أبحاث

مسارات الحروف وكواليس الكتـابة .الحلقة ١١

بيدر ميديا.."

مسارات الحروف وكواليس الكتـابة .
موسكـو / المسارات الشـائكـة والأوجـاع المؤلـمـة .

1- الحـياة في مـوسـكو : مدرسة الصعوبـات، وقـوّة الحضور : ح11
* مكثتُ في ذلك المكان المخصص للطلبة 5 ايـام ، وذات مساءٍ حـلّ بغرفتي التي أسكن فيهـا، شابٌ صغير السِـن، فلسطيني من قـطر، كان هـادئـاً وبسيطـاً ومتواضعـاً، وعلائم الذكاء بـادية عليه، كان اسمـه ” حـسن صافي ” جاء على نفقـة عائلتـهٍ الموجودة في قطر، وكان يروم ” دراسة طـب الأسنان ” ، تعارفـنا في تلك الليلة، وعند الصباح ، ذهـبنا إلى مكتب د. أحمد الهـلسـه ، فقال د. أحمد : بالنسبة للأخ حسن صافي، سوف نبعثك غـداً إلى ” أوكـرايينـا ” أنت ومجموعـة من الطلبة، حيث دراسة طب الأسنان هـناك أرخص، فوافق وأعـد نفسهِ للسفر، فقلت : أنـا صارلي إسبوع، ولا أعرف أين أنـا ! فقـال د. أحمد الهـلسه : المصيبة يا صديقي، أنّـك تريد العيش والسكن لوحـدك، وهـذا مكلف وخـارج سياق المـألوف للسكن في معـاهـد روسيا كلهـا، وفي هـذه الأثناء، كان هـناك شابٌ ، متوسط العمر، أردني ، كان اسمهُ د. أحمد ضمور، وكان خريّـج قـانون ، وداخل ضمن مجموعة د. أحمد الهـلسه ، الخاصة بقبول الطلاب في موسكو، فقال لي : يمكن أن أجد لك في ” معهـد الدراسات الفولكلورية والموسيقية وإدارة المكتبات” وهـو معهـد متخصص بهذه الفنون، بعيد عـن مركز مدينة موسكو، ويقع في شمالهـا، بمنطقةٍ تُـعرف بـ ” ريـﭽـنوي فـاﮔــزال ” وأنـا أُدرّس هـناك” ومكتبة لينين ” قريبة مـنك، وتستطيع أن تقـرأ ما شـئت فيهـا، فـوافقت على طـول، فقـال : لكن عليك أن تـدفع ” الإيجار السنوي 350 دولار ” في السنة، فوافقت ، ثم أضاف ، أن هـناك أخي ” سليمان ضمور، وبعض الطلبة العرب بحدود 10 طـلاّب . قلت ، هـذا جيّد، وذهبت إلى غُـرفتي، وأحضرت حقيبتي، وبعض الأشياء الأخرى ، ووضعـناهـا في سيارتـهِ، وانطلقنـا إلى ذلك المعهـد ، في ” ريـﭽـنوي فـاﮔــزال” والتي تعني في اللغة العربية ” الميناء النهـري ” وصلنـا بعـد حوالي الساعة والنصف، ودخلنـا باب المعهـد، فـاجلسني في صالة الإنتظار، ودخل على سكرتيرة المعهـد، واتّـفق معهـا على كل الأشياء لدراسة ” اللغة الروسية ” في السنة الأولى، في هـذا المعهـد، وخرج بعـد نصفِ سـاعة، وجاء بأوراق ” كونتراكت ” باللغة الروسية، فوقعت عليهـا ، بعـد أن قـرأ عليّ مضمونـهـا، ثم عرّفني على ” سكرتيرة المعهـد ” فقالت باللغة الروسية، ود. أحمد يترجم لي : بعـد قليل سوف نُصدر ” بريكاز – أي أمر إداري ” بإلتحـاقك بالمعهـد، وسوف ترافقك السيدة ” لـوليـانـا ” لتريك الشقّـة التي تسكن فيهـا لوحدك، وفعلاً خرجت هذه السيدة ، وهي في السبعين من العُـمر، واستقلينـا سيارة د. أحمد ضمور، وتوجهـنا إلى السكن المخصص للطـلاب، وهـو يبعد عـن إدارة المعهـد