قصة

أنا والذباب وحاوية النفايات.

بيدر ميديا.."

أنا والذباب وحاوية النفايات

عبد الجبار الحمدي.

أسمي طنين وأنت ماذا يطلقون عليك؟ لا ادري فأنا متشرد لا اسم لي، ولا هوية، ولا صفة، نسيني القدر ربما خرجت من رحم فقد صلته بالموت فأنزلقت حيث تراني… صراخي كان كفيل بأن تحملني الكلاب والقطط حيث ربتني دون إرادة مني فصرت أردد النباح أو المواء كأني اتقن التحدث بلغات العالم ههههههه… ها انتِ ترين أني اجيد التحدث معك بنفس لغة الطنين التي تتقنيها، فلا تستغربي!! أني كذلك فهناك مثل يقول: من عاشر القوم أربعين يوم…. فما بالك بسنين، ولكن لنتفق سأترك لك الأمر في تسميتي أعتقد إنها مبادرة جيدة لعقد مصاحبة أو هدنة… المصاحبة هي ان نعتاش جميعنا من نفس هذه الحاوية، أما الهدنة هي ان لا تكثروا من الطنين حتى لا أكثر من الهش  والنش فربما يموت البعض منكم بذلك ما قولك؟؟؟…

طنين: لا بأس، لكن عليك أن تحكي لي ولهذه الثلة من الذباب حكايتك فقد مرت على اسماعنا الكثير من قصص المتشردين ولعل في قصتك ما يمكن ان نستغرب منه!! فكما اسمع انك ذو مفردات منمقة كما المتملقين الجدد الذي نسمع عنهم..

المتشرد: شكرا على هذا الاطراء، اوافق على شرط

طنين: ماهو شرطك؟

المتشرد: ان تسمعوا حتى النهاية ربما يضجركم ما تسمعوه او ربما سمعتوا مثله او ربما لا تستطيعون معي صبرا ما سأقول، والأمر الآخر هو أن تخرسوا حاوية النفايات من الهمهمة فهي تسبب الدوي في رأسي

طنين: نعدك إن استطعنا ذلك هذا إن سمحت الحاوية لنا…

الحاوية: لا ضير فهدنة من هذا المتحيون لا تشكل فرقا عندي، لكن اعلموا انه لا يستحق منكم أي عطف إنه من الحثالات الذي رمت بهم الأقدار وقد كانوا كثر.

المتشرد: متأففا… حسنا إليكم الحكاية

كنت قد ذكرت بأني ولدت من رحم ميت وهذه حقيقة، فأنا لا أعلم كيف جئت الى هذا العالم؟! كأني عشت الغيبوبة صحوة وأنا في مكان ما، ليس فيه سوى إمراة غريبة الشكل والاطوار، علمت بعدها أنها عرافة فجلست قريبا منها، دون أن اتكلم أخذت توشوش صدفات البحر بتعويذتها لكشف طالعي… ونسيت أن البحر دافئ نعم ولكن دون ذاكرة… عادت الكرة في رمي الصدفات وهي تخط على الرمل خطوط معوجة ومتقاطعة… ترمقني بنظرة شعرت انها اخترقت ما بداخلي من هواجس مرعبة… فبدأت حديثها قائلة:

أن تكسر الجرة خير من أن تعيد الكرة فبكسرها تنهي المخاصمة على إستحواذها واستخدامها وسيلة لنيل السقاية والرفادة، استغربت!! عن أي جرة تتحدث وعن أي سقاية ورفادة؟ فقلت في نفسي لقد بدأت هذه العرافة في الضراط والترهات فعالمي يدنو من الثرثرة على أرصفة أدمغة أضاعت عقلها من خلال نافذة افتراضية بحثا عن هجين يمكنه أن ينجب ذي أصل وذلك المستحيل بعينه فنحن أبناء اللقطاء الطلقاء، فليس هناك حقيقة واحدة في عالمي إلا التشرد، هونت عليها وقلت لنستمع حتى النهاية فقد قيل كذب المنجمون ولو صدقوا…

