مقالات

هل صلاة الصدر الموحدة عبادة خالصة فعلا؟

بيدر ميديا.."

هل صلاة الصدر الموحدة عبادة خالصة فعلا؟

 هيفاء زنكنة

 

اذا كان التساؤل الشكسبيري « أن تكون أو لا تكون هو السؤال» قد أصبح جزءا من الثقافة الشعبية البريطانية، فإن الشعارات والمفردات «الصدرية» التي يطلقها (سماحة السيد) مقتدى الصدر، منذ بروزه على سطح الحياة العراقية بعد غزو وإحتلال البلد عام 2003، باتت جزءا من الثقافة الشعبية العراقية بجانبيها المبكي والمُضحك. فهو القائد الذي منح مفردة ( حبيبي) نكهة التداول اليومي، وأدخل شعار « شلع قلع» قاموس السياسة، وأصبحت « مليونية» التظاهرات مرتبطة به، وتغيير اسم الميليشيا/ الكتلة/ التيار يتم حسب مزاجه وحاجة السوق السياسي ـ الطائفي.
من هذا المنطلق، قال الصدر، يوم الجمعة، إن العراق يعيش «ملحمة عبادية وطنية مليونية إصلاحية». وهو توصيف بحاجة إلى توضيح. بداية، علينا الاعتراف بأن للصدر مخيلة وقدرة على إطلاق تعابير غير مألوفة سياسيا واقتصاديا ودينيا، في مخاطبته الحشود من أتباعه. ثانيا، أن هناك من يترجم ويُنظم ما يريده بشكل تفوق على قدرة الحزب الشيوعي التنظيمية التقليدية. وقد تبدت هذه القدرة، يوم الجمعة، عند إقامة ما أطلق عليه مقتدى اسم «صلاة الجمعة الموحدة» إحتفاء بذكرى إقامة والده الراحل صلاة الجمعة في مسجد الكوفة أثناء حكم صدام حسين. أمر مقتدى بجمع أتباعه لأداء الصلاة، في المدينة المسماة باسمه، أي مدينة الصدر، الواقعة شرق بغداد. سبب الدعوة الظاهري، كما جاء في تغريدة له على تويتر لأن صلاة الجمعة «عبادة خالصة لله» وأن «صوت الجمعة أعلى من أي احتجاج آخر» ليبين أنه يحتج ضد السيرورة السياسية للبرلمان الحالي، متعاميا عن حقيقة أنه، بواسطة الميليشيا التابعة له، قد ساهم في إجهاض احتجاجات المتظاهرين في تشرين الأول / أكتوبر 2019، حالما أدرك أنها تشكل خطوة للتغيير الحقيقي بالبلد، بعد أن قدمت الانتفاضة مئات الضحايا وعشرات الآلاف من الجرحى والمُقعدين.
وكما أمر مقتدى الصدر أتباعه من أعضاء البرلمان العراقي، قبل أسابيع، وعددهم 73 بالانسحاب الجماعي من البرلمان فلبوا النداء، لبى الأتباع أوامر السيد للتجمع وأداء الصلاة. مُدّعيا، مثل بقية الساسة على اختلاف أعراقهم وطوائفهم، بأن ما يقوم به هو باسم الشعب « والخيار للشعب» وأن دوره يقتصر على دعم الشعب « إن أراد الشعب الوقوف من أجل مناصرة الإصلاح».
فقام الشعب المعني، ملبيا النداء، وتوجه يوم الجمعة، إلى شارع حددته لجنة أوصى الصدر بتشكيلها للإشراف على تحشيد الأتباع وتنفيذ الأوامر. أشرفت اللجنة بالتعاون مع فروع مكتب الصدر بمختلف المحافظات على ترتيب حافلات لنقل الأتباع إلى بغداد، وتوفير احتياجاتهم، وشراء وتفصيل وتوزيع الأكفان البيضاء ليرتدونها جميعا، مثل الصدر، أثناء الصلاة، دلالة على استعدادهم للاستشهاد. وشملت التحضيرات «تكثيف الاجتماعات مع القيادات الأمنية… لاستكمال جميع الاستعدادات مع بدء توافد المصلين وسط إجراءات أمنية مشددة ودعم لوجستي ومعنوي وشعبي».

