، العنوان الذي سينسخ في مواقع إلكترونية وصحف شتى بالحرف. هل هذا هو فقط تعريف الحيّ المنكوب! قبل ذلك، قبل سنوات الحصار والتجويع الرهيب ألم يكن هو ذلك الحيّ النابض بأولى التظاهرات، وهناك عدد كبير من الفيديوهات يشهد!
ليست الحكاية مجرد زلّة عنوان، فتفاصيل الخبر مشغولة بنفس منطق التزوير، ولا كلمة توحي بأن الحيّ، الأكثر كثافة سكانية في العالم، كان يخرج برمته في تظاهرات سلمية، ولا يمكن اختصاره بمعقل للجهاديين، وتحديداً لـ «تنظيم الدولة الإسلامية».
«معقل للجهاديين..» عبارة من شأنها أن تخفف من وَقْع الحال المرعب لحي الحجر الأسود، فما دام معقلاً لداعش سيبطل العجب، ويصبح التدمير مفهوماً ومقبولاً، إن لم يكن واجب «الدولة» تجاه المكان الموبوء إزالته من الوجود!

«معقل للجهاديين..» عبارة من شأنها أن تخفف من وَقْع الحال المرعب لحي الحجر الأسود، فما دام معقلاً لداعش سيصبح التدمير مفهوماً ومقبولاً، إن لم يكن واجب «الدولة» تجاه المكان الموبوء إزالته من الوجود!

هل هناك من يفسر لنا أين ذلك العدد الهائل من سكان الحي بعد سنوات من «تحريره» من قبضة «الجهاديين»؟ لماذا لم يعودوا بعد إلى بيوتهم؟!
وبالعودة إلى خبر فرانس برس، هل هذا هو الثمن الذي يجب أن تدفعه جهة إعلامية ليسمح لها بالعمل في «مناطق النزاع»؟ ما هو الكسب والإنجاز الذي تنتزعه وكالة الصحافة الفرنسية إذاً ما دامت تساهم في تزوير الحقيقة على هذا النحو؟
لقد فشلت الوكالة أن تكون محايدة حتى في صياغة خبر يحتمل تقديمه كخبر فني وحسب، إن لم يشأ صحافي الوكالة أن يتورط بالسياسة.
من يعرف آليات العمل في وكالة الصحافة الفرنسية يدرك أن كل حرف في الخبر محسوب، وأن الأمر ليس زلة قلم.
وإذا كان الأمر كذلك على مستوى خبر فني فما بالك بأخبار السياسة، ولعل البعض يذكر تلك المقابلة التي أجراها صحفي بارز في الوكالة مع بشار الأسد قبل سنوات، ورفضت قنوات، من بينها سي أن أن بثّها معتبرة إياها جزءاً من بروباغندا النظام الوقحة.
يبدو أن الأمر لم يتغير حتى بعد تقاعد ذلك الصحفي، يبدو أنها لم تكن غلطته وحده، إنه إخفاق مؤسسة.

معادلة جديدة

قناة «العالم» الإيرانية لا تملك إلا أن تحتفل بخطابات حسن نصر الله، تُعَنْوِن إحدى حلقات برامجها بالعبارة: «بجملة واحدة.. السيد حسن نصرالله يتصدر نشرات الأخبار»، أما العبارة فهي تلك التي تحولت لهاشتاغ: «ما بعد بعد كاريش»، وكاريش هو حقل غاز تسعى إسرائيل للتنقيب فيه واستثماره، فيما ينتظر اللبنانيون ترسيماً حدودياً لتقاسم العمل والأرزاق.

العبارة التي تستحق فعلاً أن تكون عنواناً لمعادلات “حزب الله” تلك التي تتعلق بتخيير اللبنانيين بين أن يموتوا على أفران الخبز، أو على جبهات الحرب.

لا تلتفت القناة، والممانعون عموماً، إلى أن عبارات من هذا النوع باتت للسخرية والتندر، فمنذ أن أطلق أمين عام «حزب الله» عبارته «ما بعد بعد حيفا» لم يفعل سوى الذهاب ما بعد القصير وريف حلب وإدلب وما بعد بعد حَجِّيرَة، أي إلى السيدة زينب، وسواها. أي معادلة فرض الحزب مع إسرائيل، هو المغرم بالمعادلات، فإثر كل خطاب لا بدّ أن يستنتج (يستخرج حسب مصطلحات الرياضيات) محللو الممانعة معادلة جديدة مع العدو.
المعادلة الوحيدة التي ابتكرها الحزب هي تلك التي لخّصها نصر الله بكل وضوح في الخطاب الأخير، وهي العبارة التي تستحق فعلاً أن تكون عنوانهم، إنها تخيير اللبنانيين بين أن يموتوا على أفران الخبز، أو على جبهات الحرب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com