منوعات

لنمو الحضري… بين الهجرة الريفية والتكييف في المدينة (3-3)

بيدر ميديا.."

لنمو الحضري… بين الهجرة الريفية والتكييف في المدينة (3-3)

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

أسباب الهجرة:

لقد أوضح الدكتور مكي عزيز بالاشتراك مع رياض إبراهيم السعدي في كتابهما (جغرافية السكان). الصادر عن جامعة بغداد عام 1984م؛ عن أسباب ونتائج الهجرة بما يلي: “الفقر وانعدام الأمن الغذائي والبطالة ونقص فـرص العمل، والتغيـر المناخي، وسوء أوضاع البيئة، من بين الأسباب الرئيسية للهجرة من الريف، كما أن لها نتائج ديموغرافية أو سكانية واقتصادية واجتماعية على كل من الريف والمدينة. وأسباب الهجرة القروية على الأرجح تكون الهجرة قـراراً متعمداً وأحد الطرق التي يسعى لها الكثيرون لتحسين سبل العيش والحياة الكريمة، وسيتم تعداد أهم الأسباب الرئيسة التي تجعل السكان يتخذون القرار بالهجرة القروية:

–       الفقـر المدقع في القرية وانعدام الأمن الغذائي: حيث إن ما يزيد على 75% من الفقراء ومن يفتقرون للأمن الغذائي هم من أهل المناطق القروية، حيث غالباً ما يعتمدون على الإنتاج الزراعي بطرق قديمة لتأمين معيشتهم، كما يواجهون مصاعب كبيرة في الحصول على المنح أو القروض لتحسين زراعتهم، كما يصعب عليهم الوصول إلى الأسواق.

–      ضعف توافر فـرص العمل: حيث إن معظم الفرص الوظيفية الموجودة في القرية هي في مجال الزراعة وبأجور زهيدة، وبظروف غير صحية وضعف في العدالة والمساواة، إضافة إلى قلّة توفر فرص التدريب والخدمات الإرشادية.

–      عـدم المساواة في الخدمات: حيث يرغب أهل القرية بالهجرة؛ بسبب الحصول على الخدمات الحكومية والتعليمية والصحية الأفضل والمزيد من الحماية الاجتماعية.

–      التغير المناخي: حيث إن معظم صغار الملاك والمزارعين والصيادين والقرى المعتمدة على الغابات والرعي الطبيعي هي من أكثر الفئات تأثراً بالتغير المناخي وما ينتج عنه من كوارث طبيعية.

–      استنزاف الموارد الطبيعية والتدهور البيئي: حيث إن التغير المناخي والتصحر قد حول الكثير من الأراضي الزراعية إلى صحاري؛ مما أضعف كثيراً من قدرة وإنتاجية المزارعين.

–      انعدام الأمن والاستقرار الذي أدى بنزوح المجتمع الريفي بصورة خاصة والمجتمع في محافظة الأنبار بصورة عامة بسبب العمليات العسكرية الأخيرة.

 

 نتائج وأثار الهجرة:

تتعدد أسباب ونتائج الهجرة القروية، فهناك نتائج ديموغرافية أو سكانية، وأخرى اقتصادية واجتماعية مثل اختلاف التركيب النوعي وغيرها الكثير، ومن أهم هذه نتائج الهجرة القروية ما يأتي:

نتائج ديموغرافية: يتغير عدد السكان بسبب الهجرة القروية في اتجاهين متضادين، من زيادة في أعدادهم في المدن، ونقص في القرى والأرياف، حيث ينتج نمو حضاري عشوائي في المدن، مما يؤدي لنقص في الخدمات العامة بسبب زيادة الضغط عليها، وزيادة البطالة وانخفاض اجور العمال والانحراف، والتحضر الشكلي أو الزائف.

نتائج اقتصادية: يمكن للصناعات والخدمات في المدينة امتصاص البطالة، كما تنشأ مهن جديدة ويرتفع أجر العامل المهاجر في المدينة، مع ذلك في الصورة العامة ينخفض مستوى الأجور عن السابق، وترتفع نسبة البطالة، وفي القرية تنقص الأيدي العاملة من الشباب إلا القلة، ومع هذا تكون تلك الأيادي العاملة مكلفة الثمن بسبب قلتها في الريف، على العكس من المدن المهاجرة اليها إذ ترتفع كثافة الأيادي العاملة، هناك وتقل كلفها لقلة الطلب عليها. إذ أن هناك الكثير من الأعمال في المدن يستخدم فيها الآلة لوفرة رؤوس الأموال ومقابل هذا فأن الريف يفتقر للكفاءات مقارنة باليد العاملة في المدن.

نتائج اجتماعية: في المدينة تزداد نسبة الجرائم، كما يمارس القرويين عاداتهم التي لا تتفق مع الحياة الحضرية، وتنتشر مدن الصفيح التي هي بؤرة المشاكل الاجتماعية، وفي القرى يختلف التركيب النوعي وترتفع نسبة الاناث، وتقل التوجهات لتطوير الريف مما يزيد من تخلفه. كذلك التغيير من شكل مخطط المدن من خلال التوسع العمراني والعشوائيات .