إبقاء العراق مقادا بمنظومة طائفية تأتمر بتقلبات شخص يساعد، في الواقع، من يدّعي محاربتهم، على تلهية الناس بمشاغل مختلقة، تعيق القدرة على التفكير بما هو أبعد من التحشيد الغرائزي وتأجيج مشاعر الخوف والانتقام

وكأن القوم سيتوجهون لخوض معركة تحرير شرسة، وليس لأداء الصلاة والاستماع الى خطيب كما يفعل المسلمون في أرجاء المعمورة كل يوم جمعة، في كل فصول العام، بلا أكفان أو إجراءات أمنية مشددة. ولم ينس المنظمون تكرار مفردة السيد المفضلة في وصف كل تظاهرة يقودها أو يدعو اليها بأنها «مليونية» وهو رقم حاول النائب باسم الخشان تفنيده عن طريق ذكر قياسات شارع الفلاح الذي تمت فيه الصلاة، متوصلا بالنتيجة إلى استحالة جمع هذا العدد الهائل من الناس في مكان واحد. وأن العدد الذي يدًّعيه الصدريون يساوي أضعاف العدد الحقيقي.
ما تجدر الإشارة اليه أن تكرار أجهزة الأعلام لأي خطاب سياسي أو حدث بدون تمحيص، يجعله حقيقة واقعة، ويترسخ في الأذهان بصيغته الأولى حتى لو تم تكذيبه فيما بعد، فكيف إذا كان التكرار والاستنساخ مستمرا على مدى أسابيع من قبل قنوات تستهدف جمهورا معينا، يحمل عقيدة جاهزة بل وتأسيس قناة تلفزيونية خاصة للتحشيد للصلاة ومن ثم بثها بشكل حي؟
بهذه الطريقة، تُصبح الحقيقة غير مهمة إزاء خلق واقع يسود فيه التلفيق السياسي – الديني، ويرتبط بصعود الشعبوية الطائفية في مجتمع، مهيأ لاستقبال ما يُقدم اليه، حيث يتم إيهامه بأنه مُهدد بالأخطار، فيتجاذبه الخوف من « الآخر» ليتشبث بمن يوفر له الحماية الجسدية، مُغّلفة بطقوس «الجماعة» والعصمة من المسؤولية، والتدريب المسلح الدائم إستعدادا للدفاع عن النفس، بالاضافة إلى الدخل المادي.
حيث يُشكل توفير الدخل، سواء عن طريق التوظيف بلا كفاءة أو ُمنح الدراسة في الحوزة أو توزيع النقود بشكل مباشر وتعزيز الانطباع بقوة التيار الشيعي الصدري، جانبا رئيسيا في تنامي شعبوية مقتدى الصدر، خاصة مع ازدياد نسبة الفقر وتدهور الخدمات الأساسية. ولا يهتم أتباع الصدر بمصدر ثروته سواء كانت عن طريق السيطرة على الوزارات والمناصب، وفساد العقود التجارية وتهريب النفط والسرقة والنقد مقابل الخدمات – بما في ذلك الحماية المسلحة للتجار والشركات، أو عن طريق إيران.
تحت هذه الظروف، تصبح تعبيرات القائد/ الرمز اللغوية المعبرة، عن قدرته العقلية المحدودة، ميّزة ذات فائدة لتسهيل التلاعب به من جهة وتسويقه شعبويا. فالشعبوية، مرغوب بها لتسهيل وتمرير سياسات وأجندات خارجية تتقاطع مع مصالح عدد من الساسة المحليين، لا ضرر إطلاقا من إلقائهم الخطب عن مقاومة الاحتلال. وهنا تكمن أحد أوجه قوة المحتل في تأسيسه منظومة تتشابك فيها المصلحة المشتركة مع قوى محلية لخلق هويات مفتعلة ومزورة، للتغطية على هيمنتها، خاصة مع ضعف أو غياب البدائل الوطنية.
ليس مهما، إذن، غياب البرنامج السياسي والاقتصادي لما تسمى « الكتلة/ التيار/ الحركة الصدرية». المهم هو ترويج الصلاة كمليونية إستعراضا للعضلات ضد منافسي مقتدى في «البيت الشيعي». والأكثر أهمية من ذلك، إبقاء العراق مقادا بمنظومة طائفية تأتمر بتقلبات شخص يساعد، في الواقع، من يدّعي محاربتهم، على تلهية الناس بمشاغل مختلقة، تعيق القدرة على التفكير بما هو أبعد من التحشيد الغرائزي وتأجيج مشاعر الخوف والانتقام، ما لم يعمل الجميع من أجل دولة مواطنة في عراق يتسع للجميع بلا إستثناء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com