ثقافة

«رهينة» سارة رِيفنز في مدار الشّهرة الفجائية.

بيدر ميديا.."

«رهينة» سارة رِيفنز في مدار الشّهرة الفجائية

واسيني الأعرج

 

ثلاثة أجزاء من رواية «رهينة» وأكثر من 1500 صفحة. الجزء الأول: «بين الحب والكراهية لا توجد إلّا خطوة». الجزء الأول ونصف (وان دوت فايف 1.5): «خطأ تام». الجزء الثاني: «من قبل، كان يريد أن يراك ميّتة»، أحدثت الرواية ضجة غير مسبوقة في الأوساط الأدبية والنشرية.
إضافة إلى الطبعة الرسمية الغالية (20 يورو لكل جزء) طبعت الأجزاء الثلاثة في طبعة الجيب (كارلي) بسرعة غريبة مع ظهور تسع ترجمات عالمية سريعة للرواية. أستغرب في هذا السياق من أنّ سارة ريفنز لم تُحْظ حتى اليوم باستضافة في البلاتوهات الثقافية الفرنسية الكبيرة التي لا تترك فرصة مثل هذه تمر عادة؟ هل السبب يعود إلى عدم اعتراف هذه المؤسسات بأدب المنصات مثلما كانت الرواية البوليسية في وقت من الأوقات؟ أم أن الرواية اعتُبرت من الأدب الوردي الموجه للمراهقين، فلا يدخل في اهتماماتها؟ أم لأن سارة ومؤسسة النشر بالخصوص «هاشيت» العريقة، التي تعرف عالم النشر والتوزيع جيداً، قررت ذلك وتريد المحافظة على سرية الكاتبة للإدهاش أكثر؟ الهزة العنيفة التي أحدثتها الرواية لا تقل عن هزة هاري بوتر. رواية «رهينة» بدون أداة التعريف «ال» (أو السبية كما يقترح الدكتور الشريف مريبعي، لأن جسد بطلة الرواية إيلّا كان مباحاً ويُغتصب في كل لحظة من طرف «مالكها» جون، فهي أكثر من مجرد رهينة) كما وردت في الكتاب الأصلي CAPTIVE، كانت حدثاً لا يمكن تخطيه، كل الناس من كبيرهم إلى صغيرهم، يتحدث عن سارة ريفنز، إما معجباً أو شمتاً، معتبراً الظاهرة صناعة غربية، فرنسية على وجه التحديد. الكثيرون تساءلوا عن السر المتخفي وراء هذه الشهرة السريعة لفتاة جزائرية تعيش في العاصمة وكانت تشتغل في وزارة الشبيبة والرياضة، لم يتجاوز عمرها 24 سنة. كانت مدفونة في الوسائط الاجتماعية التي تأثرت بها كثيراً، وكونت من هناك جمهوراً تخطى عتبة السبعة ملايين. هذا الجمهور لم يلعب فقط دوراً مهماً في إعطاء شرعية جماهيرية لنصها عندما انتقل من منصة «واتباد «Wattpad المتخصصة في نشر الأدب الذي يكتبه الشباب ورواد المواقع، إلى الكتاب الورقي بفضل امرأة تعرف كيف تصيد المواهب، وتعرف حاجة السوق العالمية للظاهرة الأدبية، وهو ما نفتقده عربياً للأسف: «سأبدأ تشكراتي بالإنسانة التي وثقت في هذه القصة، وساعدتني على منحها الحياة من خلال إميل بسيط. إلى أفضل الناشرات زيلي Zélie، التي أعطت مساراً آخر لحياتي، فأمنتني ودعمتني (وأضحكتني كثيراً أيضاً) وساعدتني على جعل «رهينة» رواية حقيقية (ص:551)».
