ثقافة

رواية «ديزيريه»… حب نابليون الأول.

بيدر ميديا.."

رواية «ديزيريه»… حب نابليون الأول

رند علي

تتقاطع بعض الروايات مع الواقع وبعضها يكون انعكاساً للواقع وتوثيقاً للحقيقة بالكامل مثل رواية «ديزيريه» للكاتبة النمساوية أنيماري سيلنكو ترجمة فؤاد كامل عبد العزيز ومن إصدار دار أقلام عربية.
دزيريه الملقبة (سيدة السلام) خطيبة نابليون الأولى ابنة تاجر الحرير فرانسوا كلاري من مارسيليا، تبدأ حكايتها مع نابليون منذ بداية عهد العنف في فرنسا بعد سقوط الملكية وإعدام ملك فرنسا لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت وأولادهما فيبدأ زمن (الثورة تأكل نفسها) حيث تبقى المقصلة متعطشة للدماء، فيعدم كل شخص يشكوا بعدم ولائه للثورة وكذلك الاعتقالات العشوائية للعامة..
تقدم أنيماري سيلنكو الرواية على شكل يوميات، حيث تتعرف ديزيريه على جوزيف بونابرت وتدعوه للعشاء في منزلها مع أسرتها، فيأتي برفقة شقيقه الجنرال بونابرت (الشاب الكوريسيكي الفقير) تقع ديزيريه في حب الأخير بينما يتزوج جوزيف من شقيقتها جولي.. أما ديزيريه فيتقدم نابليون لخطبتها من أخيها اتيين، ولكن سرعان ما يتخلى عنها بعد قصة حب قصيرة الأمد، عندما يتعرف إلى (جوزفين) التي أطاحت المقصلة برأس زوجها الأول فيكونت دي بوارنيه.
يتزوج نابليون من جوزفين لإنها كانت على علاقة وطيدة مع باول بارا الحاكم الأول في فرنسا، كانت جوزفين المحطة الأولى التي يستطيع نابليون من خلالها الوصول إلى تحقيق طموحاته العسكرية، وبفضل ارتباطه بجوزفين استطاع أن يعرض خططه العسكرية لاحتلال إيطاليا على حاكم فرنسا الأول وتم له ما أراد..
(الحرية، الإخاء، المساواة) شعارات الثورة الفرنسية الذي أريقت بسببها دماء كثيرة، في ذلك الزمان وفي كل الأزمنة، كم استخدمت مثل هذه الشعارات ذريعة للخوض في الحروب وللسيطرة على البلدان واحتلالها ونهب خيراتها.. دخل نابليون إيطاليا بحجة نشر مبادئ الثورة الفرنسية، وبعد أن أتم سيطرته عليها قرر أن يغزو مصر (دعانا إلى حفلة وداع قبل إبحاره إلى مصر، كان يقول لأمه إنه سيتخذ من الأهرامات قاعدة يوحد بها بين الشرق والغرب، وإنه يحيل الجمهورية إلى إمبراطورية شاسعة)، وفي تلك الفترة تتزوج ديزيريه من القائد الفرنسي جان بابتيست برنادوت الذي كان أمير بونتيكورفو في جنوب إيطاليا والذي سيصبح في ما بعد كارل يوهان الرابع عشر (ملك السويد)، وبحكم العلاقة العائلية التي جمعت ديزريه بأسرة بونابرت، ترصد الرواية كل المشاكل الأسرية والسياسية التي دارت داخل القصر الإمبراطوري، بعد أن أنقلب نابليون على دستور الثورة ونصب نفسه إمبراطوراً على فرنسا، كانت ديزريه كما قالت لها المنجمة، إنها سترافق نابليون في جميع محطات حياته وصولاً إلى المحطة الأخيرة.

ملوك بلا ممالك

بعد أن أصبح نابليون إمبراطور فرنسا، الإمبراطور الوحيد في العالم الذي أخذ التاج من يد البابا ووضعه فوق رأسه، فكان الملك الذي توج نفسه بنفسه لكن هل دام المُلك له؟ وبعد أن استطاع السيطرة على دول كثيرة مثل إيطاليا وإسبانيا وهولندا وغيرها قام بتوزيع عروش هذه الدول على أخوته مثل جوزيف وزوجته جولي، اللذين أصبحا ملك وملكة إسبانيا، لكن سرعان ما تم طردهما من الإسبانيين واحتفظا باللقب وهما يعيشان في فرنسا وكذلك باقي أخوته..

