مقالات

هل كان ماركس ( ديمقراطياً ).

بيدر ميديا ..

عبد الحسين شعبان

سؤال ليس من السهولة الإجابة عنه بنعم، أو لا. وقد يحتوي التناقض استناداً إلى زاوية الرؤية والدلالة في المعنى والمفهوم، علماً بأن ماركس لم يخصص ما يكفي من كتاباته للحديث عن الديمقراطية، لأنها باختصار لم تكن مطروحة في عهده بالشكل الذي نراه في القرن العشرين، وبشكل أكثر في القرن الحادي والعشرين. فقد بدأ الحديث عن الديمقراطية بنبرة عالية خلال فترة «الحرب الباردة»، و«الصراع الأيديولوجي» بين المعسكرين الشرقي والغربي، خصوصاً حين تحوّل العالم إلى نظام أحادي القطبية بعد أن كان ثنائي القطبية.

فما هو مفهوم ماركس للديمقراطية، خصوصاً علاقته بالدولة، والذي تعرّض إلى نقد شديد من خصومه وتشويه كبير من مؤيديه، علماً بأنه لم يستكمل مشروعه عن الدولة بحكم عمره البيولوجي، فالخصوم اعتبروه مشروعاً هدّاماً بالتسلط من طبقة على أخرى بالدكتاتورية البروليتارية، وهو ما عكسه الواقع في تطبيقات (براكسيس) مشوهة للفكرة ذاتها من خلال عقود من التجربة الاشتراكية على المستوى الكوني، وكانت روزا لوكسمبورج حذّرت منه في وقت مبكر، معتبرة أن الثورة ليست «حمّام دم»، فالدكتاتورية ستعني التسليم لحفنة من الحزبيين، وهذا يعني التنكر للديمقراطية كما تفهمها، أما مؤيدوه فاعتبروا ما قاله ماركس عن الدكتاتورية البروليتارية معادلة قطعية لا تقبل النقاش، أو المراجعة، وإنما هي تعليمات سرمدية أقرب إلى التعاويذ التي تصلح لجميع المجتمعات، ولجميع الأزمان، واستمر البعض يلوك تلك الأفكار حتى إن لم يكن لها علاقة بالواقع.

في هذا المجال، لفت انتباهي كتاب مهم يحمل وجهة نظر رصينة، اختلفنا أم اتفقنا معها بعنوان «كارل ماركس والديمقراطية»، لمؤلفه مازن الحسيني، وهو أحد القياديين الشيوعيين الفلسطينيين البارزين، وقد سبق له أن عمل في العديد من المنظمات المهنية اليسارية العالمية مثل اتحاد الطلاب العالمي، ومجلس السلم العالمي واتحاد الصحفيين العالمي، ويعتبر الحسيني ماركس مفترى عليه، فقد كان «ديمقراطياً» مؤمناً بالاشتراكية التي هي الديمقراطية الحقيقية، أي أن ديمقراطيته هي غير الديمقراطية الليبرالية المعروفة، حتى إن آمن بالأخيرة، إلاّ أنها لمرحلة معينة، ومن خلالها يمكن العبور نحو الاشتراكية وقيادة البروليتاريا، لأن الديمقراطية الحقيقية كما يفهمها ماركس، أي «سيادة الشعب»، غير ممكنة مع استمرار نظام عدم المساواة الاجتماعية وفي ظل التفاوت الطبقي. وبغض النظر عن الرغبة في تحقيق العدل الشامل والانعتاق الإنساني الكامل، فليس ذلك سوى مثالية أقرب إلى اليوتوبيا الفلسفية منها إلى الواقعية العملية غير المتحققة وغير المنظورة، أو الملموسة.

ومع ذلك تعامل ماركس مع عصره بنوع من الواقعية البرجماتية، فقد ظلّ يحمل همّ ما يسمّى ب«الاختراق الديمقراطي» على خلاف هيجل الذي كان يزدري الفكرة الديمقراطية ويعارض مشاركة «جميع الناس» في الشؤون العامة للدولة، ويعتبر ذلك إقحاماً، وكان رد ماركس أن شؤون الدولة تهم الجميع ومن اختصاصهم، ولذلك يتعيّن عليهم مناقشتها وتقريرها، وفي البيان الشيوعي «المانيفاستو» أكّد على الصلة الوثيقة بين المجتمع الاشتراكي والنظام الديمقراطي، وكمدخل لذلك لابدّ من كسب مرحلة الديمقراطية، بتوسيع الرقابة الديمقراطية من أسفل.

وقد اقتفى لينين نظرياً إثر ماركس بقوله: إن من يتصوّر الانتقال إلى الاشتراكية بطريق آخر غير الديمقراطية سيتوصل إلى استنتاجات خرقاء، سواء بمعناها السياسي أو الاقتصادي، ولكن جميع التجارب الاشتراكية المطبقّة عجزت عن تجسيد هذه الرؤية، بما فيها بعد ثورة أكتوبر الروسية، ودائماً ما كانت الوسيلة تفترق عن الغاية، بل وتتعاكس معها في الكثير من الأحيان، وإذا كانت الغاية بعيدة المدى وغير منظورة، فإن الوسيلة راهنية وملموسة، الأمر الذي خلق تناقضاً صارخاً بين الوسائل والغايات، إذْ لا يمكن لوسائل غير عادلة وغير شريفة الوصول إلى غايات نبيلة وإنسانية، ولعلّ ذلك إحدى معضلات الفكر الإنساني ومفارقاته التي تشمل جميع النظريات الشمولية التي تعكّزت على القومية، أو العرق، أو الدين، أو الطائفة، لكنها قادت إلى نتائج مختلفة بالضد ممّا ادّعت.

كان ماركس واضحاً بقوله إن حرّية الصحافة وحرّية التنظيم والحرّيات البرجوازية هي مثل الهواء الذي يحتاجه حزب العمال كي يتنفّس، وهذا يتطلب دستوراً ديمقراطياً تمهيداً للحكم السياسي للبروليتاريا، ولم يخفِ ماركس وإنجلز أن إيمانهما بالديمقراطية مرهون بمرحليتها لتحقيق الاشتراكية عبر ديكتاتورية البروليتاريا، لأن الديمقراطية السياسية، حسب إنجلس، لا تستطيع معالجة الشرور الاجتماعية، أما المساواة فهي مجرد وهم وخرافة.

drhussainshaban21@gmail.com

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com