مجتمع

كلارا زيتكين – لينين و المسالة الجنسية.

بيدر ميديا.."

كلارا زيتكين – لينين و المسالة الجنسية

كلارا زيتيكن

 

كثيرا ما حدثني الرفيق لينين عن مسألة المرأة. و كان يعلق على هذه المسألة أهمية كبيرة، لأن الحركة النسوية كانت في نظره جزءا أساسيا ، و في بعض الظروف ، جزءا حاسما من حركة الجماهير . و غني عن البيان أنه كان يعتبر مساواة المرأة التامة مبدأ لا جدال حوله من مبادئ الشيوعية . و لقد جرى أول حديث مطول بيننا حول هذا الموضوع في خريف 1920 في مكتب عمله بالكرملين، كان لينين جالسا أمام طاولته التي تكدست عليها الكتب و الأوراق الشاهدة على نوع انشغاله و عمله، لكن من دون تلك “الفوضى المميزة للعباقرة” و بعد أن حياني شرع يقول:
– ان من أول واجباتنا ان نخلق حركة نسوية عالمية، قائمة على أساس نظري واضح و محدد. و بديهي أنه لا يمكن أن توجد ممارسة حسنة بدون نظرية ماركسية، و علينا، نحن الشيوعيين، ان نتمسك في هذه المسألة بكل نقاوة مبادئنا. علينا أن ننفصل انفصالا صريحا عن جميع الأحزاب الأخرى . و من المؤسف ان مؤتمرنا الأممي الثاني لم يكرس وقتا لمناقشة المسألة النسوية أو لاتخاذ موقف بصددها بالرغم من أن هذه المسألة قد طرحت على بساط البحث . و الخطأ في ذلك يقع على كاهل اللجنة التي تترك الأمور تجرجر أديالها . أن على اللجنة ان تضع صيغة قرار و موضوعات، و خطأ حازما . لكن أعمالها لم تتقدم حتى اليوم و عليك أن تساعديها في ذلك.”
كان قد سبق لي ان سمعت كلاما يشبه ما يقوله لينين لي الآن ، و أبديت له اندهاشي. كنت متحمسة لكل ما أنجزته النساء الروسيات أثناء الثورة ، و لكل ما هن في سبيلهن الى انجازه للدفاع عنها و تطويرها. أما عن وضع النساء و نشاطهن في الحزب البلشفي، فقد كان يخيل الى ان الحزب هو فعلا على مستوى مسؤوليته في هذه المسألة المحددة . فالحزب البلشفي هو وحده الذي يعطي الحركة النسوية الشيوعية العالمية ملاكات متمرسة، مثقفة، و يقدم في الوقت نفسه قدوة تاريخية كبرى . و قد لاحظ لينين و هو يبتسم ابتسامة خفيفة :
– هذا صحيح، صحيح تماما. ففي بتروغراد، و هنا في موسكو، و في المدن و المراكز الصناعية النائية، كان موقف النساء البروليتاريات رائعا. فلولاهن لكان من المحتمل جدا ان لا ننتصر. هذا هو رأيي يا للشجاعة التي برهن عليها و يا للشجاعة التي ما زلن يبدينها الى اليوم ! تصوري كل الآلام و الحرمانات التي يكابدن منها… لكنهن رابطات الجأش ، مصممات ، لأنهن يحامين عن السوفيتات ، لأنهن يردن الحرية و الشيوعية.
“أجل، ان عاملاتنا لرائعات، مناضلات طبقيات حقيقيات. أنهن جديرات بإعجابنا و حبنا.”
” أجل إن لدينا في حزبنا نساء شيوعيات موثوقات و دكيات نشيطات بشكل لا يعرف الكلل . و في وسعهن ان يشغلن مناصب هامة في السوفيتات و اللجان التنفيذية و مفوضيات الشعب و الإدارة. و الكثيرات منهن يعملن ليل نهار في الحزب، أو بين الجماهير البروليتارية و الفلاحية، او في الجيش الأحمر. و هذا شيء ثمين للغاية بالنسبة إلينا . و هذا شيء هام بالنسبة الى نساء العالم قاطبة لأنه شهادة على طاقات النساء و على قيمة عملهن الرفيعة بالنسبة الى المجتمع.
