مقالات

الدراويش يبحثون عن الحقيقة.

بيدر ميديا.."

رحلة في داخل النص

الباحث/عبد الحميد برتو.

سلطت المسرحية أضواءً كاشفة على حياة الناس، العامة منها والخاصة. في ظل الإستبداد المتفاقم للحكام وتحت سياطهم. وما نال منه الفقراء (الدراويش)، عندما وصلوا الى مخازن وأقبية التعذيب. بَيَّنت المسرحية حجم القسوة والظلم والهوان، الذي سلطته القوى المهيمنة في بلادنا العربية على شعوبنا. كل ذلك سمح لي بالقول والتأكيد، على أن الهاجس الإنساني في كل عمل وموقف، بات يتصدر كل الهموم الكبرى. وهو الأسمى والأبقى. لا يُخيب التمسكُ بالقيم الإنسانية الظنَ عند تأسيس وبناء الأحكام عليه، فيما يتعلق بكل الموضوعات ذات المعاني الكبيرة. يفتح ذلك التمسك نافذة ضوءٍ، لكل مَنْ يُعَذب أو يُغَيب في الغرف المظلمة أو على رؤوس الأشهاد.

أحاول هنا تلمس روح المسرحية ومقاصدها، وما حملت من أطياف منظورة ومتخيلة. إبتداءً من إسمها، الذي ضم ثلاث كلمات ذات دلالات واسعة: الدراويش، البحث والحقيقة. كل واحدة من تلك الكلمات، تستحق تأملاً جاداً، دقيقاً ومرناً، بل تدفع صوبه أصلاً. خلقت تلك الكلمات الثلاث مجتمعة، توليفة معبرة ومنسجمة عن علاقات كل أطرافها. هنا لا أركز على المعنى العام الوضعي أو الإصطلاحي للكلمة. إنما أقف عند المعنى الملموس المتداول بين الناس، وذلك المعنى، الذي نحته وعبر عنه مؤلف المسرحية.

تأصلت وترسخت كلمة درويش أو دراويش في وعي الناس اليومي، الى درجة باتت تعبر عن نفسها بنفسها. لكن على نحو مغاير لمضمونها الحقيقي أو الأصلي. إذ إبتعدت كثيراً عن معناها الوضعي والإصطلاحي معاً. أي الإشارة الى التصوف والزهد، والى نوعية ونمط حياة أصحاب الطرق الصوفية شديدي الفقر، المتقشفين والعازفين باقتناع تام عن “حطام هذه الدنيا”.

ولم يعد أمراً أساسياً ما تلونت به حياة الدراويش الأوائل، من ببعض مظاهر حب الحكمة والمعرفة، والإقتراب من خلق نظرة فلسفية خاصة بهم، حول طبيعة ما ينبغي أن يكون عليه، نمط وإسلوب حياتهم. كما حاولوا تبني بعض المعطيات والمعلومات عن التاريخ ودورات الزمن أيضاً. ومن أجل دعم علاقاتهم بالناس، تعلموا بعض الممارسات في العلاج الطبي الشعبي. كما كان للشعر ومجالس الذكر والدفوف والغرق في عالم الروحانيات والتأمل، وحتى الحركات القريبة من النشاطات الرياضية لها حضور عند بعضهم.

إذا نظرنا من الزاوية السياسية، في السجل التاريخي لكل أصناف الدراويش، فإن تاريخهم بصفة عامة، يشفع لهم فيما يتعلق بذلك الدور السياسي، الذي لعبوه في بدايات القرن الماضي وقبله، أثناء مواجهة الهجمات الإستعمارية ضد بلدانهم. لقد إختاروا موقفاً وطنياً لا شبهة عليه.

كما كان للدراويش دوراً كبيراً إيجابياً في الماضي البعيد أيضاً، لنشرهم مفاهيم التسامح وقبول الآخر. مع تصاعد الغلو والتشدد الديني في العقود الأخيرة. إندفع بعض رجال الدين المسلمين المتشددين صوب وصم الدروشة والدراويش، بالبدعة. أخرجوا الدروشة عنوة، من أسس المعتقدات الإسلامية، ألصقوا بها وصف الكفر والشعوذة وإتهامات أخرى.

