مقالات

الطبقة المثقفة و الثورة في مسرحية ميخائيل بولغاكوف “أيام آل توربين”

د. تحسين رزاق عزيز

يقول بافل بوبوف احد أصدقاء بولغاكوف : ” أيام آل توربين” واحدة من الأشياء التي تلج عالمك الخاص لتصبح عصراً كاملاً بالنسبة لك شخصياً” , ويكاد يشاطر بوبوف جميع من حضي  بمشاهدة المسرحية على خشبة المسرح الفني في موسكو.

الموضوع الرئيس لهذا النتاج المسرحي , قدر المثقفين في الحرب الأهلية والغليان والتوحش الشامل , إذ تُصور المسرحية السعي الدائب للحفاظ على إسلوب الحياة العادي مقابل الفوضى العارمة , حيث “المصباح البرونزي الأنيق، وسفرة الطعام الناصعة البياض، والستائر العاجية اللون” , فالمسرحية تتحدث عن أيام ما بعد الثورة والحرب الأهلية وما جرى فيها من تحول في أذواق الناس.

تجري أحداث المسرحية في كييف المدينة التي عاش فيها بولغاكوف في شتاء عام 1918-1919  يحكم المدينة شخص تافه صنيعة النظام الجديد يدعى سكوريادسكي وهو زعيم قوقاز أوكرانيا , ورغم التناقضات السياسية العميقة يسانده جزء من الجيش الأبيض المعادي للسلطة السوفيتية , تسعى حكومة زعيم القوقاز هذا لإنشاء دولة أوكرانية مستقلة بينما يبقى ضباط الجيش الأبيض والنبلاء الروس موالين لروسيا “الواحدة الموَحَّدة”، بحدودها في أيام القياصرة عام 1914 لكنهم توحدوا مؤقتاً لكي يواجهوا الأعداء.

لنتكلم الآن بشيء من التفصيل عن أبطال هذه المسرحية الخالدة , عائلة آل توربين عائلة مثقفة اعتيادية لزمن سنوات الحرب، الأخ الأكبر فيها عقيد، والأصغر طالب في الكلية العسكرية، الأخت متزوجة من العقيد تالبيرغ , وأصدقاء العائلة كلهم عسكريون , شقتهم كبيرة وفيها مكتبة، وعلى العشاء يتناولون النبيذ ويعزفون على البيانو وما أن يسري فيهم مفعول الخمر حتى تصدح حناجرهم بأداء النشيد الوطني القيصري بشكل غير متناسق، رغم أن القيصر لم يعد في الوجود منذ سنة , ولا احد منهم يؤمن بالله , ويُسمح عندهم بدخول البيت في أي وقت , تساعد الأسرة في منزلها النقيبَ ميشلايفسكي المتجمد من البرد وبيتلورا  وأحد زعماء القوقاز وتطعمهم. إنها فعلاً عائلة ودودة متحابة لكن دون عواطف زائدة.

يرى نيكولكا ابن الثامنة عشرة المتعطش للمعارك في أخيه الأكبر اليكسي مثالاً يُحتذى به , فهو عقيد ولم يتجاوز سنه الثلاثين عاماً , إذ خرج للتوّ من الحرب مع ألمانيا التي انتهت، وفي الحروب يرتقي الضباط المميَّزون بالرتب سريعاً … انه ذكي وقائد مدبِّر , تمكّن بولغاكوف من خلال هذه الشخصية أن يعطي صورة ً شاملةً للضابط الروسي السائر على خطى الضباط الذين وصفهم تولستوي وتشيخوف  وكوبرين , تقترب شخصية توربين كثيراً من شخصية روشين في رواية اليكسي تولستوي “درب الآلام” , فكلاهما طيبان وشريفان وذكيّان ويهمهما مصير روسيا , فقد خدما الوطن ويريدان أن يخدماه أكثر لكنهما في لحظة معيّنة يتصوران إن روسيا في طريقها إلى الهلاك ويعتقدان بعدم جدوى وجودهما.

هناك مشهدان مميَّزان لشخصية اليكسي توربين في المسرحية : المشهد الأول بين أصدقائه والمقربين له خلف “الستائر العاجية اللون” التي لا تستطيع أن تخفيه عن الحروب والثورات , يتكلم توربين عمّا يقلقه ورغم تعذر الكلام يأسف توربين لأنه لم يتمكن سابقاً من التنبؤ “بمن هو بتلورا” , يقول انه “خرافة”  و”ضباب” , يرى توربين ان في روسيا قوتين : البلاشفة وعسكر القيصر السابقين , وسرعان ما يأتي البلاشفة ويميل توربين الى الاعتقاد ان النصر حليفهم.

وفي مشهد الذروة الثاني يصبح توربين ناشطاً، فيُصدر أمراً بحل الفوج ويأمر الجميع بنزع الرتب والإسراع بالاختباء  في البيوت , ويتحدث توربين عن أشياء مريرة : قائد القوزاق ومعاونيه هربوا وتركوا الجيش يواجه مصيره المحتوم , يفهم توربين أن لا طائل من سفك الدماء ويقرر عدم الاشتراك في مثل هذه الحروب , ويكبر الألم وخيبة الأمل في نفسه، لكن روحه القيادية لا زالت قوية , ويصرخ بأحد الضباط الذي يقترح عليه الهروب واللجوء الى دينيكين على نهر الدون لأنه يعرف ان هذا يجبر العسكر على القتال ضد أبناء جلدتهم , والشعب سينتصر عليه ويهرب دينكين الى الخارج , لا يريد توربين ان يتصادم أي روسي مع الروس الآخرين , ويستنتج ان حركة البيض مُنِيَت بالهزيمة لأن الشعب لم يساندهم.

لقد صورت أكثر النتاجات الأدبية السوفيتية في تلك الحقبة البيض (أعداء الثورة) أنهم سفّاكو دماء ومجرمي حرب، لكن بولغاكوف صوّر اليكسي توربين بشكل آخر , فبعد ان طلب توربين من جنوده ان ينزعوا الرُتب بقي وحيداً في الفوج منتظراً مصيره المحتوم , يُمثِّل اليكسي توربين صورةً مأساويةً، انه إنسان فخور وقوي وشجاع وحر الإرادة ومتكامل , لقد انهر النظام وقُتل معه الكثيرون ممن خدموه , فَهِمَ توربين عند مقتله وهو يحتضر انه كان مخدوعاً لأن القوة مع مَن يسانده الشعب.

إمتلك بولغاكوف حساً تاريخياً كبيراً وفَهِمَ بصدق موقف القوى كلها , ولم تسامح السلطات بولغاكوف لفترة طويلة على حبه لأبطاله , تميز بولغاكوف في مسرحيته هذه بأن صوَّر على الخشبة مشهد مقتل اليكسي توربين ونجاة أخيه نيكولكا بإعجوبة.

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com