“ان ديكتاتورية البروليتارية الأولى تشق الطريق فعلا نحو المساواة الاجتماعية التامة للمرأة . فهي تستأصل شأفة الآراء المسبقة على نحو أكثر جدرية بكثير مما تفعله الكتابات عن المساواة النسائية . و بالرغم من هذا كله ، فإننا لا نملك بعد حركة نسوية عالمية، و علينا ان نتوصل الى انشائها بأي ثمن. علينا أن نعمل على تنظيمها بدون أي تأخر . و بدون هذه الحركة سيكون عمل أمميتنا و شعبها ناقصا و سيبقى ناقصا.
” إن علينا ان نتابع عملنا الثوري حتى النهاية . قولي لي أين وصل العمل الشيوعي في البلدان الأجنبية؟”
اطلعته على جميع المعلومات التي أمكنني جمعها ، و كانت معلومات محدودة نظرا الى الصلة الواهية و اللا نظامية التي كانت قائمة آنذاك بين الأحزاب المنتمية الى الأمية الشيوعية . و كان لينين ، المنحني قليلا الى الأمام، يصغي الي بانتباه، من دون ان تصدر منه امارة من أمارات السأم أو قلة الصبر أو التعب ، بل و كان يهتم شديد الاهتمام حتى بالتفاصيل الثانوية الأهمية.
إنني لا أعرف شخصا أكثر مقدرة منه على الإصغاء و على تصنيف الوقائع و تنسيقها بمثل تلك السرعة . و كان هذا واضحا من الأسئلة المقتضبة ، لكن البالغة التحديد دوما، التي كان يطرحها بين الفينة و الفينة أثناء حديثي، و من طريقته في الرجوع فيما بعد الى تفاصيل محادثتنا . و كان لينين قد سجل بعض الملاحظات المقتضبة .
و غني عن البيان انني تكلمت بوجه خاص عن الوضع في ألمانيا. و قد قلت له أن روزا لكسمبورغ تقدر انه من بالغ الأهمية كسب الجماهير النسائية للنضال الثوري، فعندما شكل الحزب الشيوعي ألحت روزا على نشر صحيفة مكرسة للحركة النسوية . و عندما كان ليو جوغيشيس يدرس معي خطة عمل الحزب أثناء مقابلتنا الأخيرة ، قبل ست و ثلاثين ساعة من اغتياله و يطلعني على المهام الواجب تنفيذها ، أطلعني أيضا على خطة لعمل منظم بين العاملات. و قد عولجت هذه المسألة منذ المؤتمر الأول غير المشروع للحزب .. و قد باشر الحزب عملا منهجيا بين العاملات. و صحيح اننا في البداية، لكنها بداية حسنة.
و قال لينين:
– هذا ليس بالشيء السيء، ليس بالشيء السيء البتة .. لكنني سمعت، بالمناسبة، رفيقات روسيات و ألمانيات يتفوهن بأشياء غريبة. و يجب أن أقص عليك الأمر. لقد روي لي ان شيوعية موهوبة للغاية تطبع في هامبورغ صحيفة للبغايا و تحاول ان تنظمهن للنضال الثوري. ولقد تصرفت روزا بوصفها شيوعية، على نحو انساني عندما كتبت مقالا دافعت فيه عن احدى البغايا السجينات لأنتهاكها بعض قوانين الشرطة المتعلقة بمهنتها المحزنة. و الحق أن البغايا، ضحايا المجتمع البرجوازي مرتين، جديرات بالرثاء . – ” أنهن أولا، ضحايا نظام الملكية اللعين، و ثانيا، ضحايا الرياء الأخلاقي اللعين . هذا واضح . و أجلاف القلوب و حسيروا العيون هم وحدهم اللذين يتناسون ذلك.
“ولكن أليس في ألمانيا عاملات صناعيات ينبغي تنظيمهن؟ ينبغي طبع جريدة لهن؟ ينبغي جرهن الى النضال؟ ان هذا لانحراف مرضي. وانه ليذكرني بالصرعة الادبية التي تجعل من كل بغي سيدة عذراء وديعة. وصحيح ان “الجذر” كان هنا ايضا سليما: الاشفاق الاجتماعي، استنكار الرياء والبورجوازية المحترمة. لكن هذا الجذر السليم قد ذوى بعد ان انتقلت اليه العدوى البورجوازية. فالبغاء في بلدنا ايضا سيطرح امامنا مشكلات عديدة صعبة الحل والمطلوب هو اعادة البغي الى العمل المنتج، وتمكينها من اخذ مكانها في الاقتصاد الاجتماعي، وهذا امر معقد وصعب التحقيق في الحالة الراهنة لاقتصادنا وفي الشروط الحاضرة. ذلك هو احد جوانب المشكلة النسوية التي تنطرح علينا بكل سعتها طالبة الحل. وهذه المشكلة بعيدة عن ان تكون قد سويت بعد في روسيا السوفياتية. ولكن لنعد الى حالتكم الخاصة في المانيا. ان الحزب لا يستطيع، في اي حال من الاحوال، ان يغض النظر عن مثل هذه الاعمال غير المنظمة من جانب اعضائه. فهذا يزرع الالتباس في الامور ويضعف قوانا.
