تحقيقات

حوار أجراه سامي البغدادي معي … 

بيدر ..

حوار أجراه سامي البغدادي معي …
سجين الشعبة الخامسة في جردة حساب مع الحزب الشيوعي العراقي

محمد السعدي : الشيوعيون في وضع ميئوس منه وعزيز محمد أسوأ شيوعي عرفه الحزب !.

استقبلنا الجنرال شوارزكوف في مالمو بعصير الطماطم احتجاجاً على الحرب !.

حاوره : سامي البغدادي

كان على مظهره شابا وديعا عندما بدأ محمد السعدي يصغي بأذنيه . يصغي بعينيه لما يدار من أحاديث في داخل أسرته عن البؤس والكدح والظلم السياسي والاجتماعي والجياع الحالمين بحياة من الكرامة . كانت أسرته قدمت واحدا من أبنائها على مذبح النضال في عهد الرئيس عبد السلام محمد عارف .

انضم محمد السعدي إلى الحزب الشيوعي وهو ما يزال طالباً في بدايات حياته الجامعية مطلع الثمانينات . ثم ترك الجامعة ولجأ إلى جبال كردستان هربا من تقارير المخبر والاعتقال ، لكنه اعتقل بالفعل في الطريق إلى كركوك وسُجن في مديرية الاستخبارات في الشعبة الخامسة الشهيرة وخرج منها وغادر العراق ليواصل شيوعيته ثابتا على أفكاره وقناعاته ، وتجول في بلدان وطاف عواصم حتى استقر به المقام في مدينة مالمو السويدية منذ ثلاثين عاماً .

في هذا الحوار يفتح محمد السعدي الدفاتر القديمة ويقلب أوراقه وينبش في جراح الماضي ويوقظها ويدس فيها كثيرا من الملح ، ويجيب عن الأسئلة الشائكة ، ويتكلم بصوت عال بعيداً عن الدبلوماسية والمداراة على حساب الحق والحقيقة . على إننا لا نتفق ولا نختلف مع آرائه ولا نتبناها ، ويبقى حق الرد مكفول .

في البدء كان سؤالنا الأول :

* لماذا أصبحت شيوعيا ولم تصبح قوميا أو إسلاميا مثلا ؟!.

-البيئة هي التي حددت مساراتي . في كل الأحوال لم تكن بمحض إرادتي واختياري لكن لو خيروني اليوم بعد هذه التجارب المريرة والمعرفة الطويلة فلن أختار غير الفكر الماركسي لنظامه السياسي والاقتصادي الإنساني .

لقد ولدت في عائلة فقيرة وكانت والدتي مفجوعة باستشهاد أخيها الضابط الشيوعي خزعل السعدي عام 1963 .. وظل وشاح أمي الأسود معلقا على مشجب طفولتي .. كنت أرافقها وأنا طفل إلى مآتم الموتى في ( قرية الهويدر ) .. ويشدني المشهد متألما إلى أمي وكيف كانت تنحب وتلطم وتجهش في البكاء . إنها أخت الشيوعي الذي قتله نظام عبد السلام عارف .. من هنا بدأت تتشكل البدايات والبحث والثأر وغرس روح الانتقام في داخلي من القتلة .

* هربت من بغداد إلى جبال كردستان .. هل كنت ناقما أم ثائرا ؟.

– كنت ثائرا ومناضلا وحامل مشروع وطني مؤمنا بتحقيقه عبر الكفاح المسلح والنضال السلمي على حد سواء .

* لو أتيح لك أن تطلق النار على تواريخ معينة في حياتك .. فعلى أي تاريخ ستطلق النار ؟!.

– أطلق النار مرتين . ستكون الرصاصة الأولى على يوم تركت العراق متسلقا قمم الجبال في كردستان وكان التاريخ 13 آب 1983 فقد تركت أهلاً ورفاقاً وأحبة ومتعاطفين معنا بدون بوصلة ترشدهم عني أو من يطمئنهم عن سلامتي . أمّا الرصاصة الثانية فإنها ستكون بلا تردد على يوم ألقي عليّ القبض في الطريق بين قادر كرم وكركوك وتسليمي إلى مديرية الاستخبارات العسكرية في السابع من حزيران 1987 فقد كان يوماً أسود لا يُنسى .