 

الحلول والمقترحات:

لحل هذه المشكلة لا بد في البداية من بتر الأسباب التي تؤدي لأفضلية المدن أو التقليل منها، والعمل على أن لا تكون الأرياف مهجورة حتى وإن حصلت الضرورة للعمل في المدن، ففي بادئ الأمر لا بد أن يكون هناك ما يكفي من الخدمات في الأرياف كالخدمات الصحية والتعليم؛ ذلك كإنشاء مستشفى في منطقة وسطية بين القرى أو إنشاء جامعة ودوائر حكومية فرعية، أي أن يكون هناك ما يشبه المدينة المصغرة في وسط الريف، ومن ثم نقل جزء من الأعمال إلى مناطق الريف كأن تكون هناك شركات في المناطق الريفية، وشيئاً فشيئاً تكون المنطقة الوسطية تلك كمدينة ريفية، يرجع إليها أهل الريف في أعمالهم وحياتهم اليومية، وتساعد على بقاء أهل الريف في موطنهم الأصلي، وأما إن كان هناك مدينة قريبة أو تقع في الوسط من مناطق الريف فيتم استغلالها كنقطة مركز فقط، بحيث يكون لأهل الريف مواصلات خاصة بهم تصلهم بالمدينة على الدوام فلا يضطرون للاستقرار بشكل دائم في المدينة، في خطوة أخرى يمكن العمل على تشجيع الاستثمار في المجالات الزراعية والانتاج الحيواني، سواء من أهل الأرياف نفسهم بتخصيص نسبة دعم خاصة بالمزارعين ورعاة الماشية، أو من خلال توجيه الأموال إلى تلك المجالات من خلال وضع حوافز للاستثمار، والعمل على إزالة الهوة والفرق بين الريف والمدينة، والحد من هذا التباين، وبذلك تنتفي بعض أسباب هجرة الريف للحصول على المال في المدن، وتوفير الكثر من الخدمات والمنشآت التي تجعل ابن الريف يستغني عن الهجرة الى المدينة لوجود ما يعوضه عن الهجرة إلا لبعض الرحلات الموقتة للأعمال الإدارية وغيرها التي يكون مركزها المدينة.

كما أن النظم الغذائية والتنمية الريفية تؤثر على الهجرة وترك الزراعة وتتأثر بها في آن واحد، قد يجانب الصواب رسم صورة بسيطة للوضع. فمن ناحية، هنالك أمثلة عديدة حول اضطرار أصحاب الحيازات الصغيرة، وغيرهم من السكان الريفيين، إلى الهجرة إلى البلدات والمدن الأكبر نتيجة افتقار الوسط الريفي والزراعي إلى الفرص الاقتصادية. وكذلك نتيجة الوضع الأمني والسياسي، وفي هذا السياق من المتوقع أن يقود انخفاض الانتاجية الزراعية، وتكوين الروابط مع الأسواق، وتنمية الاقتصاد الريفي خارج المزرعة، إلى الحد من الضغوط المؤدية إلى الهجرة. وترك الأراضي واهمالها، وتشير الأدلة إلى حصول ذلك على سبيل المثال الاستثمارات في تحسين البنية الأساسية في الحالات التي توفرت فيها الاستثمارات في المناطق الريفية كما في محافظة بغداد، وعدم وتمكين أصحاب الحيازات الصغيرة من الوصول إلى التكنولوجيا، والتدريب والخدمات. ومن جانب آخر، غالباً ما يؤدي تحسن الانتاجية الزراعية وزيادة الدخول إلى دفع عجلة العمالة خارج المزرعة، الأمر الذي يزيد في حالات عديدة من الفرص المتوفرة للأشخاص للخروج من المناطق الريفية ومجال الزراعة. ومع ارتفاع أرباح المزارع، تزداد الاستثمارات في المدخلات، والخدمات والآلات. وبارتفاع دخول المزارعين، يزيد إنفاقهم على السلع غير الغذائية من قبيل المعدات المنزلية، والملابس، والأنشطة الترفيهية. وتؤدي جميع هذه العوامل إلى تهيئة الفرص في القطاع غير الزراعي. وبالتالي، تساهم التنمية الزراعية، في واقع الأمر، في تعزيز فرص بالريف والمزرعة. وفي حين تعد الزراعة والتنمية الريفية ضروريتين لحراك العاملين نحو القطاعات غير المرتبطة تقليديا للحد من اضطرار الأشخاص للهجرة من أجل إعالة أسرهم، إلا أن هذه التنمية بطبيعتها تهيئ الفرص لحراك العاملين. وقد تبين أن هذه الفرص تساعد أسر أصحاب الحيازات الصغيرة على زيادة دخولهم وتوفير رأس المال اللازم للاستثمار في مزارعهم. وعدم ترك اراضيهم الزراعية واهمالها.

 

المصادر:

–     مكي محمد عزيز ورياض ابراهيم السعدي، جغرافية السكان، جامعة بغداد، مطبعة جامعة بغداد، ط1، 1984.

–      كاظم عبادي جاسم، جغرافية الزراعة، دار صفاء للنشر والتوزيع، ط1ـ 2014.

–      عباس فاضل السعدي، اصول جغرافية الزراعة، جامعة بغداد، دار الوضاح للنشر، ط1، 2019.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com