قصة

حكاية ثلاثة شهداء .

بيدر ميديا .

حكاية ثلاثة شهداء .

ماس القيسي

• أصغر شهيدة في انتفاضة تشرين

آيات محمد، اول طفلة شهيدة في النجف الاشرف، زهرة اقتطفتها ايادي الغدر من بستان ثورة تشرين بتاريخ 1/12 /2019، الأطفال الصغار ليسوا بمعزل عن القضايا التي تدور من حولهم، فهم يسمعون اطراف الحديث في جلسات الحوار لدى اسرهم، وفي المدرسة حين يأتي زميل لهم ويقول كلمة، مبتهجا بسماعها من أخيه الأكبر او شاهدها على التلفاز، او في مقطع تصويري على وسائل التواصل، بغض النظر عن مدى سلبية ان يتعاطى الأطفال هذه المواد المليئة بما لا يناسب أعمارهم ومستوى وعيهم، لكنها الحياة بتعقيداتها وتطورها السريع تضعهم في موقف يصارعون فيه براءتهم ليخوضوا في قضايا الكبار، ومنها قضية وطن يقرؤون عنه في كتب المدرسة لكنهم لم يلمسوا أي شيء منه، فبات من شأنهم معرفته من تاريخ يتحدث عنه من يكبرهم سنا وعقلا، عسى ولعل ان يرتكز لديهم مفهوم الوطن بمدلوله الصحيح الحاضن لأبنائه الراعي لهم. حين قامت ثورة تشرين المجيدة للشعب العراقي في مطلع أكتوبر الماضي، ارتبط اسمها بالجلال والعظمة لكونها عراقية بحتة دون نزعة عرقية او دينية، مما اقتضى من خفافيش الظلام ممن لا يريدون من الأرض ان تبصر نور الحياة وتستنشق عبير الحرية، ان يقضوا عليها بشتى السبل دون اكتراث لأي معيار انساني، فلم يسلم منهم لا كبير سن ولا عليل ولا امرأة حامل! ولا حتى طفل صغير. كجرافة تقتلع بطريقها كل شيء حتى أصغر النبتات. زهرات البستان الصغيرة الناعمة قد لا ترى بالعين المجردة، وهي تختبئ بين اغصان الشجيرات، ولكن يعي كل منا تماما بان أي فعل دنيء سيرتكبه من لا يحب الحياة بحق الطبيعة سيلحق الضرر بتلك الزهور النامية أيضا، ولا نستبعد انه متيقن من ذلك ولديه النية في القضاء عليها، تجنبا لنموها ما قد يشكل كابوسا لدى محبي الموت، من رؤية حديقة تزهو بزهورها!.

• صفاء السراي.. أيقونة ثورة تشرين

“محد يحب العراق بكدي..”، ليست مجرد عبارة نلمحها على جدران ساحات الاعتصام والتظاهر، أو تطرأ على مسامعنا هنا وهناك حين نتحدث عن ثورتنا، بل باتت أشبه بشعار رمزي، نار على علم أشعل فتيله ذاك الفتى المغوار، من قد يحسب أنه جرم صغير لكن فيه انطوى عراق الله أكبر، برافديه وأرضه، وشعبه الحر، احترق عزيز نفس كي يولد من رماد حضارة ما بين النهرين، وميض عراق جديد يزهو بانتصاراته.

صفاء السراي، (ابن ثنوة) كما يحب أن نناديه، ولد سنة 1993 في بغداد، درس علوم حاسبات في الجامعة التكنولوجية، عمل بداية خارج إطار تخصصه في العديد من المجالات، بدءًا ببائع كتب في شارع المتنبي ووصولًا الى تقديم خدمات للمواطنين (عرضحالجي)، عمل أيضًا في مجاله كأستاذ جامعي لمدة أربعة أيام فقط في آخر أسبوع من حياته، تصب اهتماماته في عدة اتجاهات، فهو الشاعر، الفنان، الرسام، الثائر، الأديب، الناشط، والمثقف، هل يمكن اختصار اي من ومضات ذاك السراج المنير!، نوافذ معتقة، كل نافذة تفتح بابا على مدينة متفردة بمزاياها، ويقول غيث محمد (صديقه المقرب): “نحن أمام أكثر من صفاء لا أعرف من أين أبدأ بالحديث عنه، شاب حالم يحب اتقان الأشياء، يعزف العود، يحفظ الشعر ويكتبه باحترافية، ويحب الرسم، إذ يرسم بطريقته الخاصة، ويهوى قراءة الكتب فقد شارك في مهرجان أنا عراقي أنا أقرأ”.