* هل كنت من المضللين بما نشأت عليه من أفكار ؟!.

– شعرت مرات عديدة بالمرارة ومازالت تنتابني بقوة . أما الفكر فلا خلاف عليه .. الخلاف حول المؤسسة التي تبنّت هذا الفكر , وكيف انحرف عن أهدافه المعلنة … وجدت خلال تجربتي في العمل السياسي أنها كذبة .. لأنه بدون هدف ولا مشروع .. في كل منعطف تاريخي تقدم القاعدة الحزبية رقابها إلى الجلادين مجانا, والقيادة بارعة في التعليل والتبرير … أستثني أحداث 1963 .. كان للحزب موقف مشرّف قيادة وقاعدة في الدفاع عن مكاسب شعبنا .. لكن بعدها أستلم عزيز محمد القيادة وقاده إلى المهالك والمسالخ .. وتمكن لمدة ثلاثين عاما من المكر والخديعة مع رفاقه وأعدائه , وذهب وجلس متفرجا على الخراب الذي سببه في جسد الحزب وفلت من العاقبة والمحاسبة واحتمى بالاحتلال .

* تجربتك في الحزب الشيوعي كيف تراها ؟ ومن الشيوعي الأقرب إلى نفسك ؟!.

– تجربة غنية بمعانيها ودلالاتها التاريخية علمتني الكثير . أكون صريحا وأقول إن أمي رحمها الله هي التي زرعت بذرة الشيوعية في نفسي من خلال أحاديثها عن أخيها الشهيد خزعل السعدي قائد مقاومة مدينة الكاظمية ضد البعثيين والحرس القومي عام 1963 .. والشيوعي الأقرب إلى نفسي شخص توفي في نهاية السبعينات من تنظيم القيادة المركزية اسمه عبد الرحمن إسماعيل علاوي من أهالي بهرز , ترك أثراً عميقاً في نفسي عندما كنت أسمع أحاديثه عن ما يتلقاه من تعذيب قي قصر النهاية .. والمرحوم والدي قضى عاما كاملا في قصر النهاية بتهمة الشيوعية لتعاطفه الواضح مع عبد الرحمن إسماعيل في عدائه للبعثيين . حتى اليوم لم تفارق خيالي تلك اللقطة المرعبة وأنا طفل عندما اقتحمت عناصر الأمن بيتنا عبر الحيطان وتسلقوا السطح ليدوسوا على رؤوسنا بأحذيتهم ونحن نيام وأخذوا والدي وعبد الرحمن بلمحة بصر .. وبقينا ليلتها إلى الصباح نواسي أمي في محنتها .

* هل الشيوعيون العراقيون الآن في غيبوبة عن ما يجري في بلدهم ؟!.

– أبدا .. هم ليسوا في غيبوبة , بل يدركون خطورة موقفهم من المحتل والطائفية ونتائجه المستقبلية على تاريخ الشيوعيين العراقيين ونضالهم وشهدائهم , لكنهم في وضع ميئوس منه . على أقل تقدير فإن وضعهم الداخلي ( التنظيمي ) مرتبك ومتصدع ، وفي المقابل لم تكن لديهم الجرأة على تقييم أحداث الماضي . تجدهم في كل مؤتمر يطلقون وعوداً بجملة من الخطوات لكنها مجرد بالونات محلقة سريعا ما تنفجر . اليوم العالم كله أنقلب على المعايير الجاهزة إلا نحن !.

* لو أتيح لك أن تنتخب قيادة مركزية جديدة للحزب الشيوعي العراقي فمن تنتخب من رفاقك ؟.

– بحكم تجربتي المتواضعة فإنهم كثيرون . هناك رفاق استشهدوا مثل سامي حركات ، خليل المعاضيدي ، عمر أحمد إسماعيل ، علي الجبوري . ومنهم من أمدّ الله في عمره سواء اتفقوا أو اختلفوا مع سياسة الحزب .. أشتي شيخ عطا من كفري لسبب بسيط ، لأنه مناضل وسياسي .

* من هي القيادات التي ترى أنها أساءت إلى تاريخ الشيوعيين العراقيين ؟.