الناشرة زيلي (هاشيت) كانت تعرف أن شابة من ورائها كل هذا الكم من المتابعين وهذه الجرأة في الكتابة تستحق المغامرة. تخطت الكاتبة عتبة الخوف من مجتمع يتصيد كل من يخرج عن الضوابط؟ التي اختطها، بمحو الاسم الأصلي (سارة براهيمي) باتجاه الاسم المستعار، ذي الإيقاع الأنجلوساكسوني (سارة ريفز) وهو ما منحها حرية في القول بالخصوص في المواقع، حيث يشكل النموذج الغربي والأنجلوساكسوني تحديداً الطريق الأكثر اختصاراً للشهرة والمرور واختراق شبكة الحواجز المجتمعية والدينية. لهذا، يستغرب كثيرون أنه لا توجد لا أسماء ولا مدن عربية في الرواية، إيلا، جون، إيش، كيارا، بنجامان جنكيز، وإيزابيلا غراس، وغيرهم، كل شيء يدور داخل العالم الافتراضي، وهذا العالم لا أرض له ولكنه العالم كله. بطلة الرواية إيلّا Ella جسد غض لم يتجاوز 22 سنة، ضائع ومنتهك في مدينة أو فضاء يتم فيه كل شيء بلا عقاب. وهي «مملوكة» لشخص يدعى جون John، فهي شيؤه Son objet تسميه إيلّا الخنزير، «لا ضمير له مطلقاً ولا مروءة ولا إنسانية». يستغلها جنسياً إلى أقصى الجود، ويعذبها ويكاد يكون «قواداً» لأنه يمنحها لغيره مقابل المال. هناك تلميحات في البداية إلى أن يكون هو من اغتصب عذريتها أوّل مرة، بكل ما يمكن أن يترك ذلك جروحات جسدية ونفسية عميقة. إيلّا حاقدة على جون، لكنها لا تستطيع تركه لأنها في حاجة ماسة لماله، وهل تستطيع؟ «جسدي لم يعد ملكي» كما تقول. الرواية مكونة من ثلاثة أجزاء شكلياً، أقول شكلياً لأن الجزء الثاني (الأول ونصف) هو في الأصل تابع للأول يخرج كلياً عن الجزء الأول في شكل Spin-off أي عُلق على الجزء الأول الناجح، وحمل عنواناً إنكليزياً Perfectly wrong بدا لي حشواً غير ضروري ولا مبرر كبيراً له لأنه يتناول بالتفصيل ليس حياة إيلا وجون وأشير، ولكنه يدخل في تفصيلات حياة بنجامان جنكيز وإيزابيلا غراس التي عرفت ماذا يتخفى وراء سخريته وغواياته قبل أن يغيب عن العالم بشكل فجائي قبل أن يعود ثانية وهو غير قادر على مقاومة حبها. ثم الجزء الثاني حيث تعود إيلّا وأشير من جديد إلى المشهد الروائي. وتنتهي الكراهية بينهما إلى حالة حب مجنونة ومريضة بتاريخها. إيلا لا يمكنها أن تنسى ما عانته معه حتى ولو أصبح يناديها «ملاكي» وهي مصممة على رؤية هذه الحب بشكل آخر، غير ما يريده أشير Asher.
الرواية تنتمي لفضاء آخر، هو فضاء أدب المنصات، من نوع الرومانسية السوداوية Dark romance حر في لغته، لا رقابة عليه مطلقاً لا في الوقائع ولا في الأحداث ولا في اللغة. لا تخلو فقرة من كلمة ثقيلة صعب أن تمر باللغة العربية بسهولة. مع اختيار موضوعات مسبقة تساعد على الانتشار، لأن المقروئية شبابية في الأصل، متعطشة إلى الصراخ لقول ما يشغلها داخلياً بحكم ثقافتها اليوم.
المادة الأدبية المتعلقة بالجنس، والمثلية، والأحقاد العاطفية، وتعددية العلاقات بين الشباب، والاغتصاب، والمخدرات، والجنس المرضي أحياناً، وامتهان الجسد وعدم اعتباره طابو، مجتمعة وداخل نظام قصصي محكم وسردية سلسلة وبلا تعقيدات لغوية مكنت الرواية من وصولها إلى جمهورها الأول، الشباب، قبل أن تعبر من خلال السبل الإشهارية إلى الجمهور الواسع. هذا لا يعني مطلقاً أن المشكلات المثارة لا علاقة لها بالحاضر، بل هي في صلبه، تمس المجتمع الإنساني قاطبة، مثل الجريمة والمخدرات والاغتصاب وغيرها من العناصر التي تشكل اليوم أزمة المجتمعات الحديثة. لمن أراد أن يقرأ هذا الأدب أن يتخلص (مؤقتاً، زمن القراءة) من النموذج الكلاسيكي للرواية، حتى تكون أحكامه مؤسسة