وانت، ماذا فعلت حتى تحولي دون ذلك؟
ومن غير ان ينتظر لينين جوابي تابع:
“إن لائحة اخطائك، يا كلارا ،لم تنفد بعد. فقد سمعت انك تهتمين بوجه خاص، في امسيات المطالعة والنقاش مع العاملات، بمسائل الجنس والزواج. سمعت ان هذا الموضوع يحتل مركز المحور في اهتماماتك وتعليمك السياسي وعملك التربوي. والحق انني لم اصدق اذني.
“ان دولة دكتاتورية البروليتاريا الاولى تكافح ضد جميع مناهضي الثورة في العالم. ووضع المانيا بالذات يستدعي اكبر التلاحم بين جميع القوى الثورية البروليتارية لرد هجمات الثورة المضادة التي لا تني تزداد قوة. والحال ان الشيوعيات النشيطات يعالجن اثناء ذلك مسالة الجنس واشكال الزواج في الماضي والحاضر والمستقبل. ويقدرن ان واجبهن الاول هو تثقيف العاملات بمثل هذه الافكار. ومما يزعم ان كراسة احدى الشيوعيات الفييناويات عن المسالة الجنسية تتمتع بانتشار واسع جدا. يا لبلاهة هذه الكراسة فالقليل من المفاهيم الصحيحة التي تشتمل عليها، سبق للعاملات ان اطلعن عليةه من بيبل، وهذا ليس في شكل مخطط جاف وممل كما في تلك الكراسة، وانما في شكل دعاية تأخذ عليك لبك، دعاية مليئة بالهجمات على المجتمع البرجوازي. وفرضيات فرويد الواردة في الكراسة المذكورة تعطي الكتاب، على حد ما يزعم، طابعا “علميا” لكنه ليس في الواقع سوى خربشة بدائية. ونظرية فرويد لم تعد اليوم هي نفسها سوى نزوة من نزوات الموضة. انني لا اثق البتة بتلك النظريات الجنسية المعروضة في مقالات وتقارير وكراسات الخ… وباختصار في ذلك الادب النوعي الذي ازدهر بغزارة في تربة المجتمع البرجوازي. وانني لا ارتاب في اولئك الذين تشغلهم باستمرار و عناد مسائل الجنس، مثلهم مثل الفقير الهندي في تأمله سرته.
“انه ليخيل الي ان هذه الوفرة من النظريات الجنسية التي ليست في معظمها سوى فرضيات تعسفية تنبع من ضرورات شخصية تماما، اي من حاجة المرء الى تبرير حياته الشاذة او غرائزه الجنسية المشتطة في نظر الاخلاق البورجوازية والى استصدار قرار بالعفو عنها.
“ان هذا الاحترام المستتر للأخلاق البورجوازية يثير اشمئزازي بقدر ما يثيره ذلك التحمس للمسائل الجنسية . وهذا الاهتمام، مهما اتخذ من اشكال هدامة و ثورية ، يضل في خاتمة المطاف اهتماما بورجوازيا خالصا. و اولئك الذين يؤثرون الانصراف اليه هم المثقفون و سائر فئات المجتمع القريبة منهم. و لا مكان البتة لهذا النوع من الاهتمامات في الحزب و في أوساط البروليتارية المناضلة و الواعية لروحها الطبقية “.