– سؤال يحتاج إلى جرأة . ومن الواجب أن نسمي الأمور بمسمياتها .. وربما هناك من الأدعياء والانتهازيين من سيرجمني وأنا حي إذا اختلفت معهم .. أروي لك حادثة . في العام 1984 في كوردستان ( منطقة كرجال ) وعندما أراد بهاء الدين نوري سكرتير الحزب عام 1951 في نشر وثيقة التقيم لسياسة الحزب من عام 1963 إلى 1978 وفكر في توزيعها علينا , أبلغونا في التنظيم علنا إن بهاء عميل للمخابرات العراقية وذلك لتسقيطه سياسيا وحتى اجتماعيا ..

الذين أساءوا إلى تاريخ الشيوعيين في العراق كثيرون . لكن أكثرهم قبحا كان عزيز محمد ( القومي الشوفيني ) , المختفي دوما في الأزمات .

* هل يخامرك شعور أن تعيد ورفاقك القدامى تنظيم حزب شيوعي لا يشبه ما يتكلم باسمكم هذه الأيام ؟.

– نعم راودني هذا الشعور وباندفاع كبير , لكن الذي منع اندفاعنا المناضل باقر إبراهيم القيادي السابق والشخصية الثانية بعد عزيز محمد . فقد همّش وتم التشهير به لمواقفه الوطنية من العراق والحزب , وبقي نظيف اليدين والموقف .. وحاليا أجد موقفه كان صحيحا بعدم نجاح تنظيم شيوعي في المهجر.

* وهل أنت نادم على شيوعيتك ؟.

– لم أندم لحظة واحدة على شيوعيتي , بل أعتز بها وأفخر . حدثني صديق ورفيق لي في مدينة مالمو السويدية . قال لي ان ( الجماعة في الداخل ) غاضبين عليك وينعتوك بشتى التهم . قلت له : هذا فخر لي ، لكن ممكن أن أعرف أسباب غضبهم عليّ ؟ .. أجاب : إنهم يقولون : أنت قبل سنوات مضت نظمت أمسية لباقر أبراهيم حول تاريخ الحزب ، كذلك رتبت برنامجا تلفزيونيا حول جريمة بشتاشان على شاشة قناة البغدادية .. وأنني أصدرت كتاب ( سجين الشعبة الخامسة سيرة ذاتية ) فضحت من خلاله مواقفهم . يا للمفارقة !.. كنت أظن غضبهم عليّ بسبب خيانة وطنية ، أو تسليم رفاق إلى أجهزة البعث ، أو الترويج للطائفية والاحتلال ، أو سرقة أموال الحزب ، أو حالات جبن في مسيرتي النضالية !.

* تركت كل شيء خلف ظهرك وذهبت إلى جبال كردستان حالما بالعودة إلى وطن جميل .. اعتقلت وفصلت وتشردت .. هل ينصفك التاريخ ؟!.

– بالتأكيد .. أتلقى العديد من الرسائل من رفاق قدامى وشهود ذوي تجربة يثنون على مواقفي وتجربتي , بينما أهاجم من الجبناء والانتهازيين الذين تخلوا عن أداء الواجب عندما كان الحزب يحتاج إلى رجال . . عندما تركت أهلي ومقاعدي الدراسية حالماً أن أعود ظافرا منتصرا من الجبال إلى مدينتي حاملا لواء الاشتراكية . لكني بعد سنوات تيقنت عدم جدية تجربة الكفاح المسلح إنما أمتصاص لنقمة القاعدة الحزبية .. وهناك من نجح في ركوب موجها .

 

* أيام الشعبة الخامسة *

* حدثني عن موقف لا يغادر ذاكرتك من أيام السجن في الشعبة الخامسة .

– ذات يوم بعد منتصف الليل كنت أستلقي على الأرض مستغرقاً في حسابات حقل البيدر ، ولم يكن من حقنا أن ننام في هذا المكان الموحش إلا بعد الثانية عشر ليلا والنهوض السادسة صباحا . إنه نظام عسكري صارم . ليلتها كنت منهكا من التعذيب فلم أستطع نوماً ، وكانت أسمع مآذن الكاظمية ترتل عند مطلع الفجر .. في تلك الساعات الكئيبة العصيبة سمعت عند باب زنزانتي ذات الرقم ( 3 ) قرقعات سلاح وبقايا شهقات صوت مفجوع . فتح الحرّاس الباب بعنف وألقوا عليّ جثة تشخب الدماء من أوصالها وتنزف أنفاسها الأخيرة . كل ما استطعت أن أعرفه من هذيان صاحبها قبل موته أنه من مدينة الحلة ، ثم بقيت الجثة معي حتى الصبح .