بين أطماع نابليون وقلب جوزفين

تسرد لنا ديزريه في يومياتها ذلك الحدث المؤلم عندما طلّق نابليون جوزفين، فقد جمع نابليون في ذلك اليوم كل أفراد أسرته، وكل قادة الدولة وقرأ عليهم خطاباً تضمن عزمه على تطليق الإمبراطورة جوزفين مع احتفاظها بلقبها لأجل الزواج من ابنة امبراطور النمسا، هكذا هو نابليون دائماً مصالحه السياسية أهم من قلوب من حوله، كانت هذه الواقعة شديدة الألم على جوزفين، التي تدهورت صحتها بعد طلاقها، وأرسلت في طلب ديزريه (أرجو أن لا تهجريه ياديزريه،
– من يا صاحبة الجلالة؟
– نابليون
– نابليون!
– نعم عندما يفقد سلطانه، من ذا الذي لا يفقد سلطانه؟ إن كل الذين عرفتهم فقدوا سلطانهم).
وتتحقق نبوءة جوزفين فيفشل نابليون في احتلال روسيا، ويخسر خسائر فادحة في تلك المعركة، وهنا تتشجع الدول الأوروبية وتقيم حلفا جديدا لمواجهة نابليون، تحت قيادة بلوخر البروسي وولنغتون الإنكليزي، وواجهت نابليون ودعيت بمعركة الأمم سنة 1813 وذلك لاشتراك دول كثيرة، وأمم كثيرة في هذه المعركة، وهكذا سقطت إمبراطوريته وواصلت الجيوش الأجنبية زحفها إلى داخل الأراضي الفرنسية، وفي تلك الفترة تم انتخاب جان برنادوت وريثا للعرش السويدي، لأن العائلة المالكة السويدية القديمة كانت على وشك الاختفاء.
وتتصاعد الأحداث، ويحاول نابليون إعادة مجده بعد أن تم نفيه إلى جزيرة ألبا، ويتم تتويج الملك لويس الثامن عشر ابن اخ الملك لويس السادس عشر وتصبح فرنسا ملكية دستورية، وهنا يعود نابليون إلى سدة الحكم على رأس جيش من المخلصين له، بعد أن يستغل الخلاف الذي دبَ بين أعضاء مؤتمر فيينا، وتسمى هذه الفترة فترة الـ 100 يوم فقد استطاع نابليون أن يحكم فرنسا لمدة 100 يوم فقط، لكن الحلفاء نسوا جميع نقاط خلافهم وقاموا بتجهيز جيش لقتال نابليون في معركة واترلو سنة 1815.. وهنا يكون لديزريه دور محوري في حياة نابليون، فهي الوحيدة التي استطاعت أن تقنع نابليون بالتنازل عن السلطة وتسليم نفسه حقناً للدماء، وصوناً لباريس من السلب والنهب، ويتم التنازل وينفى نابليون إلى جزيرة سانت هيلانة وهي جزيرة بعيدة في المحيط الأطلسي تحت الحراسة المشددة. وبعد التنازل تهتف الجموع لديزيريه امتناناً لها لإنقاذها باريس من الدمار الماحق والخراب الأكيد: «تحيا سيدة السلام» فيتم تلقيبها بهذا اللقب. ويتوفى نابليون في سانت هيلانة سنة 1821 وبعد الاطلاع على مذكراته يذكر إنه كتب فيها أن ديزريه كانت حبه الأول. وهكذا بعد سنوات يتوفى ملك السويد كارل الثالث عشر فيتم تتويج ولي العهد جان برنادوت باسم كارل يوهان الرابع عشر ملكاً للسويد وتتويج زوجته ديزريه ملكة السويد باسم ديزيريا..
محطات عديدة عاشتها ديزريه من ابنة تاجر الأقمشة إلى خطيبة الجنرال الكوريسيكي الفقير نابليون بونابرت إلى زوجة المارشال جان باستيت برنادوت وصولاً الى تتويجها كملكة للسويد في عام 1829.
كانت رواية «ديزريه» هي آخر روايات الكاتبة النمساوية إنيماري سلينكو ترجمت إلى 25 لغة في العالم، وفي عام 1954 تم تحويل الرواية إلى فيلم هوليوودي باسم «ديزيريه» من بطولة مارلون براندو وجين سيمونز.

كاتبة عراقية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com