على الرغبة في الفهم وليس الحكم، لأن جمهور سارة ريفنز المكون من 7 ملايين ليس في عمومه الجمهور التقليدي، ولكن جمهور المنصات والتشات والفيسبوك والتيكتوك، وغيرها من الوسائط الاجتماعية. فهو جمهور شاب عموماً من 15 إلى 25، يعيش هذه اليوميات القاسية والتيه والخوف من مجتمع لا يعترف به|، يكاد يكون عالم هؤلاء الشباب الافتراضي عالماً تحت – أرضياً. ولهذا، لا نجد فيه أثراً لموضوعات الرواية الكلاسيكية والمشكلات السياسية التي تحكم مخيال الأجيال الكلاسيكية، لا خطاب سياسي، لا قضايا ثورية، لا وطنية زائفة في مجملها، لا حرب أوكرانيا ولا قضية فلسطين، ولا الثورات العربية، ولا الأزمات الاقتصادية الدولية، عالم مغلق في فقاعة الافتراضية يرى من خلالها عالماً غريباً وأوضاعاً قاتلة عاشتها إيلّا في جسدها وجلدها المحروق بأعقاب السجائر. إذن بأية لغة نتحدث مع هذا الأدب؟ باللغة الموروثة من النص الكلاسيكي الذي ينتمي إلى حلقة أخرى؟ أم بلغة أدب المنصات الذي هو في الأصل رقمي، كل شيء فيه يتم على المنصة؟ عالم افتراضي لا نعرفه جيداً، لأننا عندما ندخل إلى منصة «واتباد» نضيع داخل غابة من النصوص، من القيمة المبتذلة حتى القيمة العالية. سوق كبيرة. ساره ريفنس سحبتنا نحوها بهذا النص الذي يشبه الثلاثيات التي تنتمي إلى دارك رومانس، التي صدرت في السنوات الأخيرة مثل ألوان غري الخمسون Les Cinquante nuance de Grey . لقد انتهى هذا الأدب أن يكون كذلك منذ اللحظة التي خرج فيها من المنصة ليصبح ورقياً؟ وهل هو ورقي حقيقية بينما نشأته الأولى كانت على منصة «واتباد»؟ لهذا انطلقت من فكرة بسيطة أنه يجب قراءته أولاً، وقراءة الرواية بفكر مستقل قليلاً والخروج من الأحكام المسبقة فقط، لأن سارة التي عمرها 24 سنة تحولت روايتها «رهينة» بسرعة غير مسبوقة إلى ظاهرة غريبة في فرنسا، حيث الأبواب ليست مفتوحة بسهولة. إن تأمل الظاهرة من خلال النصوص بدل ضربها مسبقاً قبل قراءتها وتحكيم المعيار الإيديولوجي، أمر غير دقيق بل غير صحيح، ولو سُخِّرَ المعيار التجاري لكان ذلك أقرب إلى الحقيقة؛ لأن وراء الشابة أكثر من سبعة ملايين متابع. ما قرأته من تعليقات مجانية وسهلة وغير متبصرة اعتمدت على الشتيمة والاحتقار ويد الاستعمار والتهم المجانية، لا معنى له وشديد البؤس. كيف نحتقر شيئاً لا نعرفه؟ والمضحك في ذلك كله، هل لنا تأثير في مسار هذه الرواية؟ صفر، لأن النص خطّ طريقه خارج المؤسسات وخارج أي سند رسمي. باستثناء زيلي وهاشيت، لا أحد له يد في شهرة رواية سارة ريفنس، ولا في انطلاقتها الجماهيرية سريعاً، ولا في احتلالها المراتب الأولى في الشهور الأخيرة من بين كل المنشورات الفرنسية والمترجمة إلى اللغة الفرنسية. ننتظر أن تتم ترجمة هذه الرواية قريباً وربما فازت بهذا الحظ «دار نوفل» المرتبطة بهاشيت صاحبة الملكية على نص سارة ريفنز، ليتمكن القارئ العربي من معرفتها وقراءتها. الرواية (الأجزاء الثلاثة) بيع منها أكثر من نصف مليون نسخة في فترة أشهر قليلة، وترجمت إلى أكثر من تسع لغات.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com