شارك صفاء في التظاهرات ضد السلطة الحاكمة وفسادها المستشري منذ عام 2011، حتى شوهد في أحد المرات يجلس أسفل نصب الحرية في ساحة التحرير بمفرده قائلًا: “لست مشردًا، لقد قمت بدعوة رفاقي للتظاهر لكن لم يلب احد الدعوة، فخرجت بمفردي”، كما كان أحد حاملي شعلة ثورة تشرين المجيدة ومن أهم مَن قدموا لها أكبر التضحيات من تحشيد الجماهير وايصال الصوت العراقي الحر عبر وسائل الإعلام العالمية فكان ثائرًا اعلاميًا وناشطًا مدنيًا.

هو الذي قال قبيل رحيله، عن لسان مظفر النواب: “إني أرى يوم انتصار الناس، واسمع من هتافي في الشوارع لاسيما في ساحة التحرير”. نعم أنت ترانا نحمل عنك رايتك نلوح بها عاليًا، تلك مسؤوليتنا من بعدك، “ومن مثل قلبك يعرف خط الوطن؟!” فكانت نبضاته ترانيم عشق صوفية على شواطئ دجلة وهي تتوق للقاء فراتها، ومن يسمو ليكون بصفائك يا صفاء؟!، من يرتقي ليكون بمجد عزك، شموخك وبسالتك، كفارس أهدى جواده شرف التحليق، ليغدو ثورًا مجنحًا يصدح بصوت جهور حدوده السماء، ها آنذا العراق!

• مهند القيسي.. الشهيد الذي ما تزال أمه تبحث عن قاتليه

لن نحيا والمذلة جاثمة فوق صدورنا”، عبارة نطقها مهند فكان سيفا حادا، قاتل بصمت انيق لائق بثورة بيضاء تماثل نقاءه. فإما ان يكون او لا يكون، ها قد جثمت حتى تجرأت انيابها على خدش نجوم بالكاد أشرفت على اللمعان فسرقت منا الاجمل، الانقى، والاعظم، هكذا هي الحرية رفيعة الذائقة تدرك كيف تنتقي ضريبة توهجها.

مهند وميض قيس القيسي، من مواليد عام 1998، يسكن في قرية الغدير من محافظة النجف الاشرف، ينتمي لأسرة ميسورة الحال، وحيد لأربع اخوات، يعمل والداه في السلك التربوي، والده أستاذ يعلم اللغة الإنكليزية، ووالدته تعمل مديرة مدرسة. أكمل مهند دراسته الثانوية في مدرسة الامام علي، والتحق بكلية اللغات والترجمة قسم اللغة الإنكليزية، بلغ المرحلة الثانية في جامعة الكوفة، من هواياته؛ التصوير والمونتاج، هادئ متزن ومسالم جدا، مفعم بعمق الانتماء للهوية الوطنية وفكر داعم لحريات الشعوب، ذو عقل راجح يسبق اقرانه من أبناء جيله، يمتاز بشخصية طموحة وواقعية، انيس المعشر ومقرب من اصدقائه. كان لمهند دور رائد في ثورة تشرين قبيل اندلاعها في ساحات الوطن، من خلال مشاركته في تظاهرات ساحة الصدرين في النجف، وبهذا يخبرنا حيدر اركان (قريبه) قائلا: “ابن خالتي لم يكن بحاجة لأي مطلب، لا ينقصه شيء في حياته، لكن نخوته هي التي دفعته لذلك شارك بالتظاهرات من اول أيام الثورة ولم ينقطع عن الساحة الا قليلا لظروف طارئة، ولم يكتف بالتظاهر كطالب فحسب وانما كان من ضمن الثوار المرابطين على الخط الأول دوما”، وعن واقعة استشهاده في ليلة الهجوم الشنيعة على ساحة الصدرين يوم الخامس من شباط، يعقب حيدر بقوله: “لقد كان مهند في تلك الليلة الدامية، التي تعرض فيها المتظاهرون في ساحة الصدرين الى قمع شرس من قبل عناصر مسلحة، متواجدا بينهم ولسوء حظه أصيب بطلق ناري في منطقة الصدر تحديدا في كتفه الايسر، سقط على الفور وفارق الحياة اثناء نقله الى مشفى الصدر بتاريخ 5/2/2020”.

في موقف أليم تنعي والدة مهند الشجاعة فقيدها، وتنادي بأعلى صوتها “مهند ما مات، ابني شهيد حي يرزق، ورحيطلع وراه ألف مهند”، موصية رفاقه وهي تسير بجوارهم في جنازته، ان يواصلوا المسير والحراك الثوري من اجل العراق كما فعل وحيدها الذي استشهد في سبيل اعلاء كلمة الحق.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com