منوعات

“إذا لم تكُنْ هذه الطَّائِفةُ – من أهلَ العِلْمِ- أولياءَ لله فليس للهِ وَليٌّ/ الخليل”

بيدر ميديا.."

“إذا لم تكُنْ هذه الطَّائِفةُ – من أهلَ العِلْمِ- أولياءَ لله فليس للهِ وَليٌّ/ الخليل”

علاء اللامي

نواصل استعراض الإنجازات العلمية التي أبدعها الخليل بن أحمد في هذا الجزء من المقالة ثم نتعرض لبعض ما لحق به من ظلم وإجحاف من بعض علماء عصره:

الخليل والموسيقى المقيسة Mensurabili Musicaعن هذه الموسيقى المقيسة نقرأ في الموسوعة الحرة باللغة الفرنسية / ترجمة شخصية: ” الموسيقى المقيسة “أو التوقيعية” هي أطروحة موسيقية من أوائل القرن الثالث عشر (فترة العصور الوسطى الأوروبية) وهي الأولى من رسالتين منسوبتين تقليدياً إلى مُنظِّر الموسيقى الفرنسي يوهانس دي جارلانديا؛ والأخرى هي دي بلانا ميوزيكا، وكان أول من شرح النظام الإيقاعي المشروط الذي كان مستخدماً بالفعل في ذلك الوقت: الأوضاع الإيقاعية. الأنماط الإيقاعية الستة حددتها الأطروحة، ومؤلفة من مجموعات من قيم النوتة الطويلة والقصيرة. تعتمد الكثير من الموسيقى المتبقية من مدرسة نوتردام من القرن الثالث عشر على الأنماط الإيقاعية الموضحة في هذه الموسيقى المقيسة. معنى ذلك أن الخليل الفراهيدي قد سبق الأوروبيين بأكثر من خمسة قرون في تأسيسه لهذه الموسيقى وللعلم الذي عُني بها.

إنَّ التلازم الوثيق بين دراسات الخليل اللغوية والموسيقى دفع الباحثين القدماء والمحدثين إلى التساؤل؛ من أين للخليل بهذه المعرفة بالموسيقى؟ فالقفطي يكتب مثلا “وله عِلْم بالأنغام، وله كتاب فيها. ومعرفته بالنغم ومواقعتها أحدثت له علم العروض”، وينكر المخزومي الحكاية التي شاعت لاحقاً والتي تقول إنَّ الخليل أخذ أُسس علم العروض مصادفة حين مرَّ بسوق للصفارين وسمع أصوات مطارقهم تطرق المعادن. يعلل المخزومي نكرانه لهذه الحكاية على اعتبار “أن المعرفة بالموسيقى كانت شائعة في البيئة العراقية والعربية عموما في القرن الميلادي الثامن. فكانت هناك تآليف فيها، وقد عُرف العديد من المغنين والعازفين في العصر الأموي منهم الوليد بن يزيد الذي قيل إنه أول من لحَّنَ الأشعار ودوَّنَ ألحانه. وكان الحجاز مقصدا للهاوين يتعلمون بمدارسه الموسيقية أحدث الألحان والأنغام. وفي العراق عُرِفَ مغنيان مشهوران قبل زمن الخليل؛ أولهما هو أبو كعب حنين النصراني وكان يبيع الأزهار والفاكهة، متنقلاً بين منازل المطربين وعِلْية القوم، فيسمع الغناء، أما ثانيهما فهو إبراهيم الكوفي الموصلي الذي ذهب ليتعلم الغناء في الموصل ثم سافر إلى بلاد فارس وأصبح في الصف الأول من رجال الغناء والموسيقى.

ويقول المستشرق ج ب ترند إنَّ مخترع الموسيقى المقيسة أو الإيقاعية هو فرانكو الكولوني (عالم موسيقى ومُنظر موسيقى ألماني من أهل القرن الثالث عشر الميلادي)، ولكن فرانكو هذا يتحدث عن موسيقى مقيسة كشيء معروف، وقد عرفه الخليل بن أحمد في القرن الثامن الميلادي أي قبل خمسة قرون من زمن كولوني (ولد الخليل سنة 718م).

مظلومية الخليل:

في العصر الحديث، صدر كتاب العين للخليل بن أحمد، سنة 1980وهو أول معجم لغوي عربي في التاريخ، وقد حققه أستاذان عراقيان قديران متخصصان في اللغة العربية وآدابها هما د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي.