وقد لاحظت بدوري ان المسائل الجنسية و الزوجية في ظل نظام الملكية الخاصة تثير مشكلات عدة، و انها احد اسباب الصراع و الألم بالنسبة الى النساء من جميع الطبقات و الفئات الاجتماعية. و قلت ان الحرب و نتائجها قد ضاعفت بالنسبة الى المرأة من شأن الصراع و الألم اللذين كانت تنطوي عليهما في السابق العلاقات بين الجنسين . فالمشكلات التي كانت مستثيرة حتى الآن تكشفت لأنظار النساء، و هذا في مناخ الثورة التي هلت بشائرها . و عالم العواطف القديمة و الأفكار القديمة يتداعى من كل جانب . و الروابط الاجتماعية الماضية تضعف و تتحطم.و تظهر الى الوجود بذور منطلقات ايديولوجية جديدة ، لم يتحدد شكلها بعد، للعلاقات بين البشر. و ما تثيره هذه المسائل من اهتمام يجد تفسيره في الحاجة الى اتجاه جديد. و هنا يبرز ايضا رد الفعل على تشويهات المجتمع البرجوازي و اكاذيبه. و تبدل الأشكال الزوجية و العائلية على مر التاريخ ، من خلال ارتباطها بما هو اقتصادي، يشكل وسيلة حسنة لاستئصال جدور الإيمان بخلود المجتمع البرجوازي من اذهان العائلات. و النقد البرجوازي لهذا المجتمع يجب ان يؤدي الى تقطيع أوصال النظام البرجوازي و الى تعرية ماهيته و نتائجه و الى فضح الأخلاق الجنسية الزائفة . الطرق جميعها تفضي الى روما. و كل تحليل ماركسي يتعلق بجزء هام من بنية المجتمع الفوقية الإيديولوجية او بظاهرة بارزة يجب ان يقود الى تحليل النظام البرجوازي و أساسه الملكية الخاصة. و كل تحليل من هذه التحاليل يجب ان يقود الى الاستنتاج التالي:
” ينبغي ان تهدم قرطاجة”
كان لينين يبتسم و هو يهز رأسه :
– حسنا . إنه لتبدو عليك سيماء المحامي الدي يدافع عن رفاقه و حزبه. يقينا، ان ما تقولينه هنا لصحيح . لكن أكثر ما بوسع هذا الكلام هو ان يعذر الغلطة المقترفة في ألمانيا، لا أن يبررها . ان الغلطة المقترفة تظل غلطة. هل تستطيعين ان تضمني لي جديا ان المسائل الجنسية و الزوجية لا تناقش في اجتماعاتكم الا من وجهة النظر المادية التاريخية الحيوية المفهومة فهما حسنا ؟ ان هذا لا يفترض معارف واسعة ، معمقة ، المعرفة الماركسية ، الواضحة المحددة ، بجملة هائلة من المواد. هل تملكون في الوقت الراهن القوى الضرورية ؟ لو كان الجواب ان نعم ، لما كان امكن ان تستخدم كراسة كتلك التي تحدثنا عنها كمادة للتعليم في أمسيات المطالعة و النقاش لديكم. و أنتم توصون بهذه الكراسة و توزعونها بدلا من أن تنقدوها . الى ما يؤدي ، في خاتمة المطاف هذا الدرس الناقص وغير الماركسي للمسألة؟ إنه يؤدي الى عدم فهم المسائل الجنسية و الزوجية بوصفها جزءا من المسألة الاجتماعية الرئيسية بل يؤدي على العكس الى ان تبدو المشكلة الاجتماعية الكبرى نفسها و كأنها جزء من المشكلة الجنسية و استطالة لها . و هكذا يتراجع ماهو رئيسي الى الخلف كأنه ثانوي، و هذا لا يضر بوضوح المسألة فحسب ، بل يشوش أيضا الفكر بشكل عام ووعي العاملات الطبقي.
“و ثمة ملاحظة أخرى لا تخلو من فائدة . لقد كان سليمان الحكيم يقول : كل شيء في وقته. فقولي لي أرجوك، هل هذا هو الوقت المناسب لإشغال العاملات طوال أشهر كاملة لتحديثهن عن الطريقة التي يحب بها المرء و يحَب ، أو عن كيفية المغازلة لدى الشعوب المختلفة في الماضي و الحاضر و المستقبل؟ و هل هذا هو ما يسمى بفخر بالمادية التاريخية؟ ان كل افكار العاملات يجب أن تكون موجهة الآن نحو التورة البروليتارية . فهذه الثورة هي التي ستخلق أيضا أساسا لشروط الزواج الجديدة و للعلاقات الجديدة بين الجنسين. أما في الوقت الحاضر فيجب ان تحتل المقام الأول مشكلات أخرى غير تلك التي تتعلق بأشكال الزواج لدى زنوج أستراليا أو الزيجات المعقودة بين أعضاء الأسرة في العصور القديمة .