رمت بالصدفات ثم رفعت حاجبيها مستغربة!! إنك يا هذا مثل الدولة أي دولة… كالشيطان ما أن تستعيذ مستعينا بالله منها حتى تجدها إرتدت وجهها الورع الإسلامي وأستعاذت معك من نفسها الأمارة بالسوء، إنك تعيش بوجوه مستعارة كثيرة لا أم لك، تحيا عالم التشرد بمزاجية الحيوان، تستلذ بما تحت يديك من قاذورات أسلامية تصنف الأشياء حسب فهمك ببوهيمية التكوين، تلوم الخالق على مفاهيم بشرية، الأسئلة في رأسك لا حدود لها، عالمك مليء بما لا تستطيع ان تصفه أو تتخذ به اي جانب، فتارة أراك من الذين عاثوا فسادا في زمن ما وتارة أراك قد نفضت عباءتك وتركت وراءك من ينال عنك الرذيلة التي كنت سيدها… غير ان رحلتك طويلة ومحطتك ليس ببعيدة، فعندما تعيد رصف العناوين على خرائط عالمك المتهاوي حاول أن تترك لافتات تحذير من السقوط كونك تعيش عالم مباح الحدود ومجزأ على الخارطة الجديدة أليس كذلك؟؟

لا إراديا هززت رأسي بنعم… زاد فضولي حديثها فاقتربت منها طالبا المزيد فقالت: هل تعلم أن قرينك قد أشاح بوجهه بعيدا وتركك في منعطف كنت قد اخترته حتى أوصلك الى متاهة المحطات، لكن هون عليك إن أنفاق هذا القطار طويلة قد تستغرق سنينا أو أعواما بين الظلمة أو النور فالمتاع الذي تحمله كفيل بأن يختار لك وجهة النفق لقطارك الذي ركبت، أو تذكر حين تساءلت عن حقائبك عندما أطلق القطار صافرته وسمعت من كان بجانبك يقول: إن صافرة القطار تعلن بداية الرحلة، فأجبته حقا هي كذلك؟!

فرد عليك بقوله: أجل و لكن عليك أن تدرك يا هذا أنها آخر رحلة تقوم بها من محطتك الأخيرة هاته دون حقائب، جاءك الرد صاعقا فزممت شفتيك وعضضت بعدها على لسانك مؤنبا نفسك..

العرافة: سنين طويلة تجوب المحطات، لا يجذبك سوى حاوياتها، والحقيقة أنا ومن خلال ما اراه من طالعك أجدك في موقف لا تحسد عليه ومن ناحيتي لا أستطيع تفسير ما أراه!!! إن عالمك محاط بالتنانين لا تنفك تفخ النار عليك رغبة في جعلك تحيا الجحيم فأنت ودولتك التي حلمت بها وتنازعت على سلطتها مع من إرتدوا وجوه إسلامية وعاثوا في دستورها بنود إستحواذ و ولاءات الى من كانوا يلعقون استه إنه إبليسهم الذي شرع لهم قوانين الربوبية الجديدة، كنت أحد تلك الشياطين التي خاضت النزاع في حيض عجوز شمطاء ثم اغتسلت ببول خنازير لطهارة جسد ونفس، يا هذا لا اريد ان ابوح بما أراه فقد شعرت بالتقيؤ، إنك تعيش كالبهائم وهي لعنة فمهما أمتلكت او مهما نلت تبقى متشردا تجوب حاويات النفايات كالحيوانات، لا تستلذ إلا حين تقتات منها وتتبرز عليك الكلاب والقطط… أما بقية الحشرات فستشاركك جسدك وستفدن حيا معها، تقتص منك نكاية بكل أفعالك، إنك يا هذا ستعيش الوجه الآخر لحياتك متشردا، تخاطب نفسك كالمجانين، توحي لنفسك أنك من أتباع الحق بغموس الرذيلة تستوحي من التدين عبارات تشفي شذوذك، تستجدي الذباب لأن يكون راويا لعهرك الشيطاني بوجه بائس مسكين لكن أمرك سيُفتَضح وتبقى متشردا الى الأبد مع القاذورات وحاويات النفايات.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com