بحدود 5 دقائق سيراً على الأقـدام، وصلنـا هـناك ، وصعدنا إلى الطابق العاشر، ففتحت تلك السيدة العجوز ” باب الشقّـة ” وسلّمتني نسختين من المفتاح، وقالت : هـذه الشقة لك وحدك، ولمدة سنة كاملة، ثم قالت : دسفي دانيـا – أي مع السلامة . بعد ذلك توجهـنا أنا ود. أحمد ضمور إلى البناء الثاني للسكن الطلابي، حيث يسكن هـنـاك أخـوه ” سليمان ضمور ” فعرّفني عليه وعلى بعض الطلبة العرب من فلسطين وسوريـا والأردن . فقام الأخ سليمان ضمور وقال : قـدمك خيرٌ علينـا ، ونحن الآن نعـدّ الطعام ” منسف أردني ” يليقُ بك كضيف، طلّيت علينـا في هذا اليوم، وأعتقد أنه كان يوم جمعة، فاستقريتُ هـناك مع هذه الصحبة الجديدة، وهـم كلهـم شباب، لا يتجاوز أكبرهـم 28 سنة، فيما كنتُ أنـا قـد دخلت العقد الرابع من عُـمري . وكانت صحبة جميلة مع هـؤلاء الشباب .
* بعـد أسبوعين من بـدءِ دراستي للّـغة الروسية، تعرفت على ” مدرّسة روسية ” ليس من معهـدنـا، بل من مدرسة متوسطّـة قريبة من معهدنا ، وقد سـاعدتني صدفةً، وأنـا أتبضّـع بعض الأشياء من مخزن تجاري، مقابل المعـهـد، حيث لم أكن أعرف أسماء الأشياء والبضائع المعروضة، فشاهـدتني مرتبك، وهي بحسّـهـا المدرسي أدركت ذلك، إقتربت منّي وقالت : ” شتو فـام نـادا ؟ ” وتعني ماذا تـريدون ” فقلت لهـا باللغة الإنجليزية : ” I wont that is ” وأشرت لهـا بإصبعي، ففهمت علي ، وقالت بلغة إنجليزية وسطى، do you live here ، هل أنت تسكن هُـنا ؟ فقلت نعم، وأنـا طالب جديد في هـذا المعهـد، وأشّـرت لهـا بيدي . تسـوّقنـا حاجاتـنا وخرجـنا من المخزن، ولم يكن هـناك مقهـى أو كافيه ، للجلوس وشرب الشاي أو القهـوة، فـدعوتهـا إلى زيارتي في البيت لنشرب شايـاً أو قهـوة ! فقالت : دعهـا إلى يومٍ آخر، حيث الآن يتوجّـب عليّ الذهـاب إلى البيت ، وإنتظار إبنتي، والتي سوف تـأتي من مدرستـهـا الإبتدائية، ثم استدركت وقالت : ” كـاك فـاس زافوت ” وتعـني ، مـا إسمك ؟ قلت ” مينيا زافوت سعيد ” إسمي سعيد . فقالت : مينيا زافوت سفيتلانـة – إسمي سفيتلانة، وأضافت : يـا أوﭼيتيل نيتسـا ” وتعني : أنـا مُعلّـمة ” للغة الروسية، لطلبة المرحلة الثانوية والمتوسطة، قلتُ هـذا جيّـد ، فـأنا بحاجة ماسة إلى ” مُدرّسة لغـة روسية ” تعلمني أساسيّـات اللغة الروسية، بمبلغ بسيط ، مقابل ” 50 دولار في الشهـر ” لأربع ساعات في الأسبوع. فوافقت مباشرة، وأعطيتهـا عـنواني وإسمي بالكامل، ورقم شُـقّـتي، على أن تكون الدراسة بعـد الدوام الرسمي للمعهـد، وهـو ما يتوافق مع دوامهـا الرسمي في مدرستهـا، حيث أنهـا تنهي دوامهـا بعـد الساعة 2 ظهراً، وبـدأت تعلّم اللّـغة الروسية، بكل إصرار وعزيمة، حتى أن دراستي للغة الروسية، كانت لا تقل عـن 10 ساعة في اليوم/ 4 ساعات في المعهـد ، و4 ساعات مراجعة وتدقيق و2 ساعة ، مع المدرسة الخصوصية .
