تحقيقات

بعد مرور 14 عاماً على “إعادة إعمار العراق” أين ذهب التريليون دولار

يكاد لا يخلو أي حديث بين عراقيين اثنين في أي محفل كان من التحدث ووصف حالة الفساد المتغلغل في العراق. بدأت ملامح الفساد المالي في العراق تظهر جلياً مع أول 8 مليارات حصل عليها العراقيون في زمن الحاكم الأمريكي بول بريمر، باعتبارها دعماً لإعادة إعمار البنى التحتية التي طالها الأذى خلال الحرب، هذه المليارات وغيرها اختفت ولم يعرف مصيرها حتى اللحظة ليبدأ معها مسلسل الفساد بأجزائه اللا منتهية.

بداية الفساد . . أصابع الاتهام تتجه للولايات المتحدة

دارت شبهات كثيرة حول دور سلطة الائتلاف المؤقتة في الفساد، ففي تقرير نشر في صحيفة الجارديان البريطانية جاء فيه أنه مع نهاية الحرب الأمريكية على العراق، وفّرت الولايات المتحدة مبالغ كبيرة من المال للسلطات المؤقتة في بغداد برئاسة بول بريمر لإنفاقها على إعادة إعمار البلاد، وبحلول الوقت الذي ترك فيه بريمر المنصب بعد ثمانية أشهر من توليه عام 2005، اختفى مبلغ بقيمة 8.8 مليار دولار من تلك الأموال.

ويضيف التقرير  أنه عندما وصل بول بريمر إلى العراق، كان هناك 6 مليارات دولار في الخزينة العراقية، تركها برنامج الأمم المتحدة للنفط مقابل الغذاء، إضافة إلى 10 مليارات دولار على الأقل من صادرات النفط العراقية المستأنفة، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1483 ، الصادر في 22 مايو (أيار) 2003، تم تحويل جميع هذه الأموال إلى حساب جديد في حساب باسم المصرف الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ويسمى صندوق التنمية للعراق، وقد أدى نقص الشفافية في تعامل سلطة الائتلاف المؤقتة إلى شبهات فساد كبيرة.

يروي تقرير الجارديان البريطانية عن مسؤول في المستشفى العراقي أنه عندما جاء لتوقيع عقد مع سلطة الائتلاف، وقد ضاعف ضابط في الجيش الأمريكي الذي يمثل سلطة الائتلاف المؤقتة السعر الأصلي للعقد، فاحتج المسؤول العراقي حينها على أن السعر الأصلي كان كافياً، لكن الضابط أوضح أن الزيادة التي تقدر بأكثر من مليون دولار كانت حزمة تقاعده.

احتل العراق عام 2016 المرتبة 166 في مؤشر مدركات الفساد العالمي (CPI)، ليكون بذلك ضمن الدول العشر الأكثر فسادًا على مستوى العالم، ويقول الكاتب ” نظير الكندوري ” إن ظاهرة الفساد رافقت الجيش الأمريكي منذ اليوم الأول وكانت أولى عملياته الاستيلاء على البنوك العراقية في بغداد بما فيها من مليارات الدولارات دون أي توثيق لكم المبالغ المتواجدة فيها، ويضيف الكندوري أن الأمريكيين سمحوا للصوص بالاستيلاء على بقية البنوك ومحتويات الدوائر الحكومية وأسلحة الجيش العراقي السابق في الوحدات العسكرية.

أرقام فلكية لحجم الفساد

أرقام فلكية لحجم الفساد في العراق؛ يقول رئيس هيئة النزاهة السابق رحيم العكيلي ، إن حجم الفساد في الحكومة العراقية يصل إلى أرقام فلكية، وهناك ملفات كبيرة لم يتم كشفها حتى الآن، لكن يكفي الحديث عن 1000 مليار دولار دخلت الدولة العراقية منذ عام 2003 حتى الآن، لم يستفد منها المواطن العراقي فأبسط الخدمات من كهرباء وصحة لا زالت متدهورة، بحسب العكيلي.