* كم أمضيت في الشعبة الخامسة ؟.

– أمضيت تسعين يوماً . كنت أتمنى الموت كل يوم وأقدمت عليه للخلاص من ذلك العذاب والتعذيب ، لكنني لم أخن مبادئي ورفاقي وتاريخي . في هذا المكان الجحيمي كان هناك رفاق إرادتهم صلبة قوية .

* قل لي بصراحة : من يعاني أكثر .. محمد السعدي السجين السياسي خلف أسوار الشعبة الخامسة .. أم محمد السعدي السياسي البعيد عن بلده منذ ثلاثين سنة ؟.

– وضعي ومصيري في الشعبة الخامسة كان مدمرا وبائسا .. كنت أنتظر الموت في كل لحظة .. لكن كان أملنا كبيرا للإطاحة بالنظام ، وستكون حصتنا كبيرة من الوضع الجديد لجذورنا وتاريخنا وشهدائنا .. فنحن حزب عريق وقديم ونظيف , لكن سياسيي اليوم أفسدوا هذا السجل التاريخي , والدليل النتائج على أرض الواقع . أما في بعدي عن بلدي ثلاثين عاما لا يمكن مقارنتها بوضعي السابق , لكن للأسف بدون بارقة أمل وحتى على المدى البعيد في عراقنا .

* استحقاقات نضالية *

* في أي اتجاه تقف الآن ؟.

– أقف في اتجاه الدفاع عن الإنسان وحقوقه ، وتحقيق العدالة ، وبناء مجتمع إنساني مدني يقر بحقوق الآخرين ويدافع عنها لأنها حقوقه , ولأبناء شعبنا العراقي أسوة بشعوب العالم الأمن والأمان . واتجاهي مع العراق والعراقيين في نيل حريتهم ومستقبل أمن وزاهر .

* في سياق كلامك نبرة اتهامية تفضح بها الواقع . هل ما تزال لديك إرادة التغيير وكيف .. هل أنت بين أنياب العاصفة ؟.

– وهل الواقع اليوم يحتاج إلى فضيحة .. اليوم أبسط متابع لما يجري في العراق يعرف كيف يقاد العراق وأهله إلى التدمير والجهل والتخلف . فأنا قضيت ثلاثين عاما في الغربة وتعرضت ما تعرض إليه غيري من التهميش والتشهير لمواقفنا السياسية المبكرة ضد التيار الطافح بالاستسلام للغزو والاحتلال والطائفية , وما زلت مناضلا من أجل التغيير وتنوير الناس حول الذي يجري من إذلال وإقصاء . لو راقبنا اليوم حركة الناس على أرض الواقع لشعرنا بالفارق الكبير عن الماضي في الموقف والمطالبة بالحقوق . أذن هناك قفزة في وعي الناس ومن هنا يأتي إيماننا بالتغيير .

* وهل تعتقد إننا ما زلنا نحتاج الفكر اليساري ؟.

– نعم وسنبقى في حاجة إلى الفكر اليساري ما دام هناك معترك حياتي ونضالي وإنساني .. أمامنا أوربا أفضل مثال ، فعندما يتحالف اليسار ويشكل حكومة فإنه يأتي بجملة من الإصلاحات تهدف إلى مصلحة الناس . لكن ما يجري اليوم في منطقتنا العربية مما يطلق عليه ( الربيع العربي ) لا يتعدى أن يكون استعماراً جديداً بأدوات داخلية ومع الأسف أن تكون ذات صبغة إسلامية من أهدافها الإجهاز على مال تبقّى في الشرق من يسار .

* هل أنت متصالح مع نفسك ؟.