* إستمرّيت على هذه الحـالة لمدة 4 أشهـر، أي أنهيت ” السِـمسـتر الأول من الدراسة، وتطوري باللّـغة لم يكن بمستوى الطموح، بطئ ” بحكم السِـن ، فـأنا في الأربعينـات واللغة الروسية صعبة بعض الشئ، ويحتـاج أن يتعلمهـا الإنسان بعد المرحلة الثانوية مباشرة، ولكن وجـود هذه المُـدرّسة ، ساعدني كثيراً في تعلّم أسياسيات اللغـة الروسية، من تصريف الأفعال، ومعرفة الأسماء المؤنّـثة والمُـذكّـرة، والصفات وحروف الجر، والقواعـد في تركيبهـا، بين النُـطقِ والكتـابة، ومـا شابه ذلك من أمور اللغة الروسية ، وكانت السيدة سفيتلانـة – المُـدرّسة، تحرص جـداً على إيقـافي على مُـضمّرات اللغة، والقواعـد الأساسية في النطق، ومعرفة الشاذ من القـاعـدة، في الأسماء والأفعال، وتحرص دائمـاً على مخاطبتي في اللّـغة الروسية، وهـي تؤكّـد عليَّ بضرورة ” البراكتس في اللغـة ” وتحثّـني على ضرورة إيجـاد ” صديقة روسية ” كي تتعلم بسرعـة ولغة أسلم، وكنت أداري خجلي من هذه المسـالة، فقـالت : إن هذه الأمور، ليست كمـا هي عـندكم في بلادكم، هُـنا العلاقات الإجتماعية مفتوحة، وعـادية جـداً، فقلت سنحاول ذلك ، ولكني لم أفعل، لأني أشعر بـأني رجلٌ في الأربعينـات، ولا يصح أن أكون مُـراهـقـاً، في هذا السن مرّة ثانية .
* حَـلّت العطلة الإنتصافية / حوالي إسبوعين / وكان من بين الطلبة الدارسين ، طالب فلسطيني، من سكنة المخيّـم في الشام، إسمه ” نعيم ” قرر الذهـاب إلى دمشق، خلال هذه الفترة، فحمّـلته رسالة إلى الصديق ” نـاجي علوش ” وأعطيته عـنوانـه في ” مقر إتحاد الكتّـاب الفلسطينيين بدمشق” وكنت أستوضح فيهـا عـن مسألتين، الأولى عن ” حـوار مطوّل أجريته مع د. طيّـب تيزيني، والثاني ، عـن البحث الذي أودعـته لديه عن الخطّـاطين في العصر العبّاـسي ، وبعد إسبوعين عـاد ذلك الطالب ” نعيم ” إلى المعهـد ، وسلّمني رسالة من الصديق ناجي علّـوش، وفيهـا : 600 دولار، مفصلة على النحو التـالي : 300 دولار عـن حواري مع د. طيّب تيزيني، حيث نشرهُ في ” مجلة الوحدة العربية ” الصادرة في ليبيـا . و 300 دولار أخرى عـن ” بحث خطّـاطو بغـداد في العصر العبّـاسي ” حيث أصدرهُ بكتاب ، صغير الحجم، عـن دار النمير للطباعة والنشر بدمشق، وهي تعـود للصديق الناشر الأستاذ حمزة بـرقاوي” فقـلتُ في نفسي ” وعلى نيّـاتكم تُـرزقون
* * *