وعن آليات الفساد وما خفي عن العراقيين، يضيف العكيلي أن الفساد يلحق خسائر بالدولة العراقية أكبر من الخسائر الناجمة عن السرقات في الموازنة العامة، ذلك أن هناك فسادًا يتمثل بسرقة الثروات قبل دخولها الموازنة مثل النفط والأصول المالية، وبالتالي فهذه لا يمكن معرفتها على وجه الدقة، إضافة إلى سرقات تتعلق بأصول الدولة من مشاريع الدولة الزراعية والصناعية والتلاعب بها.

وعن الرقم المتداول لحجم الفساد المقدر بألف مليار دولار،  يضيف العكيلي أن 1000 مليار دولار اختفت في الدولة العراقية، وتتضمن رشاوى وعمولات وعقودًا كبرى، إضافة إلى حوالي 6000 عقد وهمي في العراق بقيمة 227 مليار، وهذا الرقم فلكي وصالح لموازنات دول.

تقول مديرة إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة الشفافية الدولية غادة الصغير إن العراق سجل خلال الأعوام الأربعة الماضية نسبة 16% في مؤشر الفساد الإداري والمالي، ما يعني أنه أحد أكثر الدول فسادًا في العالم، إذ أنه كلما اقتربت الدولة من مستوى 100% كانت أقل فسادًا.

وأشارت الصغير إلى أن الدراسات الخاصة ببحث الفساد في العراق أظهرت أن نسبة كبيرة من الوظائف الحكومية يتم شغلها عبر الوساطة والمحسوبية، وأشارت إلى أن 35% من الموظفين في القطاع العام العراقي تم تعيينهم دون شفافية ودون أي إجراء تنافسي، فضلًا عن ظاهرة الموظفين والجنود الفضائيين الذين تحتسب رواتبهم ضمن الموازنة دون وجود حقيقي لهم.

وعن الموازنات الاتحادية التي لم تعرف حساباتها الختامية، يقول السياسي العراقي جمال البطيخ، «لم نفلح خلال الـ12 عامًا الماضية في تقديم الحسابات الختامية للموازنة الاتحادية في البرلمان، حيث ظلت الحسابات مفتوحة ولا نعلم ما صرف منها وما بقي، لم يكن هناك حساب طوال ذلك الوقت، كانوا يقسمون الذبيحة إلى قطع»، فيما قال نائب الرئيس العراقي إياد علاوي «إن الفساد في العراق أمر وجودي وهناك نقابات منظمة للفساد تدير البلاد، اقولها بصراحة أنه لا يمكن لسلطة عراقية أن تتخذ إجراءً بهذا الشأن».

فضائح الفساد . . من يعترض على الرشوة مصيره القتل

«الجميع فاسد، كل السياسيين فاسدون، صاحب العقال وصاحب العمامة والأفندي، كلهم فاسدون، كلنا نسرق، كلنا نكذب، كلنا نأخذ الرشوة، بمن فيهم أنا»، تصريحات مثيرة للجدل وصادمة للنائب في البرلمان العراقي مشعان الجبوري في مقابلة تلفزيونية له على قناة الاتجاه العراقية، حيث اعترف الجبوري أنه تلقى رشوة تفوق قيمتها المليون دولار، وأوضح خلال المقابلة أن لا أحد يستطيع إيقاف دوامة الفساد، وكل من يعترض فمصيره القتل، بحسب قوله.

تشير تقارير غربية إلى أنه على الرغم من امتلاك الحكومة العراقية العديد من هيئات مكافحة الفساد، لكن قدرة هذه الهيئات على مقاضاة الفاسدين محدودة بشكل كبير بسبب تبعيتها للمصالح السياسية والأحزاب، وضعف هيكلها التنظيمي، إضافة إلى قانون العقوبات المربك، ويضيف التقرير أنه حتى عندما تتخذ هيئة النزاهة إجراءً ما في قضية فساد معينة، فإنه نادرًا ما تترجم هذه الإجراءات إلى إدانات من جانب القضاء العراقي، إذ أن العراق لا يحتاج إلى أي مبادرات جديدة لمكافحة الفساد بقدر ما يحتاج إلى إصلاح مؤسسات مكافحة الفساد الحالية وتمكينها من العمل باستقلال حقيقي عن النخبة السياسية.

وخلص تقرير أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية في عام 2006 بشأن برامج مكافحة الفساد في العراق إلى أنه من بين 450 قضية أحيلت إلى المحاكم المختصة في العراق، فإن 80 قضية فقط أسفرت عن عمليات اعتقال، لتصدر أحكام قضائية في ست قضايا منها فقط.