– في كل الأحوال أنا راض عن ما قدمته لأبناء شعبي دون مقابل . بودي أن ألفت الانتباه للتعبير عن موقفي الوطني والمتصالح مع نفسي .هناك ( استحقاقات نضالية ) لمن خاضوا تجربة الكفاح المسلح .. راتب تقاعدي شهري من وزارة البشمركة عبر استقطاعات النفط من قاطني المنطقة الخضراء 17 بالمائة من الميزانية … لم أقدم على تقديم طلب على ذلك التقاعد … رغم قناعتي الكاملة أنه استحقاق نضالي وتاريخي لكن ليس من حكومة ومحتل ساهموا في تدمير العراق .

* أنا وشوارزكوف *

* هل انتهى الفكر الماركسي اللينيني وأصبح في ذمة التاريخ ؟!.

– لا طبعا .. لكن في عالمنا العربي وتحديدا في العراق أسيئ لهذا الفكر عندما ذهب الحزب الشيوعي ( الرسمي ) مع المحتل عام 2003 .. وفتح مقراته تحت حرابه ودباباته , وساهم وأشترك في أول عملية سياسية من قبل الحاكم الأمريكي بول بريمر , معللا ذلك بدموية النظام السابق, وبهذه المشاركة نسفوا بناء وتاريخ قائم في معاداة الامبريالية .. لكن هناك أيضا في الداخل وفي الشتات تكتلات وتجمعات وشخصيات وطنية وشيوعية عارضت المحتل وقاومته بكل الأساليب والوسائل , وأول ما استهدفهم هم رفاق الأمس بتهم رخيصة للنيل من عزيمتهم في مواجهة ومقاومة المحتل وأدواته وخوفا من فضح سياساته وخطابه المهزوم .

أنا منذ 22 عاما أقيم في مملكة السويد , وبحكم اطلاعي ومعرفتي للنظرية الماركسية اللينينية وبنائها الاقتصادي والاجتماعي . فان السويد كبلد نموذجي أخذت كثيرا من هذه النظرية في الضمانات الاجتماعية والاقتصادية وحقوق المواطنة .

* ما هويتك ؟ ما ملامحك ؟ ما مواصفاتك ؟.

– بحكم التجربة التي مررت بها .. من طالب جامعي يعتزون به أهله وينتظرون تخرجه في لهفة ليكن معينا لهم وفي حمل جزء من حملهم الثقيل إلى ظروف النضال القاسية والمواجهة الدامية .

لم يعد هناك أمر يخفيني أو أساوم على موقف دفعت حياتي قربانا له .. فقدت ثلاثة أخوة طيلة عمر الاحتلال . باسم السعدي اغتيل لمواقفه السياسية السابقة . فلاح السعدي نحر طائفيا وهو لا يجيد القراءة لا شيعيا ولا سنيا .. قيس السعدي مات كمدا بعد قتلهم .. وهو كان عليلا ومريضا ومرعوبا بعد سبعة سنوات قضاها في الأمن العامة على ضوء أحداث الدجيل لأن البستان الذي جاءت منه محاولة اغتيال الرئيس الاسبق كان بضمانته .. ألا يكفي كل هذا لتأسيس هوية ؟!.

* إلى أي جيل تنتمي ؟.

– إلى جيل التغيير والنضال والتواصل والتقدم .. أنتمي إلى جيل يبحث عن البناء والاستقلال . همي اليوم أن يحل السلام والأمن في وطني , وهذا ليس سهلا لكثرة الفاسدين والانتهازيين وفي يدهم القوة والمال , لكن التجارب التاريخية لا يمكن الاستهانة بها .. ديغول دافع عن فرنسا في الحرب ويعرف مسبقا انه سوف يخسرها .. لكن حاليا صار رمزأ للفرنسيين

* سألت عنك بعض زملائك فقالوا لي انك تشبه الآخرين وانك نسخة كاربون من أفكار لم تأت بجديد .. هل من الصحيح أن صوتك تكرار لصوت الآخرين ؟.