وقد طُبع الكتاب من قبل وزارة الثقافة والإعلام العراقية، دار الحرية، عدة طبعات؛ 1980م، 1982م، 1985م، إلا الجزء الأول منه، فقد تولت طبعه دار الرسالة في الكويت عام 1980م.

لم يعتمد الخليل في تصنيف معجمه “كتاب العين” على ترتيب الحروف العربية التي تبدأ بها الكلمات ترتيباً ألفبائيا “هجائيا”، ولا على الترتيب الألفبائي لجذور الكلمات بعد تجريدها بل على مخارج الحروف التي تبدأ بها الكلمات فكل صوت “له مخرج وله صفة، فالمخرج هو مكان توقف الهواء توقفاً كاملاً أو محدودا، لذلك وجدت الأصوات الرخوة والممتدة والشديدة”. وهكذا اعتمد الخليل على التقسيم الصوتي للحروف، فوجد أن حرف العين ثالث أبعد هذه الحروف مخرجاً بعد الهمزة والحاء داخل الحلق، فاختاره لاسم معجمه “العين” ثم تلا العين حرفُ الحاء، حتى وصل إلى الميم الذي مخرجه الشفة، أي إنه بدأ من أبعد وأعمق مخرج في الحلق وانتهى بأقربها الى الخارج وهي الشفة، فوضع لكل حرف باباً، ورتب الكلمات التي تندرج في هذا الإطار والحقيقة فإن هذا النظام الخليلي ليس سهلاً وهذه حقيقة معروفة ولكنه نظام دقيق ومضبوط صوتياً “فونولوجيا” لا شك في ذلك. أما ترتيبات المعاجم التي تلت الخليل فقد انطلقت من الخارج إلى داخل الحلق أي من الشفة حتى أعمق نقطة في الحلق.

لقد قدَّم محققا الكتاب، المخزومي والسامرائي، له بدراسة مسهبة ومهمة هي بالأحرى مادة بحثية منهجية مستقلة وتخصصية حول شخصية الخليل وأعماله، وعلى وجه الخصوص كتابه العين. في هذا الكتاب دافع المحققان – وسأنسب المقدمة لكليهما لأنها غير موقعة باسم أحدهما – عن الخليل وعن نسبة كتاب العين إليه. وموضوع نسبة العين إلى الخليل قديم كثر فيه الكلام وتفرع ولكن الأستاذين المخزومي والسامرائي أفلحا في أن يحسما هذا الجدل وينصفا صاحب العين ويعليا من شأنه ويكشفا عن حقيقة ما أحاق به من ظلم وإجحاف.

وبخصوص عائدية كتاب العين للخليل، نقرأ في مقدمة المحققين المخزومي والسامرائي: “كان وهماً أيضاً ما جعله الزبيدي أساسا لنفي نسبة “العين” إلى الخليل. وكان قد استند إلى أمرين كلاهما ضعيف لا يصح الاستناد إليه.

الأول: ما لاحظه من خلاف في الظاهر بين ترتيب الأصوات في العين وترتيبها في الكتاب، ولو كان كتاب العين له “لم يكن ليختلف قوله، ولا ليتناقض مذهبه.  والثاني: ما لاحظه من إدخال الفعل الرباعي المضاعف في باب الثلاثي المضاعف، وهو مذهب الكوفيين خاصة، فيما زعم. أما الاول فالجواب عنه هو ما قدمناه من بيان، ومن نقل عن ابن كيسان ومفاده أن الخليل لم يبدأ معجمه بالعين لأن مخرجها أقصى الحلق بل لسبب آخر ينقله لنا ابن كيسان عن السيوطي: “قال، سمعت من يذكر عن الخليل أنه قال: لم أبدأ بالهمزة، لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء كلمة، لا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت لها، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به ليكون أحسن في التأليف”؛ وبهذا تسقط هذه الدعوى التي قال بها الزبيدي لأنها تستند إلى وهم لم يقله الخليل. وأما الثاني فالجواب عنه أن الزبيدي لم يقع له مذهب الخليل على حقيقته، فالثلاثي المضاعف عند الخليل، أنما هو من الثنائيات، وأن الرباعي المضاعف إنما ينشأ من تكرار الثنائي فهو منه وليس من باب أخر، وإذا أخذ الكوفيون بهذا الرأي فيما بعد فهذا لا يعني أنه من مذهبهم وأنه خاص بهم”.