تمحورت معاني، دلالات وأبعاد كلمة درويش حالياً حول صفة واحدة بعينها من صفاته التاريخية. أصبحت كلمة درويش بمعناها الدارج اليومي والمعمم في الإستخدام الذائع، تدل على الشخص البسيط والفقير الحال تحديداً، دون الملامح، المؤشرات، المهارات والخصائص الأساسية الأخرى. ببساطة شخص يعتمد حياة الزهد والتقشف في معيشته، طيب القلب والسريرة وعلى نياته.

أعطت المسرحية كلمة درويش معنى ودائرة أوسع بكثير، حيث شملت الشعب بأكمله. لأن جميع المواطنين ضحايا، هم بين ضحايا محتملين أو فعليين، لآلة القمع، الإستبداد والقهر. بإستثناء عناصر بعض النخب المداهمة، المطاوعة والرادحة في حفلات الخداع والكذب والإنتفاع. وقبلهم عناصر أجهزة الحكومات بكل صنوفها وأنواعها، بإستثناء من يصحى ضميره.

ترى المسرحية بأن السلطات العربية تتعامل مع المواطنين كلهم كدراويش. هم موضع إتهام والتهم تصنعها الحكومات بمهارة تارة، وأخرى بعدم إكتراث. تعتمد على ما تتوارثه من خبرات متراكمة. ومن “إبداعات وشطارة” محققيها. على الدراويش الإعتراف بالتهم المنسوبة لهم عنوة وقهراً، حين يقع أحدهم، في وسط مختبرات التحقيق وأقبية التعذيب والموت. يجب على كل الدراويش، تحمل مسؤولية وآلام ومحن التعامل مع الإتهامات. ومع كل الإفتراضات، الشبهات والمحاذير الإحترازية، التي يصنعها مصممو ومنفذو الإستبداد الجائر.

قامت المسرحية على حقيقة، أن الحكومات وضعت شعوبها موضع الإتهام. أعدت لكل درويش ملفاً خاصاً به. يشكل ملف الحكومة الكل المطلق في حقيقته. كما لا يجوز الإعتراض عليه. وما على الدرويش ـ المواطن إلاّ أن يقول ما يريده المحقق المنزوع من كل المشاعر والقيم الإنسانية. لا يملك المحقق سوى قيمة واحدة، تفيد بأنه يوجد إتهام. ينبغي على الدرويش الإعتراف به. يتفاخر المحققون والجلادون والسجانون، بأن لديهم أساليب مجربة في فرض الإعتراف. كما لا يعني شيئاً، إذا كان المتهم، الذي يحققون معه في العنبر أو المخزن أو القبو، غير المتهم المطلوب فعلاً. لا يهم فالكل دراويش. ينبغي عليهم الإعتراف بملف الإتهام.

تبقى كلمتا “يبحثون” و”الحقيقة” تحملان معان غاية في الأهمية. مجرد إنطلاق التفكير في التوجه إليهما، كهم رئيس للدراويش، يعني فَتْحَ بابٍ للعمل من أجلهما. يخلق البحث عن الحقيقة درجة جديدة من الوعي، لفهم خصائص الواقع القائم. يحمل البحث بذاته العديد من مفاتيح العمل ضد الواقع المرير، الذي يسعى لتغيب حق الإنسان في الحياة الكريمة الآمنة. نعم إن مسرحية “الدراويش يبحثون عن الحقيقة” تقدم سردية معبرة عن الحال. لا تقف عند حدود الوصف. إنما تتلمس وسائل الخلاص عبر رفع مستوى الوعي.