” ان التاريخ يضع في جدول أعمال البروليتارية الألمانية مسألة السوفيتات و معاهدة فيرساي و تأثيرها على حياة الجماهير النسائية و مسألة البطالة و انخفاض الأجور و الضرائب و غيرها من المسائل الهامة . و باختصار ، لقد كان رأيي دوما ان هذا النمط من التثقيف السياسي و الاجتماعي للعاملات ليس هو البثة النمط الواجب . كيف امكنك ان تلزمي الصمت؟ لقد كان عليك ان تستخدمي نفوذك”
و شرحت لصديقي المحتدم أنني لم أفوت قط أي مناسبة للنقد و الرد على الرفيقات القياديات ، ولا سماع صوتي في شتى المناسبات ، بيد ان عليه أن يعلم أن ما من نبي في وطنه ولا بين أقاربه، و قد اثرت ، بانتقاداتي هذه، الشكوك حول بقائي و فية لمخلفات النزعة الاشتراكية-الديمقراطية، و الروح البورجوازية الصغيرة الفائت أوانها . بيد أن انتقاداتي اتت ثمارها في خاتمة المطاف. فمسائل الجنس و الزوج لم تعد تعتبر هي الرئيسية في حلقاتنا و أمسياتنا.
و تابع لينين عرض فكرته قائلا : انني اعرف، أعرف ان الشكوك تثار حولي أنا أيضا بأنني لا أفقه في مسائل العصر الحديث . لكن هذا لا يثير انفعالي. فالجهلاء و البليدون من الشبان ما يكادون يخرجون من بيضة التصورات البرجوازية حتى يتصوروا انفسهم غاية في الفهم و الذكاء. و الحق ان حركة الشباب قد انتقلت اليها هي أيضا عدوى الاتجاه الحديث و الانحسار المشتط بالمسائل الجنسية.
وقد شدد لينين بسخرية على كلمة “الحديث” و أضاف مستنكرا:
– لقد قيل لي ان المشكلات الجنسية هي أيضا الموضوع المحبذ للدراسة في منظمات الشبيبة لديكم. و ما أكثر المحاضرين في هذا الموضوع و هذا شيء مثير للاستنكار و خطر للغاية بالنسبة الى حركة الشبيبة . فهذه المواضيع تستطيع بسهولة ان تساهم في إثارة و حفز حياة بعض الأفراد الجنسية و في هدم صحة و قوى الشبيبة. ان عليك ان تناضلي ضد هده الظاهرة ايضا . ذلك ان بين حركة النساء و حركة الشبيبة نقاط اتصال عديدة . ان على رفيقتنا الشيوعيات ان يشتركن مع الشبيبة في كل مكان في عمل منهجي. و سيكون من أثر ذلك رفعهن و نقلهن من عالم الأمومة الفردية الى عالم الأمومة الاجتماعية . و من الأهمية بما كان المساهمة في كل يقضة للحياة الاجتماعية و النشاط لدى المرأة ، حتى تتمكن من الارتفاع بنفسها فوق العقلية الضيقة ، البورجوازية الصغيرة ، الفردية النزعة لحياتها المنزلية و العائلية. – ” ان قسما كبيرا من شبيبتنا نحن أيضا يعمل مثابرا على إعادة النظر في التصور البورجوازي عن “الأخلاق” في المشكلات الجنسية ، و أنها يجب ان أقول ذلك ، نخبة شبيبتنا ، النخبة الحافلة بالوعود الكثيرة حقا. و كما قلت ، فان القيم الإيديولوجية القديمة تنهار في المناخ الدي ولدته الحرب و بداية الثورة، و تفقد القوى التي كانت تسندها. و القيم الجديدة لا تتبلور إلا ببطء و بالنضال.
” ان التصورات عن العلاقات بين الرجال و النساء قد انقلبت شأنها شأن العواطف و الأفكار. و من جديد بدأ تحديد حقوق الفرد و حقوق الجماعة ، بالتالي واجبات الفرد . و ان هذه لصيرورة ، بطيئة و مؤلمة في غالب الأحيان ، من الاضمحلال و الولادة . و هذا ينطبق أيضا على ميدان العلاقات الجنسية فيما يتعلق بالزواج و الأسرة . ان انحطاط الزواج البورجوازي و تعفنه ووحله ، مع مصاعب فسخه و حرية الزوج و عبودية المرأة، و الكذب الدنيء الذي تنطوي عليه الأخلاق الجنسية و العلاقات الجنسية ، ان هذا كله يثر لدى أفاضل الناس شعورا بالقرف العميق.