يقول المحلل الاقتصادي حسن طاهر لـ«ساسة بوست» لا يقف الفساد في العراق عند حد معين، فالفساد الإداري لا يقل من حيث التأثير عن الفساد المالي المرتبط بالعقود والوزارات، ويضيف طاهر أنه وبسبب المحاصصة الطائفية التي يعيشها البلد منذ عام 2003، فإن كل حكومة أتت كانت مرغمة على استحداث عشرات المناصب العليا لإرضاء الكتل السياسية المختلفة، وما عدد المديرين العامين في العراق الذي يعد الأعلى في الشرق الأوسط إلا نتاج هذه السياسة، التي تلزم الحكومة بتوفير مرتبات خيالية لعدد هائل من المسؤولين الحكوميين، فضلًا عن توفير سيارات مصفحة وحمايات أمنية، ما يؤدي إلى إنفاق مئات ملايين الدولارات دون فائدة تذكر، وأشار طاهر إلى أن قدرة هيئة النزاهة محدودة في اتخاذها للإجراءات وخاصة في عهد الحكومات السابقة، وعندما حركت الهيئة بعض قضايا الفساد في عهد رئيسها السابق رحيم العكيلي فإنه أبعد من منصبه ولاحقته جهات سياسية فاعلة حينها.

وفي آخر حلقات الفساد، كشفت  اللجنة المالية في البرلمان العراقي عن خسارة 8 مليارات دولار سنويًا من الموازنة العامة بسبب حالات الابتزاز والغش وإدخال البضائع بشكل غير رسمي عبر المنافذ الحدودية في عموم البلاد، وقال عضو اللجنة المالية هيثم الجبوري «إن الفساد أصبح آفة تنخر جسد المنافذ الحدودية ومن بينها منفذ أم قصر الشمالي في محافظة البصرة، حيث تتزايد حالات الابتزاز للتجار وإدخال البضائع بشكل غير رسمي، ما يتسبب في خسائر كبيرة لموازنة الدولة قدرت بأكثر من 8 مليارات دولار سنويًا».

الأموال المهربة إلى الخارج . . «دول تعتاش على أموال العراق المهربة»

أموال تقدر بمليارات الدولارات تجد طريقها إلى الدول والمصارف الأجنبية والعربية، ومصدر هذه الأموال هو ما يهرب من العراق، إذ يقول عضو لجنة النزاهة النيابية عادل نوري إن نحو 1000 مليار دولار هدرت وهربت بسبب الفساد في العراق بعد عام 2003، مبينًا أن هناك أكثر من 600 مليار دولار ليس لها وصولات، فضلًا عن العقود المشبوهة والوهمية في وزارات الدولة، وأشار إلى أن المفسدين يعملون ليل نهار على تهريب العملة إلى دول مجاورة وأجنبية.

وعن قدرة الحكومة العراقية على استرداد الأموال المهربة، يقول المحلل الاقتصادي محمود السعدي «إن من الأمور المحيرة أن العراق بالرغم من الحجم الهائل للأموال المهربة سواء قبل 2003 أو بعده، ورغم كل الحديث عبر وسائل الإعلام عن ضرورة ملاحقة تهريب الأموال، إلا أنه لا تتوافر في العراق إحصاءات أو تقديرات دقيقة لحجم الأموال المهربة بالرغم من وجود هيئة للنزاهة»، ويضيف السعدي أن عمل دائرة استرداد الأموال لم يكن بحجم المليارات التي تم تهريبها، فهيئة النزاهة منذ تأسيسها نجحت لمرة واحدة في استرداد الأموال التي اختلستها إحدى موظفات أمانة بغداد، أما ملفات الوزراء والشخصيات الأخرى فما زالت حبيسة الأدراج المغلقة.

فيما أشار عضو لجنة النزاهة النيابية عادل نوري إلى أن هناك دول تعتاش على الأموال العراقية المهربة والتي تم تبييضها وغسلها فيها، مضيفًا أن العراق قام بمفاتحة بعض الدول للكشف عن قيمة الأموال المهربة، مشيرًا إلى أن هناك دولًا لا تتعاون وتعتاش على تبييض هذه المليارات من الدولارات، موضحًا أن هذه الأموال تساعد الدول في الاستثمار، وهذا الكم الهائل من المال المهرب ليس بالأمر الهين استعادته، ويساعد هذه الدول في إنعاش اقتصادها.