بعد المستوحيات التي يشي بها عنوان الغلاف. وجدت في الصفحة الأولى عبارتين بخط اليد. ترددت كثيراً في الكتابة عنهما. فهما ليستا جزءاً من المسرحية. ولكن رجحت في نهاية المطاف الإشارة إليهما. كما وردتا، لأنهما قد تكونان بخط يد السجين أو الموقوف أو المتهم، الذي أرسل الكتاب إلينا. وربما للتاريخ المدون على الصفحة بعض الأهمية للرفاق الذين يتوقع إطلاعهم على الكتاب.

كُتبت العبارة الأولى في الزاوية اليسرى العليا. تقول: (ثروتي في هذا الوجود صداقاتي). مؤرخة في 27/10/1982. لم تأخذ هذه العبارة صفة إهداء أو أي شيء آخر. هي مستلة من مقدمة الكتاب نفسه. ربما تعود لقارئ آخر سابق، كتبها لنفسه، إعجاباً بمضمونها. أو ربما كتبها السجين نفسه، الذي أرسل الكتاب الى رفاقه في الشام، ليفهما الشخص المعني من خلال الكلمات والتاريخ. على الرغم من أن التاريخ المثبت سابق كثيراً على حادثة الإعتقال.

كُتبت العبارة الثانية تحت عنوان المسرحية في ذات الصفحة أيضاً. جاء فيها: (تعبر هذه المسرحية الرائعة بلغة بسيطة عن كيفية فعل قانون النضال، وتنطبق عليها مقولة ماركس بأن الفن يرينا كيف تفعل القوانين الإجتماعية فعلها). كُتبت، على الأغلب، إقتداءً أو تأكيداً على ما كتبه الروائي السوري الكبير حَنا مينا في مقدمة الكتاب، أو لأمر آخر لم أصل إليه، ولم أستطع حتى حدسه. أعتقد إن السعي المؤكد للمعتقل من خلال تهريب هذا الكتاب، ليصل الى هدفه. يتمثل بترك إنطباع أو قول عبارة واحدة: إن قصتي تشبه هذا المسرحية.

يقع الكتاب في 151 صفحة. تتألف المسرحية، التي إحتضنها من ثلاثة مشاهد. رسم إختيار عنوان المسرحية: (الدراويش يبحثون عن الحقيقة) ببراعة صورة معبرة عن العمل بأكمله. تتمحور أحداث المسرحية، حول بطلها “درويش عزالدين”، الذي تم القاء القبض عليه، بسبب تشابه في الأسماء، بينه وبين درويش آخر. وهذا الآخر هو ثائر يساري هارب. يصبح درويش المعتقل، الذي يعمل معلماً، هو درويش اﻵخر، الذي يعمل تاجراً. هنا يعمل قانون الشبهة والمخبر السري، على أساس أن الكل دراويش.

في محاولة من بطل المسرحية المعتقل، للهروب من آلام التعذيب ومن عقلية المحقق، الذي يريد الإقتصاص عبره من درويش الثائرالغائب، بل ومن جميع دراويش الأرض. نعم، للنجاة من التعذيب يوافق درويش المعلم المعتقل، على الإدعاء الذي طُرح أو فُرض عليه، بأنه درويش الآخر التاجر المطلوب. لا يخشى من هذا الإدعاء الخطير. لأنه كان يتمنى حتى الموت السريع، ليوقف أهوال التعذيب الذي يتعرض له.

كل متهم يصل الى مجالس وحفلات التحقيق فهو مذنب. بل هو مذنب بالضرورة، التي لا تقبل الشك عند كل المحققين الصارمين. لا ضير في ذلك، إنهم سيف الظالم وعنوان قوته. هذه هي وظيفتهم ومصدر سعادتهم وسعادة أسيادهم. تطربهم إستغاثات المتهمين تحت التعذيب. إنهم خبراء في معرفة أجزاء الجسم، التي يتضاعف فيها وقع ألم التعذيب. توجد عندهم كلمة واحدة، تمثل الحق المطلق، إنها الإدانة لمَنْ هو بين أيديهم. لا يخرج الملف من بين أيديهم، دون أن يحمل قرارات بالموت المؤكد. سيجعلون من القاضي مجرد مكبر صوت، وثوب مطرز بالقرارات المصنعة سلفاً، الى جانب الإشادة القضائية بالملف وصياغته الدقيقة. لا أحد معني ببراءة البريء، لأنه في كل الأحوال مشروع جريمة، ينبغي أن تجتث. ليحل الموت في بيوت كل الدراويش، لا فرق بين الكبير منهم والصغير، ولا بين المعلم، التاجر، الفلاح، العامل والعاطل عن العمل، ولا كل درويش يمشي على وجه البسيطة.