حملة الأزهري والسجستاني ضد الخليل

ويبدو أنَّ الإجحاف التي أحاق بالخليل والبخس والإنكار اللذين جوبهت بهما أعماله وأهمها كتاب العين من قبل بعض المحافظين “حملة الرواية السلفيين” من أمثال السجستاني والأزهري قديم قِدَم هذا العلم. فهذا الأخير مثلا – الأزهري – زعم أن كتاب العين ليس للخليل بل لتلميذه الليث بن المظفر وقد نحله الخليل. وهذا قول يعاكس المنطق والمعهود حيث التلميذ هو الذي ينتحل عادة كتاب أستاذه وليس العكس، ومثلما كان الإجحاف بحق الخليل قديماً، كان إنصافه قديما أيضا، فقد تفطن ابن دريد البصري صاحب معجم “الجمهرة” إلى علة وجوهر هذا الإجحاف حين قال: “وقد ألفَّ أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي رضوان الله عليه كتاب العين، فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلبِ معترف، والمعاندُ متكلف، وكل من بعده له تبع، أقرَّ بذلك أم جحد، ولكنه رحمه الله ألف كتاباً مُشاكلاً لثقوب فهمه، وذكاء فطنته/ كتاب المزهر في العلوم للسيوطي. ج1/ ص84”.

لم يكن الأزهري منصفاً ولا عادلا حين “عقد في مقدمته باباً ذكر فيه الأئمة الذين اعتمد عليهم فيما جمع في كتابه “تهذيب اللغة “، فذكر أكثر الدارسين الذين صنفوا الكتب في اللغات، وفي علوم القرآن وفي القراءات، بدأهم بأبي عمرو بن العلاء، وختمهم بأبي عبد الله نفطويه، ولم يكن الخليل بن أحمد واحداً من هؤلاء الاثبات فقد تجاهل الأزهري مكانته في الدراسات اللغوية، ولم يذكره إلا على أنه أستاذ سيبويه، وأنه “رجل من الأزد من فراهيد” أي أن سيبويه أشهرُ وأهمُّ من أستاذه الفراهيدي في زعم الأزهري!

الأزهري يسطو على محتوى العين:

والعجيب – كما يخبرنا المحققان المخزومي والسامرائي – أن الأزهري اقتبس مقدمة كتاب العين بكل تفصيلاتها، وجعلها مقدمة لمعجمه هو، فقد نقل منها رأي الخليل في عدة حروف العربية، وأحيازها ومخارجها وصفاتها، وتأثير بعضها في بعض، حين تتألف وتتجاور في كلمات، وأخذ عنه تصنيف الكَلِمِ من حيث عدة أصولها، وأخذ عنه ما يأتلف من الأصوات وما لا يأتلف.

ويضيف المحققان في مقدمتهما لكتاب العين: “ولكننا حين نتصفح كتاب الأزهري “تهذيب اللغة ” ونقابله بما في كتاب العين نعجب من أمر الرجل الذي حاول في غير ذكاء أن يجمع بين تحامله على الليث وغضه من شأنه، ونهب ما في كتابه، على حد زعمه، ليبني كتابه عليه، لقد كان “العين” بكل ما فيه من ترجمات وبيانات وتفسيرات أساس كتاب الأزهري الذي لم يزد عليه إلا روايات ونقولا عن غير الخليل، ولم يضف شيئاً على ما فعله الخليل الذي يسميه بالليث أو بابن المظفر إلا مفردات أهملها الخليل”. أي أن الأزهري يلجأ أحياناً الى اقتباس جزء مما قاله الليث بن المظفر التميمي – وهو تلميذ الخليل وصاحبه – ويحجب جزءاً آخر ليصور لقارئه أن هذا الجزء هو رأي الليث وبالتالي رأي الخليل وهذا مسلك خاطئ لا يليق بباحث رصين وصادق.