حثت الحكومة العراقية التي يقودها حيدر العبادي الخطى في سبيل استعادة هذه الأموال، إذ يواصل فريق من الأمم المتحدة، بمساعدة سبع لجان حكومية وبرلمانية وقضائية، مساعيه لاستعادة الأموال العراقية المهربة خلال الأعوام الماضية والتي تقدر بالمليارات ويسعى الفريق لدراسة كل الملفات التي تتعلق بدخول وخروج الأموال من العراق في غضون عامين فقط، متعهداً بكشف كل الأموال المهرّبة وتحديد الجهات والشخصيات المتورطة بذلك، وكان الفريق الأممي قد قدم إلى العراق بعد توقيع الحكومة مذكرة تفاهم مع الأمم المتحدة التي تولت مهمة اختيار أعضاء الفريق، بموجب مذكرة التفاهم، وسيتعين على كل الدول التعاون مع الحكومة العراقية لاسترجاع هذه الأموال المهربة، بحكم ولاية الأمم المتحدة وتأثيرها على المستوى الدولي.

المديونية الخارجية . . العراق تحت رحمة البنك الدولي لعقود طويلة قادمة

فساد مستشر ومديونية بالمليارات، فقد كشف تقرير لصندوق النقد الدولي  عن حجم مديونیة العراق للأعوام السابقة والتوقعات بزيادتها للأعوام المقبلة،  وكشف التقرير أن ديون العراق لعام 2013 بلغت 73 ملیارًا و100 مليون دولار، في حين ارتفعت في عام 2014 إلى  75 مليارا و200 مليون دولار، وفي عام 2015، وبسبب تكلفة الحرب الباهظة التي يخوضها العراق ضد «تنظيم الدولة الإسلامية -داعش»  ارتفعت الديون لتصل إلى 98 مليار دولار، ثم 114 مليار و600 مليون دولار في عام 2016، لتقفز هذا العام إلى 122 مليار و900 مليون دولار، وتوقع التقرير أن يرتفع دين الحكومة العام المقبل ليتجاوز 132 مليار.

وعن تأثير هذه الديون على القرار السيادي العراقي، يقول المحلل الاقتصادي حسن طاهر لـ«ساسة بوست» إن هذه المديونية الكبيرة، لم تكن لتصل إلى هذا الرقم الهائل لولا الفساد المستشري في البلاد، وأضاف طاهر أن هذه المديونية ستضع العراق تحت رحمة شروط البنك الدولي لعقود قادمة، ما سيؤثر قطعًا على حياة المواطن العراقي وعلى خطط الحكومة المستقبلية، وأشار طاهر بالقول «أعتقد أن سكوت الولايات المتحدة على حالات الفساد التي بدأت تنتشر بعد عام 2003 رغم قدرتها في حينها على مكافحة هذه الظاهرة مرده إلى رغبة مبيتة لوضع العراق تحت الوصاية الدولية وإن كان بطريقة غير مباشرة».

سخط شعبي

تشهد العاصمة بغداد بين الفينة والأخرى تظاهرات حاشدة في ساحة التحرير للمطالبة بتنفيذ إصلاحات شاملة للحد من الفساد احتجاجًا على بطء الإجراءات الحكومية ضد الفساد، وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر دعا في عام 2015 إلى تظاهرات أسبوعية للمطالبة بالإصلاح، كانت تنطلق كل جمعة لتتمركز عند نصب الحرية في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية.

وللتقليل من احتقان الشارع، تعهد رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي حينها بإصلاحات واسعة ما أدى إلى تراجع وتيرتها في نهاية عام 2015، ثم ما لبثت حركة الاحتجاج أن استؤنفت مجددًا مع بداية 2016، وتمكن المتظاهرون من اقتحام المنطقة الخضراء شديدة التحصين والتي تضم مقر السفارة الأمريكية ووصل المتظاهرون إلى مقر مجلس النواب، ما شكّل ضغطًا متزايدًا على الحكومة للاتجاه نحو إجراء إصلاحات فعالة.

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com