لنتأمل، ولندقق بالكلمات، التي نطق بها المتهم. ماذا تحمل معانيها، موسيقاها وصخبها. لنعيش ونتخيل جو قائلها الروحي، النفسي والجسدي. يقول درويش المتهم خائفاً في إحدى لحظات المشهد الأول: ـ “نعم نعم يا سيدي… درويش عزالدين آثم في حق السلامة العامة… ربما كان درويش آخر… ربما كنت أنا… ربما كان درويش ثالث،، أعرف يا سيدي.. أعرف أن أحداً إذا ما القى حجراً في وسط البحر اهتزت شطآن الدنيا كلها.. هذا هو ما حدث بالضبط.. جاء أحد الدراويش والقى الحجر، وعلى جميع دراويش الأرض إذن أن تهتز أجسامهم المسكينة ويرجعوا الصدى.. أنا نفسي واحد من هؤلاء الدراويش، وعليّ أن اهتز للصدى.. الجريمة هي جريمة كل الدراويش.. وقد حق عليهم بسببي العذاب والخراب”. ولكن تعود الى درويش عزالدين بين الفينة والأخرى شجاعته. وفي أحدى حالات لملمة أطراف ذاته. قال آخر عبارة في المشهد: ـ لو عَرف الكل فلن يذهب قتلي عبثاً. (المسرحية ص 79 ـ 80)

في المشهد الثاني من المسرحية يعيش البطل صراعاً وهمياً بين زوجته الحقيقية (زينة) وزوجة اﻵخر (صبيحة) التي أصبحت تخصه بعد أن فرضوا عليه تقمص شخصية اﻵخر تحت التعذيب، فيكون الصراع بين أن يحمل هموم العالم ويجابهها وبين أن يعود مسالماً لا شأن له بما يحدث.

إن عنف التحقيق يتجاوز وحشية الغابة. يصمد أمامه مَنْ يموت تحت التعذيب بالصدفة المحضة. يفقد درويش ثقته بنفسه أو حتى إمكانية التعرف عليها. كيف يتجاوز واقعه ويقبل هوية جديدة، بما فيها: الأسم، الزوجة، الأبناء، العنوان ومهنة. كلها تعود للآخر. كيف صنعوا له وقائعاً يتنقل فيها بين الخيال والحقيقة. يكون أحياناً مزيجاً غريباً من الإثنين معاً. ما هذه اللعنة اللاإنسانية الموغلة بالعسف المبرمج بعناية و”فن”.

هم لديهم أسلحة القهر. هو ماذا لديه؟ يحاور نفسه، ربما يهذي أو بين الحالتين:
“درويش ـ ماذا أفعل بالسلاح؟ هل يجب علي أن أجرده للقتل. (يتطلع في زينة وصبيحة) لا .. لا .. لن أفعل .. لا أستطيع أن أفعل. فيدور الحوار التالي بينه وبين صبيحة وزينة.