ويضرب المحققان مثالاً على عبث الأزهري هذا فيكتبان: “وأعجب من هذا كله ما فعله -الأزهري- في ترجمة كلمة (سمع) فقد زعم أن الليث قال: “تقول العرب: سمعت أذني زيداً يفعل كذا، أي: أبصرته بعيني يفعل ذاك”، فعقب عليه بقوله: “قلت: لا أدري من أين جاء الليث بهذا الحرف، ليس من مذاهب العرب أن يقول الرجل: سمعت أذني ويعني أبصرت عيني، وهو عندي كلام فاسد، ولا آمن أن يكون مما ولَّدَهُ أهل البدع والأهواء، وكأنه من كلام الجهمية “. وجاء ابن منظور – صاحب لسان العرب – على عادته فنقل ذلك عنه من دون تحفظ”. ولنلحظ عرضاً هنا التشكيك ومحاولة الدس وتشويه سمعة الليث – وبالتالي الخليل – بإشاراته إلى “أهل البدع والأهواء والجهمية”، لعلمه بأن الخليل كان ذا ماض خارجي إباضي وعلى شيء من التشييع لاحقا!

ويكشف المحققان عما فعله الأزهري في هذا المثال حين يذكران النص الذي ورد في كتاب العين كاملا غير مثلوم فيكتبان: “قال الخليل في ترجمة (سمع) : ” وتقول: سَمِعتْ أذني زيداً يقول كذا وكذا، أي: سَمِعتُه، كما تقول: أَبَصَرْت عيني زيداً يفعل كذا وكذا، أي: أَبْصَرْتُ بعيني زيدا”، فأين هذا مما خلط فيه الازهري وحرَّف وصحَّف، وهو كلام سليم لا غبار عليه، غير أن ما فعله الازهري هنا لقليل من كثير مما تعرض له العين من الازهري ومن حذا حذوه، وهو قليل من كثير مما ورط الازهري نفسه فيه من تحامل على الخليل، والغض من شأن عمله اللغوي الكبير من وراء حجاب سماه الليث أو ابن المظفر”.

إنصاف الخليل وكتابه العين في الأندلس:

ونستمر في الاقتباس عن مقدمة المحققان العراقيان لكتاب العين المخزومي والسامرائي، فيقولان: “في الأندلس تولى أبو علي القالي إشاعة نفي نسبة العين إلى الخليل ولكن الدارسين والعلماء في الأندلس “أنكروا عليه حملته على كتاب العين ونفي نسبته إلى الخليل والطعن عليه بالتخليط والخلل والفساد، فأخذ يداري حملات الدارسين عليه بالثناء على الخليل ويصفه بـ “أوحد العصر وقريع الدهر، وجهبذ الامة، وأستاذ أهل الفطنة، الذي لم ير نظيره، ولا عرف في الدنيا عديله”، ولكنه ما زال ينفي أن يكون العين كتاب الخليل مرددا مزاعم أبي حاتم الجستاني في نفيه نسبته إلى الخليل، محتجا بحجته، زاعما أن فيه من الخطأ “ما لا يذهب على من شدا شيئا من النحو، أو طالع بابا من الاشتقاق والتصريف ولكنه لم يعزز زعمه بذكر أمثله التخليط والخلل والفساد. حتى إن السيوطي بعد أن اقتبس من كتابه المسمى باستدراك الغلط الواقع في كتاب العين قال منصفا كتاب العين وصاحبه: “وقد طالعته إلى آخره فرأيت وجه التخطئة فما خطئ فيه غالبه من جهة التصريف والاشتقاق كذكر حرف مزيد في مادة أصلية، أو مادة ثلاثية في مادة رباعية، ونحو ذلك. وبعضه أدعى فيه التصحيف، وأما أنه يخطأ في لفظة من حيث اللغة بأن يقال: هذه اللفظة كذب، أولا تعرف فمعاذ الله لم يقع ذلك”. وإذا كان الأمر كما قال السيوطي لم يكن يقتضي كل تلك الضجة ولا كل ذلك التشهير، وكان من الانصاف لكتاب العين أن يحمل ما زعموا من تخليط وخلل وفساد على أنه من عبث الوراقين وجهل النساخ، كان يسيرا لو حسنت النية، أن يقوَّم الكتاب، ويصحح ما فيه من خطأ، وينبه على ما فيه من تصحيف لم يسلم منه كتاب في ذلك الزمان”.