* أنهينـا السنة الدراسية الأولى في تعلّـم اللغـة الروسية، أو ما يُـعرف بـ ” بتـﮔـتافيتلني فاكولتيت ” أي الكلية التحضيرية” ، وعليّ أن أنتقل إلى جـامعـة أخرى، فالمعهـد الذي أنـا فيه ليس هـو مقصدي، حيث كان مقصدي ” معهـد الإستشراق ” في موسكو، فقبل أن أنتقل إلى أيِّ مكان، إتصلت ببعض الأصدقاء لإيصالي إلى د. تـوفيق سـلّوم ، أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة موسكو وغيرهـا، فحصلت على عـنوانـه ورقم هـاتفه، واتصلت بـهِ مساءً، وأخبرتـه بأني أحملُ إليه رسالة من د. أحمد بـرقـاوي” فـأعطاني عـنوان بيته في منطقة ” يـوﮔـا زابدنيـا ” واتفقـنا على أن نلتقي في عطلة نهاية الأسبوع، زرتـهُ في يوم الأحد ، من شهـر تموز/ 1994 ، وكانت البناية التي يسكن فيهـا مُخصّـصة بالأساس للمترجمين العرب الذين كانوا يشتغلون في ” دار التقـدم – موسكو ” زرته صباحـاً ، بحدود الساعة 11، سلّمت عليه بحرارة، حيث سبق لي وإن اطّلعت على بعض دراساته الفلسفية والنقدية، في التاريخ وفي الفكر الإسلامي، وسَـلمتـهُ رسالة د. أحمد برقاوي، ففرح بهـا، وعلم من خلالهـا بـأني ممّـن يهـتموم بدراسة التراث الإسلامي ، بشكلٍ نقـدي، وتبادلنـا الحديث، وقد سـالني عـن دراساتي المُنجزة، فأخبرته بـأن لدي 4 كتب منشورة، وآخر في الطريق،إضافة إلى ” مشروعي الذي أنهيـته في ” ثـلاث مجلدات ” وهـو ” ورّاقو بغـداد في العصر العبّـاسي ” فسـالني : هـل إطّلعت على بعض دراسات هـادي العـلوي في التراث العربي – الإسلامي! فـأجبتـهُ ، بـاني تلميذه، وقد اطلعت على كل كتبه، وكتبت عـنهـا في الصحف والمجلات السورية والفلسطينية واللّـبنانية، فـازداد إعجابه بي، واتفقـنـا على زيـارة ” معهـد الإستشراق ” في الأسبوع القـادم، حيث سنقـابل أكبر المستشرقين الروس واشهـرهم سمعة هـو ” الأكاديمي فيـتالي نـاوومكن ” رئيس معهـد الإستشراق في ذلك الوقت، وفعـلاً قابلـناهُ في الأسبوع التـالي، وجرى الحديث عـن الموضوع الذي أنـا قـد أنجزتـهُ وهـو : الورّاقون في العصر العبّـاسي ” فقـال فيتـالي نـاوومكن : نحنُ مـن يحدد الموضوع الذي تريد أن تـدرسه وتناقش فيه، قلت أنـا موضوعي جـاهز، وفتحت حقيبتي، وأخرجت البحث، بـأجزاءه الثلاث ، فرفض نـاوومكن ذلك، وخرجـنا أنـا ود. توفيق سلّوم من معهـد الإستشراق، على أمل أن نلتقي في الأسبوع القـادم .