صبيحة ـ عرفت وعانيت يا درويش .. لا مفر من أن تفعل.
درويش – سأنزع العالم من قلبي وأطرحه خارجاً .. بل سوف أطرحه في مستنقع آسن.
صبيحة ـ ليس العالم وسخاً عالقاً بثوبك يا درويش .. إنه في قلبك.
درويش ـ ليس في قلبي .. كذب .. إنه وسخ وسوف أتطهر منه.
صبيحة ـ أنظر في قلبك .. أنظر .. تره يفور من نبع.
زينة ـ إطرحه .. أنه وسخ طارئ.
درويش (ينهرها) – أسكتي .. ما أدراكِ أنتِ ما هي جلية الأمر؟ دعيني أتبين الحقيقة.. هل هو نبع يفور من قلبي أم هو وسخ طارئ؟ إذا كان وسخاً طارئاً فلماذا تراه يفور؟ أهو اﻵن في قلبي! (يمسك قلبه) أخبرني يا قلبي البائس .. هل يفور العالم في حناياك كما يفور الدم؟ أيكون العالم هو ما يجري فيك؟ أيكون العالم هو دمي (يردد في هوس) تراه هو دمي عينه .. هو دمي عينه.
صبيحة ـ عرفت أخيراً يا درويش.
درويش ـ (يتملاها) عرفت.. عرفت.. أصحيح إني عرفت؟
صبيحة ـ إنفجر النور يا درويش كما ينفجر نور الصباح.. ولا حيلة في استرجاع الظلمة الآفلة.. أنت تبصر اﻵن يا درويش.
درويش – إحترقت عيناي من الإبصار.. إحترقتا.. إحترقتا ..
صبيحة – أفتحهما الى أوسع مدى.. إبصر أكثر..
درويش – الرؤيا تبهرني.. قلبي يرتعد مما أرى.. داخ رأسي.. داخ كأنما أنا محمول على جناح برق..
صبيحة ـ (وقد إرتسم على وجهها الإنتصار): إمض معي فأنا جناح البرق.. إمض لتر أكثر مما رأيت وتسمع أكثر مما سمعت وتحس أعظم مما أحسست.. أمضي قدماً ولا تأبه.. فات زمن العودة يا درويش.. إشتد منك العود وصلب اليقين وإنفتل الساعد.. عيناك.. عيناك يادرويش أصبحتا كالرصاص الذائب.. واسعتين.. براقتين فيهما أصباغ العالم وألوانه وخطوطه وخفاياه..!! .. هيا يا جواب الآفاق ومبدل الشخوص والأرواح.. إحمل أثقالك وامض..
درويش ـ (مستجيباً.. منفعلاً بما يوحى إليه) أمضي بدون سلاح.. أين سلاحي؟
صبيحة ـ سلاحك هو الرؤية.. سلاحك أن تعرف وتدرك وتبصر”. (المسرحية ص 106 ـ 108). رسم هذا الحديث صورة مرعبة لمسخ الإنسان في أدق مشاعره وأكثرها إيلاماُ. إنه بحر من الآلام التي يصنعها البطش وحالات العصاب المرضي عند المحققين.

أبرزت المسرحية الفوارق الشاسعة بين الإنفعالات والأقوال المتخلية للزوجة الحقيقية والزوجة التي فرضوها، التي نسبها له الملف الأمني. خاطبته زوجته الحقيقية زينة: ـ “رباه! ماذا تقول يا درويش، يا زوجي الطيب؟ ألم يبق لنا في زاوية من قلبك موضع ليذكر ما كان؟ (المسرحية ص 92)
وحين سأل درويش زوجة الآخر: ـ لماذا أنا؟ قالت: ـ “مَنْ يدري .. ربما كنتَ أكثر الدراويش براءة.. ربما كنتَ أكثرهم سذاجة.. ربما كنتَ أجدرهم بحمل الله في قلبكَ والعالم على كتفيك”. (المسرحية ص 101)
لم يبقى أمام زوجته زينة سوى أن تصرخ: “يا ضيعتي.. يا ضيعتكم يا صغار.. تعالوا فاشهدوا ما لا يمكن لعين أن ترى”.