ونختم بما كتبه المحققان في هذا الصدد: “أما أبو بكر الزبيدي تلميذ أبي علي القالي، وعنه تلقى الدعوة إلى التشهير بكتاب العين ورميه بالتخليط، والخلل والفساد، فقد ارتحل القالي إلى ربوع الاندلس وحمل معه (تحامل) السجستاني، وأشاعه في تلك الربوع، وألف معجماً بناه على كتاب العين، لكنه سماه بالبارع غمزاً لكتاب العين، وإيهاماً بفضله عليه. على أن أبا علي القالي بتأثير شيخه أبي بكر بن دريد، وبالتزامه مقابلة نسخ العين بأمر من الحاكم المستنصر بالله لم ير مناصاً من الاعتراف بواقع الأمر، وبتصحيح نسبة الكتاب إلى الخليل، ولذلك حين صنف (البارع) نسب كل ما فيه إلى الخليل، ولم ينسب شيئا فيه إلى الليث، كما دأب الازهري على ذلك. وقد أتيح لدارس محدث (د. هاشم الطعان محقق كتاب البارع) عُنِيَ بتحقيق نص من البارع أن يوازن بين ما رواه عن الخليل في هذا الجزء وهو معظمه وما جاء في نسختي (كتاب العين) اللتين وقف عليهما “فإذا بالكتابين [يعني البارع والعين] متطابقان حذو القذة بالقذة”، وينتهي هذا الدارس إلى ان يقول: “بهذا يكون البارع أقدم نسخة وصلت إلينا من كتاب العين”!

الخليل الزاهد المشاعي الحر

عاش الفراهيدي طَوال عمره في كوخ صغير من القصب. وكان يكسب مصدر دخله وقوته من حديقة وصقّارة لتربية وتدريب الصقور ورثهما عن أبيه. قام بتدريس اللغويات، وأصبح بعض طلابه أساتذةً أثرياء، أما هو فقد لازم الفقر والزهد منصرفاً إلى العلوم. عُرف الخليل بتواضعه الجم وكرهه للشهرة ونفوره من العلاقات العامة فلم يعرف عنه أنه وقف على باب أمير أو وزير أو غيرهما، وهو القائل كما نقل تلميذه النضر بن شميل “إنّي لأغلقُ علَيّ باب كوخي فما يجاوزه همّي”. كما كان بعيداً عن الزهو والخيلاء والكِبَر ولم يكن يتحدث عن نفسه إلا نادراً واضطرارا، غير أنه كان شديد الاعتداد بنفسه وصاحب كبرياء وعزَّة نفس لم يدفعه فقره وخصاصته إلى المساومة أو مدِّ اليد وطلب العون المادي.

نقل ابن خلكان عن النضر بن شميل، تلميذ الخليل، قوله: “أقام الخليل في خصٍّ له بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال”. كما نقل عن سفيان بن عيينة قوله الذي نسبه د. مهدي المخزومي إلى سفيان الثوري:

“من أحب أن ينظر إلى رجلٍ خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد“.

وحينما أرسل إليه والى فارس والأحواز سليمان بن حبيب بن أبي صفرة رسولاً يدعوه إليه ليقيم في قصره ويتولى تعليم وتربية أبنائه، رفض الخليل القدوم إليه وقدم لرسول الوالي خبزاً يابساً مما عنده قائلاً ما دمتُ أجدُ هذا فلا حاجة بي إلى سليمان وقال:

أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ ……….         وَفي غِنىً غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ

الرِزقُ عَن قَدَرٍ لا الضَعفُ يَنقُصُهُ ………            وَلا يَزيدُكَ فيهِ حَولُ مُحتالِ

وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ نَعرِفُهُ …… وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ

وقد تجلت لامبالاة الفراهيدي بالثروة المادية في سلوكه طوال حياته حتى يوم وفاته وهو منشغل ومستغرق في عمله وأبحاثه. ومما يؤثر عن الخليل قوله: (إذا لم تكُنْ هذه الطَّائِفةُ – من أهلَ العِلْمِ- أولياءَ لله فليس للهِ وَليٌّ).

#لهجة_عراقية_اللامي

حُذفت الهوامش والمصادر في هذه النسخة لنشرها في الصحافة والتواصليات.

*فيديو لفيلم وثائقي عن الخليل: الخليل بن أحمد الفراهيدي.. آثار العبقري الذي أسس علوم اللغة العربية

https://doc.aljazeera.net/portrait/2022/4/17/%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A8%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%82%D8%B1%D9%8A

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com