” ان النير الذي تغل به قوانين الدولة البورجوازية الزواج و الأسرة يزيد أيضا من استفحال الداء و من حدة التناقضات . إنه نير عدم جواز انتهاك حرمة الملكية الخاصة الذي يضفي طابعا شرعيا على الخسة و القدارة و قابلية كل شيء للشراء بالمال ، بالإضافة الى كذب مواضعات المجتمع البورجوازي المحترم. ان الناس يثورون على تشويهات الطبيعة هذه . وفي العصر الدي تنهار فيه الدول القوية تتلاشى أشكال السيطرة القديمة و يفنى عالم اجتماعي كامل ، تتبدل عواطف الفرد المعزول بسرعة.
“ان الظمأ اللجوج الى مسرات متنوعة يكتسب بسهولة قوة لا تقاوم. واشكال الزواج والعلاقات بين الجنسين بالمعنى البورجوازي لا تعود مرضية. ان ثورة في هذا المجال تقترب مع اقتراب الثورة البروليتارية. ومن المفهوم ان هذه المجموعة البالغة التعقيد من المسائل تشغل اهتمام الناس والشبيبة على حد سواء. فالنساء والشبيبة يشكون من هذا الاختلاط واللبس في العلاقات الجنسية والشبيبة تحتج على وضع الاشياء هذا بالحماسة واللجبة المميزتين لهذه السن. هذا مفهوم. واكبر خطأ نرتكبه هو ان نعظ الشبيبة بزهد الاديرة وبقداسة القذارة البورجوازية. ولكن ليس من المستحسن في نظري ان تصبح المشكلات الجنسية، التي رفعتها اسباب طبيعية الى المقام الاول، الشاغل الرئيسي للشبيبة في هذه الاعوام . فنتائج ذلك قد تكون في بعض الاحيان مشؤومة .
“ان الشبيبة، في موقفها الجديد من المسائل المتعلقة بالحياة الجنسية، لا تتوانى من حيث المبدأ عن الرجوع الى النظرية. والكثيرون يصفون موقفهم بانه “ثوري” او “شيوعي” .وهم يؤمنون صادق الايمان بذلك . وانا اكبر سنا من ان يفرضوا علي ايمانهم هذا. وبالرغم من انني لست البتة زاهدا متنسكا متعنتا، الا ان الحياة الجنسية الجديدة للشباب، وحتى للراشدين، تبدو لي في غالب الاحيان بورجوازية تماما، مظهرا من المظاهر العديدة لماخور بورجوازي. ان هذا كله ليس له من علاقة ب “حرية الحب” كما نفهمها نحن الشيوعيين. انت تعرفين بلا شك النظرية المشهورة القائلة ان تلبية الغرائز الجنسية والحاجة الى الحب لن تعدو في المجتمع الشيوعي ان تكون اكثر من امر بسيط تافه كاجتراع كأس من الماء. ان نظرية “كأس الماء” هذه قد جعلت شبيبتنا مستكلبة ، مستكلبة بالمعنى الحرفي للكلمة.
“لقد كانت هذه النظرية مشؤومة على الكثيرين من شبابنا وشاباتنا. ويؤكد انصارها انها نظرية ماركسية. فشكرا لهذه الماركسية التي ترى ان كل الظاهرات و كل التبدلات التي تطرأ على بنية المجتمع الفوقية و الإيديولوجية تستنبط مباشرة ، و بخط مستقيم و بدون أي تحفظ، من الأساس الإقتصادي وحده، ان الأمر ليس بهذه البساطة التي يبدو بها. ان شخصا يدعى فريديريك انجلز قد بين ، منذ زمن بعيد، حقيقة المادية التاريخية.
“انني اعتبر نظرية “كأس الماء” المشهورة غي الماركسية مضادة للمجتمع فضلا عن ذلك . ففي الحياة الجنسية لا يتجلى ما أخذناه عن الطبيعة فحسب، بل أيضا ما أخذناه عن الثقافة، سواء أكان ساميا أو منحطا”
“ان انجلز يبين في أصل الأسرة..” أهمية تطور الحب الجنسي و تهذبه. و العلاقات بين الجنسين ليست محض تعبير عن عمل الاقتصاد الاجتماعي و الحاجة الجسمانية المفرق بينهما فكريا بالتحليل الفيزيولوجي.
