منوعات

الإبادة والإجرام والقتل «ادعاءات كاذبة» بحق إسرائيل: اسألوا الطفلة «هند» ما زالت حيّة!

بيدر ميديا.."

الإبادة والإجرام والقتل «ادعاءات كاذبة» بحق إسرائيل: اسألوا الطفلة «هند» ما زالت حيّة!

مريم مشتاوي

 

ألو ألو ألو.. لا أحد يجيب.. صوت الصمت بات أقوى من صوت الطفلة ليان.. صوت جاحد ومجرم وغدّار وظالم وموجع، يتمدد بعد آخر طلقة رصاص.. إنه صوت الموت.. لا شيء بعده سوى شلالات دماء وجثث تستريح بعد أسابيع من حرمان أصحابها النوم.. جثث مبتسمة في سرها.. فالجوع لن يهزمها بعد اليوم، ولن تتعب في مطاردة حبات المطر علها تصطاد في فمها بعد القطرات، جثث لن تقلق إن فارقتها ذراع أو طار منها رأس بكل أحلامه ومواهبه وقدراته، لن تنوح إن شرحوها من دون بنج، لن يفتتها الألم حين ترى دموع أمها وهي عاجزة عن مداواتها، لن تقهر إن مات إلى جوارها إخوتها وأحبتها، ولن تنوح فوق ركام بيتها الذي ضاع العمر في بنائه حجراً حجراً.. لن تشعر بعد اليوم بالخذلان من اكتفاء معظم جيرانها وأشقائها بالترحم على موتاها.. إنها جثث الاستراحة بعد التعب.. جثث قد تفتح أفواهها يوماً، ولكن لن تفتحها لتأكل بل لتردد:
سقط القناع.. عربٌ أطاعوا رومهم
عربٌ وباعوا روحهم
عربٌ وضاعوا
وعليك أن تحيا وأن تحيا
وأن تعطي مقابل حبة الزيتون جلدك
كم كنت وحدك!
ولكن من هي الطفلة لين وما قصتها؟
لمن يحبون قصص الأكشن والإثارة المليئة بالأحداث الجديدة وغير المتوقعة، لن يكون هناك ما يغازل ذوقكم.. إنها قصة تشبه آلاف القصص التي تعاد يومياً وعلى مدار الساعة منذ بداية الحرب على غزة.. نعم على غزة وأهلها، لأنهم هم فقط الضحايا الحقيقيون لهذه المعركة.. معركة تخوضها بلدان كثيرة على أرض فلسطين.. بلدان لم تكتف بأربعة وعشرين ألف قتيل من المدنيين معظمهم من الأطفال، ربما تحتاج لمليون كي تعلن وقف إطلاق النار، أو ربما تنتظر موت آخر غزاوي وبعدها يُعلن وقف إطلاق النار نفسه بنفسه.
لين الصغيرة ما زالت بعمر الورد، لم تكبر كثيراً بعد، لم تحلم كثيراً ولم تعرف خلال سنواتها الـ 15 سوى الحروب، ولم تألف سوى صوت الصواريخ.. كانت داخل سيارة صغيرة مع أهلها.. كانوا يحاولون الهرب من ألسنة النار، ولكن الموت سبقهم، إنه رفيق الفلسطينيين أينما رحلوا أو حلوا:
ألو مرحبا عمو
عمو قاعدين بيطخوا علينا.. الدبابة جنبي.. إحنا جنبنا الدبابة..
إنتو جوا السيارة؟
فجأة نسمع صوت رصاص كثيف ممزوج بصراخ الصغيرة لين.. هكذا تنتهي المكالمة التليفونية.. والمتطوع في الهلال الأحمر يردد دون تعب أو ملل: ألو ألو ألو.. ربما مع التكرار تستيقظ الصغيرة من موتها وتجيبه!؟
هذا لم يكن مشهدا درامياً من أحد الأفلام التي تجتاح دور السينما.. هذه كانت حلقة واقعية من السلسلة المعادة على مدار أسابيع طويلة من مسلسل الدماء، الذي يحتل عناوين الأخبار. هكذا كان الحوار بين لين وأحد المتطوعين في الهلال الأحمر الفلسطيني، وهي تحاول الاستنجاد بالطاقم بعد أن حاوطتها الدبابات وهجم الجنود المسعورون بأسلحتهم الثقيلة على السيارة! هكذا غدرت بها الدبابة، وقتلت كل أفراد أسرتها إلا شقيقتها الصغرى هند، صاحبة الأعوام الستة، التي بقيت على قيد الحياة بفعل أعجوبة. بقيت ملطخة بدمائها ومحاطة بجثث أهلها داخل المركبة وبدبابات جيش الإجرام المحتل من الخارج.
وفي مكالمة هاتفية لعم الطفلتين لين وهند مع قناة «العربي»، قال وصوته يرتجف من شدة الألم: كلمتني لين وكانت مصابة بجروح عدة تطلب المساعدة بعد استشهاد والديها، وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة حاولت الاتصال بالإسعاف، ولكنه لم يتمكن من الحضور فلجأت للهلال الأحمر.. مات كل من كان في المركبة، ولم يبق سوى هند وحيدة ومحاصرة ولا نعرف أية معلومات عن حالها.
ماذا فعلت هند؟
قد تنجو الطفلة، ولكن إن نجت من دبابات العدو كيف ستنجو من الصدمة والفزع، من الخوف والقلق؟! كيف ستعيش مع ذكريات الحادثة، كيف ستواجه خساراتها الفادحة، هل ستنسى دماء والديها فوق مقعد السيارة وصراخ شقيقتها وشهقتها الأخيرة، كيف ستنسى لحظات الصمت الطويلة، تلك اللحظات التي قد تكون أوحش من الموت؟!
كيف ستنسى الظلام الذي اجتاح عالمها الصغير؟
هند، طفلتنا اليتيمة تحمل اليوم فوق كتفيها الصغيرتين ثقل الموت وتلتحف برائحته النتنة. لقد أجهض عمرها ببراءته وأحلامه الهادئة البريئة.. هند مثل آلاف الأطفال الفلسطينيين وحيدة تتأرجح في فلك الوحشة، هي، مثل آلاف الأطفال الفلسطينيين، تعلم مسبقاً أنها لن تكبر.
لقد ولد لنا اليوم جيل كامل من الأيتام، جيل كامل يرافق الجثث والدبابات، جيل كامل يرتعش على وتيرة الخوف والأحلام الضائعة، جيل كامل يبحث عن بقايا الأمان في عالم مظلم.
ماذا فعلت هند في المركبة؟
يا ترى، هل حضنت والدتها؟ هل قبلت والدها؟ هل حاولت الاختباء قرب جثة أختها، هل تحركت أو بقيت جامدة؟ هل راحت تهمس للأرواح الراحلة علها تعود لتلطف بقلبها الصغير. هل صرخت؟ هل بلعت لسانها من شدة الخوف، هل ستصحو من كابوسها الأخير؟
أيها الزمان القاسي، إن هند بين يديك تنزف.. إن أطفال فلسطين يرحلون واحداً بعد الآخر.. لا تكذب علينا وقل لنا هل ما زال «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»؟!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com