في المشهد الثالث تنقل المسرحية أجواء محاكمة درويش. يعتلي القاضي منصته وخلفه الحماية. يقف المتهم والمحققان اللذان أدارا عمليات فرض المعلومات على المتهم أمام القاضي. يتردد درويش في محاولته الأخيرة لإثبات براءته. يحتار في مسألة تصديق أو تكذيب دعوة القاضي – الذي طالبه بقول الحقيقة – بين أن يصدق الملف، الذي لفقت فيه الإدانة، أو أن يصدق الحقيقة التي سينطقها. تريث معلناً لنفسه: ـ لكن القاضي في الحقيقة يمتثل أخيراً لسلطة المحقق، سلطة السلطة، إن لم يكن ضمن وحدة أجهزتها الحديدية. على الرغم من أن القاضي نفسه تاه عليه الأمر، بصدد أيهما المزور المتهم أم الملف؟ لكنه في نهاية المطاف ملزم بأن يحكم لصالح الملف، لأنه رأى في السلطة ولية أمره. إن السلطة في حدود قناعته هي القانون والحق والعدل. هي كل شيء.

أملت آلة التعذيب على المتهم، بأن يطلب من زوجته الحقيقية أن تنساه. ولم تتوانى زوجته بطرح السؤال المر عليه: ماذا فعلوا بالإنسان؟ قال: ـ نعم إنهم هشموا ذاكرته، عواطفه وكل حقائق حياته… يا للهول! ويختار تصديق الملف الماثل بين يديه خوفاً من تعرضه للمحققين مجدداً. بات على قناعة بأن السجن وحتى الموت أرحم من التعذيب. وهكذا يدان درويش بالجريمة وينذر دراويش العالم بنفس المصير!

نجد في المشاهد الثلاثة روعة فن الكتابة بلغة بسيطة معبرة وجميلة. تنساب كالماء وفي المنحدرات تطلق موسيقا الخرير. إتسمت المسرحية بالجرأة في تناول وضع وواقع الإنسان العربي، عبر تراجيديا مميزة وواسعة الإنتشار. حملت مشاهد المسرحية الثلاثة صوراً طبعت وعرّت واقع الاستبداد السياسي وأدواته. عندما يقع مواطن بسيط همه الرئيس إعالة أسرته ومواصلة عمله الوظيفي. يجد ذلك المواطن نفسه في لجة تهمة ـ لا ناقة له فيها ولا جمل ـ تحت طائلة تشابه الاسماء. أي نوع من القسوة والعذاب وتهشيم الإرادة، بما يلزم ويدفع الإنسان على التخلي عن هويته الشخصية ليحرر نفسه، ولو لحين، من هول العذاب.

تغوص المسرحية في تفاصيل التحولات النفسية والجسدية لدى السجين، عندما يقع تحت طائلة القهر، الإلغاء والتعذيب. تعرض من جانب آخر الإنقلابات النفسية الذاتية ومناشدات السجين لذاته ودعواته لنفسه، الى الصمود تارة، وأخرى الى الخلاص بأي ثمن، ومن تلك الحالات العمل على إلغاء الذات. يتساءل الدرويش عن سر تلك التبدلات الجوهرية عنده بين القمة والحضيض. يستحضر كل ما عرفه وما سمعه عن تراجيديا القمع. لماذا لا يَعرفُ حكامُنا إلّا القمع والبطش والتصفيات الجسدية. ألا يخلق الإذلال مجتمعاً هشاً ذليلاً، وتتسع دائرة النزوع الى الإنتقام المتبادل. أليس الحكام من ذات البلد؟ لِمَ العلاقة بين الدرويش ـ المواطن والسلطة علاقة مرضية. لماذا عدم التعمق في أغوار النفس البشرية لتوضيح خفايا العقل الباطني، والكشف عن شهوات النفس ونزواتها. كما من البديهي أن السمة العامة لا تلغي بعض الخصوصيات الهامة على هذا الصعيد وغيره.