ان الميل الى ارجاع تبدل هذه العلاقات الى اساس المجتمع الاقتصادي ، بغض النضر عن كل صلة بالإيديولوجية، ليس من المذهب الماركسي و انما من المذهب العقلاني يقينا ، إن الظمأ لابد ان يشفي غليله. لكن هل ينبطح انسان سوي في ظروف سوية ايضا، على بطنه على أرض الشارع ليشرب من مستنقع ماء وسخ ؟ أو حتى من كأس لوثت حوافها عشرات الشفاه الأخرى ؟ و الأهم من ذلك أيضا الناحية الإجتماعية. و بالفعل، ان شرب الماء مسألة شخصية. لكن في الحب شخصين معنيين و هناك ثالت يأتي عنه كائن جديد.
و إنما هاهنا تكمن المصلحة الاجتماعية ويولد الواجب تجاه المجتمع . إنني لا أشعر بوصفي شيوعيا بأي جاذبية نحو نظرية “كأس الماء” و ان تلبست بلبوس مبدأ “الحب المنعتق” و فضلا عن ذلك فإنها ليست بجديدة هذه النظرية الشيوعية . فأنت تذكرين على ما أعتقد، انه جرى ” التبشير” بها في الأدب في أواسط القرن الماضي تحت عنوان “تحرير القلب”. وقد انقلبت في الممارسة البورجوازية ، الى تحرير للجسد و قد كان التبشير بها يتم يومذاك ببراعة أكبر . اما عن الممارسة فلست بمستطيع اصدار حكم .
” إنني لا أريد البتة، بنقدي هذا، أن أدعوا الى الزهد. فمن واجبي الشيوعية ان تحمل للإنسان لا الزهد و إنما فرح الحياة و الرفاه المرتبطين بملأ الحب . و في رأيي ان الشطط الملحوظ اليوم في الحياة الجنسية لا يحمل في طياته لا فرح الحياة و لا الرفاه بل هو على العكس ينقص منهما . و الحال أن هذا لا يساوي شيئا البتة أثناء الثورة .
“إن ما تحتاجه الشبيبة بوجه خاص إنما هو فرح الحياة و الرفاه.
” إن الرياضة و السباحة و الجولان و كل أنواع التمارين البدنية و الإهتمامات الإخلاقية المتنوعة و الدراسات و التحاليل و الأبحاث ، ان هذا كله يقدم للشبيبة أكثر بكثير مما تقدمه التقارير و المناقشات التي لانهاية لها حول المسائل الجنسية و حول طريقة “التمتع بالحياة” حسب التعبير الشائع.
” روح سليم في جسم سليم”، لا ترهب ، ولا دونجوانية، و لا ابتذال الماني كحد وسط. انت تعرفين حق المعرفة رفيقك الشاب هوز. انه شاب كامل، عظيم الموهبة، لكني أخشى ان لا يخرج منه شيء جيد. فهو يتخبط و ينتقل من مغامرة غرامية الى أخرى . ان هذا لا يقدم شيئا لا للنضال السياسي ولا للثورة، و إنني لا أضمن لا التقة ولا الحزم في النضال بالنسبة الى النساء اللاتي يختلط خيالهن الشخصي بالسياسة، ولا بالنسبة الى الرجال الذين يجرون وراء كل تنورة و يقعون صرعى أول كاعب حسناء يرونها .كلا ، إن هذا لا يتفق و الثورة ؟ ”
ونهض لينين فجأ ة ، و ضرب بيده على الطاولة و خطا بضع خطى في غرفته:
– ان الثورة تستدعي تركيز القوى و توترها. من جانب الجماهير و كل فرد على حدة . و هي لا تتفق مع الإشتطاط في الشبق كما هي حال أبطال و بطلات دانونزيو المنحطين . ان الشطط في الحياة الجنسية علامة على الإنحطاط البرجوازي و البروليتارية طبقة صاعدة. و هي ليست بحاجة لأن تسكر ، و تدوخ، و تثار. إنها لا تطلب لا الثمل ولا الافراط في الجنس و الكحول . انها لا تجرأ و لا تريد أن تنسى دناءة الرأسمالية ، ووحلها و همجيتها . و هي تستمد أقوى حوافزها النضالية من وضعها الطبقي و من المثل الأعلى الشيوعي. و ما تحتاجه هو الوضوح و المزيد من الوضوح. و لهذا، انني أكرر ذلك، لا تهاون ، و لا تبدير أو تدمير للقوى . و معرفة ضبط النفس و سيطرة المرء على أفعاله لا تعني العبودية. و هذا ضروري في الحب أيضا.