– أبداً لم أكن نسخة من الآخرين أختلف تماما في تطلعاتي وآرائي ومواقفي . عندما انتهت حرب الخليج الثانية ودمر العراق .. طاف الجنرال الاميركي شوارزكوف في عواصم أوربية مبتهجا بما حققه .. وعندما أقدم إلى السويد ووصل مدينة مالمو عام 1991 عبر باخرة من الدانمارك … كنت ضمن عدد الأصابع في استقباله بالطماطم .. واستدعيت للتحقيق في المخابرات السويدية ( سيبو ) . وكان جوابي لهم ان هذا قاتل ابناء وطني وأهلي باسلحة محرمة دوليا .. وانتم بلد محايد للحرب وضد الحرب أصلا فكيف تستقبلون مجرم وقاتل .. كننت حينها لم أحصل على الجنسية السويدية وربما أحرم منها … فكيف أشبه الآخرين ؟!.

 

* مالمو والهويدر*

* من مدينة إلى مدينة . من منفى إلى منفى . هل تبحث عن بديل لبغداد ؟!.

– وهل هناك بديل عن بغداد في الدنيا ؟!.. إنها أجمل مدن العالم .. جميع المدن التي مررت فيها وعشت بين ناسها وتطبعت على تقاليدها , لم تعوضني عن بغداد وشوارعها ومكتباتها ومسارحها حتى المهدمة منها ، والتي تحولت إلى أنقاض وخرائب . ابتعدت عنها قسراً ثلاثين عاما وما زلت أبحث عنها بين طرقات وثلوج أوربا لعلني أجد دفئها ورونقها وتاريخها الحافل , الذي سرق مني غصباً وسأبقى أبحث عن بغداد ما حييت رغم قناعتي إنني لن أجد بديلا عن أرملة المنصور .

* قرية الهويدر في محافظة ديالى كانت موطنك الأول تعيش في قلبك وذاكرتك دوما . هل يمكن أن تغترب ثلاثين سنة وتهجر موطنك الأول ؟.. متى تعود إلى أمك الأولى ؟!.

– نعم أنها تعيش في قلبي وذاكرتي .. أنا أجبرت على أن أترك قريتي لظرفي السياسي الصعب , يوميا يشدني الحنين لها والى مرابع وملاعب طفولتي والى مقاهيها وشوارعها الضيفة ومقهى دردي .. أنا لم أهجرها ترفاً إنما غصباً ، وسأبقى أعشقها وهناك أمل كبير أن أعود لها يوما , حتى لو كنت ميتا.

* كم هي المسافة التي في قلبك بين مالمو السويدية وديالى العراقية ؟.

– أنا أعيش كل يوم في بغداد وديالى من خلال الذكريات والتواصل والسؤال الدائم … لم أشعر يوما أني بعيد عنها فهي في عقلي ووجداني … ربما تقول إنني أبالغ لو قلت لك هي أجمل من كل جميلة .. زرت العديد من عواصم العالم ولم أعثر على بغداد .

 

* لم أخن شيوعيتي *

* بماذا أحسست وأنت تشاهد سرفات الدبابات الأميركية على ضفاف دجلة في التاسع من نيسان 2003 ؟

– يوم لا ينسى في حياتي بكيت في حينها وحزنت , وما زلت حزينا . شعرت وهذا ما حدث فعلا إنهم سرقوا طفولتي وتاريخي ونضالي .. في يومها أتصل بي صديق يهنئني فرددت عليه بعنف . قلت له : تهنئني على احتلال بلدي وتدميره , وكلما التقيته ذكرني بهذه المكالمة , وأثنى على ذلك الموقف . وفي تقديري من كان يعادي الدكتاتورية ونظامها السياسي المقيت لا يمكن عزله عن الوضع الحالي في معارضته لأنه استمرار للنظام السياسي السابق وأن اختلفت التسميات والصورة والشخصيات والملبس لكن النهج بقي معاديا للمواطن العراقي وسلب أرادته وتطلعاته إلى غد أفضل ووطن أمن .

* قل لنا جملة واحدة خرجت بها من تجربتك السياسية الطويلة ؟.

– تجربة أعطتني أكثر مما أخذت مني على أصعدة المعرفة والدراية والعمل … بعيدا عن شعارات زائفة ومضللة … خدعونا بها في الماضي . لكن بالمقابل فقدت أمي وأبي وأخوتي وأحبة آخرين بدون نظرة وداع .. يكفيني إنني لم أخن شيوعيتي .

محمد السعدي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com