ملكت المسرحية قدرة تعبيرية كبيرة. وهي مجرد نص بين دفتي غلاف، دون تقنية الإخراج، الديكور، أداء الممثلين، الموسيقا وغيرها. إكتسبت جمالها عبر قوة التراجيديا الملحمية. إلتزم الكاتب بأهم معيار الجمال الموضوعي، من خلال إدراك العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون. ركز الحلّاج على ما يستقي منها، ويصل الى القارئ والمشاهد على الصعد والأبعاد الفكرية، الثقافية والفنية. وعلى مدى ارتباطها بالأوضاع السياسية والثقافية وإنماط حياة الناس ومستويات البطش والقمع وتكميم الأفواه.

انحازت مسرحية (الدراويش يبحثون عن الحقيقة) إلى الفئات الإجتماعية الوسطى. بما يعبر عن انحياز مثقف مهموم بالأزمات الإقتصادية، الثقافية والإجتماعية، وتشغله الصراعات الفكرية والسياسية أكثر من الصراعات الطبقية لحد ما. كما نظر الحلّاج الى الإنتماء الوطني كقدر حتمي، داعياً الإنسان العربي الى عدم التهرب من قدره بوعي أكثر عمقاً.

إن إكتشاف الهاجس الرئيس المختبئ خلف النصوص، فضلاً عن كونه مهمة نقدية جادة، في أي عمل فني مثير للإهتمام، بسبب جدارته وإنسانيته، هو حالة تحليل وإرتقاء إنساني وإجتماعي رائع. يعزز إدراك المعاناة الناجمة عن التعذيب، وما يتعلق بسلوك طريق مصارعة ومقارعة القهر ومعادنة الظروف القاسية. هذا أمر يمكن تجسيده في محاولات التعرف على الإستعارات المتخيلة أو المخزونة في الذاكرة المتيقظة، تحت وقع السياط، وفي ظل الألم الجسدي والروحي والنفسي، عندها تكون السعادة في محاولات تسدد الخطى. هذا ما تجود به أعمال الخلق الفنية المدهشة.

يقيناً أن قراءة السرد المسرحي تتطلب الغوص في لجته. واللجة أكثر مدعاة للتعمق، من مجرد الغوص في أعماق مياه غير عميقة. لا ينبغي أن تمنع هذا الجهد مرارات مساعي التحري عن نبض إحساس الضحية، تحت آلة التعذيب السادية، وأحزان مساعي التعرف على ما يعانيه الإنسان، من نوبات القوة والضعف والتأرجح بينهما. تبقى تلك المحاولات مهمة إنسانية، لا ينبغي التنصل منها، ويجب تحمل مراراتها.

وضع الحلّاج يده على موضوع بالغ الخطورة والأهمية. خلال عمله المسرحي الجميل فناً ومضموناً. كشف الكثير عن ظاهرة التعذيب، التي لم تنل عندنا بعد حقها في الدراسة والتحليل سياسياً، نفسياً وإجتماعياً، بما فيها على صعيد الأعمال المسرحية. برع الكاتب في مسرحيته حين تركها، دون نتائج مطلقة وحاسمة. لأن موضوعها يتعلق بعجز الإنسان الحر، أمام قوة البطش والظلم والطغيان، في كل زمان ومكان. لم يلقي لوماً على “درويش” البطل الصامد، وكذلك لا على درويش المتردد، وحتى المنهار أيضاً. إن جميع ضحايا القهر والبطش والعدوان، هم رموزٌ للحرية.

إن براعة الخلق عند الحلّاج، تظهر جلية، حين جعل بطله درويش عزالدين، عند القبض عليه والتحقيق معه بطلاً إشكالياً. منحه قوة إنسانية وتضامناً كذلكً. ترك له في الوقت ذاته مجالاً واسعاً للتسامح معه، مع حالات ضعفه، كما حالات قوته. إنه سجين دون ذنب، ودون موقف فكري أو سياسي مسبق. سجن وحوكم دون أن يرتكب جرماً أو نشاطاً سياسياً ما. ولكن يكفي “عدالة” الطغان أنه درويش.‏

يتبع: الدراويش يبحثون عن الحقيقة 5 ـ والأخيرة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com