” لكن ، اعذريني يا كلارا ، فقد ابتعدت كثيرا عن نقطة انطلاق حديثنا. لم تلفتي نظري حتى اعود الى النظام؟ ان قلقي قد جعلني اقول اكثر مما كنت اود. ان مستقبل شبيبتنا يقلقني كثيرا. فالشبيبة هي جزء من الثورة. واذا ما بدأت التأثيرات الضارة للمجتمع البورجوازي تمتد الى عالم الثورة ايضا، شأن الجذور الكثيرة التشعب لبعض الاعشاب السامة ،فمن الافضل ان نقاومها في الوقت المناسب. لاسيما وان هذه الوسائل هي جزء ايضا من المشكلة النسوية”.
كان لينين يتكلم بكثير من الحدة والقناعة .وكنت اشعر بأن كل كلمة من كلماته تخرج من أعماق قلبه .وكان تعبير وجهه شاهدا على ذلك. وكانت حركة قوية من يده تدل احيانا على فكرته. وما أذهلني هو أنني وجدت لينين، مع اهتمامه بالمسائل السياسية البالغة الاهمية، يعير انتباها عظيما للظاهرات المنعزلة ويحللها بعناية بالغة، وهذا ليس فيما يتعلق بروسيا السوفياتية فحسب، بل ايضا بالبلدان الرأسمالية. وكان لينين ، بوصفه ماركسيا كاملا، ينظر الى كل ظاهرة منعزلة ،في أي شكل ومكان تتجلى فيهما، من خلال المشكلة الكبرى، من خلال الكل، مقدرا قيمة الاولى بالنسبة الى الاخيرة. ولم تكن ارادته و هدفه الحيوي الراسخ الذي لا يتزعزع كقوة لا تقاوم من قوى الطبيعة يستهدفان سوى شيء واحد :التعجيل بالثورة التي يرى فيها قضية الجماهير. كان لينين يقيم كل ظاهرة من زاوية التأثير الذي يمكن أن تمارسه على القوى المكافحة في سبيل الثورة، على نطاق قومي واممي معا ،لأنه كان يرى دوما امامه ،مع أخده بعين الاعتبار التام الخصائص التاريخية في مختلف البلدان وفي مختلف مراحل تطورها ،ثورة بروليتارية عالمية واحدة غير قابلة للقسمة.
وهتفت:
_كم يؤسفني، ايها الرفيق لينين، ان مئات والوف الاشخاص لم يسمعوا كلماتك هذه. وانت تعلم انه ،بالنسبة الي، لا حاجة الى إقناعي. لكن من الاهمية بمكان ان يطلع اصدقاؤنا واعداؤنا على السواء على رأيك.
كان لينين يبتسم بسذاجة وطيبة :
_لعلي سألقي ذات يوم خطابا او اكتب حول هذا الموضوع .ليس الان، وانما فيما بعد. فاليوم علينا ان نركز كل وقتنا وكل قوانا حول نقطة اخرى. ان لدينا في الوقت الراهن هموما اخطر واصعب .فالنضال من اجل الحفاظ على السلطة السوفياتية وتوطيدها ما يزال بعيدا عن ان يكون قد انتهى .و علينا ان نبذل كل ما في وسعنا لاستخلاص النتائج من الحرب مع بولونيا. ان ورانجل ما يزال في الجنوب .وفي قناعتي القوية، انا واثق من ذلك، اننا سنتغلب عليه، الشيء الذي سيجعل الامبرياليين الانكليز والفرنسيين وصغار اتباعهم يفكرون. لكن الشيء الا صعب هو اعادة البناء.
“وسوف تكتسب مشكلة العلاقات بين الجنسين ومسائل الزواج والاسرة المزيد من الاهمية من خلال هذه المسيرة أيضا. وبانتظار ذلك، عليكم أن تناضلوا دوما وفي كل مكان .عليكم الا تسمحوا بمعالجة هذه المسائل عن غير الطريق الماركسي، وألا تسمحوا بان تخلق تربة مناسبة للانحرافات والتشويهات المؤذية”.
ونظر لينين الى ساعته، وقال:
_ان الوقت المتاح لي قد انصرم نفسه. لقد تكلمت اكثر مما ينبغي. ان علينا ان نكتب اطروحات تستلهمها النساء في عملهن الشيوعي. انني اعرف مبادئك وتجربتك العملية . وعلى هذا فان حديثنا حول هذه النقطة سيكون قصيرا. اذن، الى العمل ! …
عن كتاب كلارا زتكين
“لينين كما كان”

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com