* عُـدتُ إلى مكان سكني في ” ريـﭽـنوي فـاﮔــزال ” ، وعند المساء كان د. أحمد ضمور، ضيفـاً على أخيه ” سليمان ضمور ” وحكيت له عـن لقاءنـا هذا اليوم برئيس معهـد الإستشراق ” فيتـالي نـاوومكن ” فـاقترح على د. احمد الضمور، أن أكمل دراستي في ” جامعة الصداقة بين الشعوب ” وهناك ” قسم التـاريخ العـام” وهم يهـتمون بالدراسات العربية – الإسلامية، فاستحسنت الفكرة، لا سيما وأن هـناك الكثير من المفكرين والكُـتّـاب الذين تخرّجوا منهـا، وأغلبهـم ” أعـلام في الثقافة والأدب والسياسة وعلم الإجتماع، فقلتُ : حسنـاً، فلنتوجّـه إلى هـناك. فقال د. أحمد الضمور : سـاتصل بمكتب د. أحمد الهلسـا، ليرسل معكم أحد العاملين وهـو الصديق ” أحمد ” وهـو طالب ماجستير في كلية الهـندسة، وله معارف كثيرة في ” جامعة الصداقة” وتم الإتفاق على ذلك، وذهـبنا ” أنـا ومحمود ” إلى هـناك ، ودخلنـا إلى ” كافدرا – التاريخ العـام ” في كليّـة الآداب والعلوم الإنسانية، فاستقبلـتـنا السيدة ” يـوليا فـاسليفـنا ” معاونة رئيس القسم ” أي الكافدرا ” وهي أيضاً، أستاذة مختصّـة يتاريخ الثورة المصرية، وثورات العالم العربي، وتم الحديث معهـا حول دراستي في هـذا القسم، وأخبرتهـا عـن ” موضوعي ” الذي جئت من أجله، فـاعجبت بالموضوع وقالت : سوف يُـسعـد رئيس القسم ، البروفيسور والأكاديمي المعروف ” أحمــد أحـمدفيـﭻ إسكنـديروف ” وهـو مسلم تتـري ، ومن عاشقي التراث العربي – الإسلامي ، وهـو على وشك الوصول إلى الكـافـدرا ، وسوف نشرب الشاي لحين وصولـه، وفعـلاً ، بعـد دقائق معـدودة، وصل البروفيسور إسكنـديروف ، فنهضنـا جميعـاً، وسلّم علينـا بقوله ” السلام عليكم ” وكأنه يعرف بـاننـا عرب، فعرّفته بنـا، مساعـدته السيدة يوليـا فاسليفـنا، وقـدّمت لـه الموضوع الذي جئت من أجلـه وهـو ” ورّاقو بغـداد في العصر العبّـاسي ” فَـسَـرَّ حين رأى العمل، بمجلداته الثلاث، وبعض مؤلفاتي، وكنتُ مُـستصحـبـاً معي ” مختصراً عـن الموضوع باللغة الروسية ” كان الصديق الراحل المترجم المعروف ” عـاطف أبو جمـرة ” قد ترجمه لي ، عندما كنت بدمشق، فاطّـلع عليه البروفيسور إسكنديروف، فـأعجبة غـاية الإعجاب، وقال لمساعـدته : إعملي ” بريكـاز ” أي أمر إداري، لقبول الطـالب خيرالله سعيد، في كافـدرا – فسوبشي إستوريـا ” أي قسم التاريخ العـام، واتصلي ” بقسم العلاقات الدولية – مجدونـارودني أديل ” وتحدثي مع السيدة ” نـاتاشا ” واخبريهـا بقبولـنا لهـذا الطالب، كي تعمل لـه ” بريكاز من الجامعـة ” حتى يكمل إجراءات الإقامة والسكن في الأبشيشيتي ، والأمور الأخرى، فاتصلت بهـا، فقالت ” نتـاشـا ” أُرسليه لي الآن، كي أعمل لـه البريكاز، وفعـلاً ذهبنـا أنـا وحمود، وسلمـنا على ناتاشا، وكانت إمرأة طيبة جداً ، حتى إنهـا قللّـت من السعر الرسمي ” 1500 دولار – 1200 دولار ” فشكرتهـا جداً على لُطفهـا وحسن معاملتـها، وصرنـا أصدقاء منذ تلك اللحظة، حتى أنهـا ” أنهـت كل الأمور الإدارية خلال نصف ساعة، واتصلت بمسؤول السكن، في البلوك 8 ، قائلة لـه : هذا الطالب في ” الدراسات العليـا” فضعـه في الأماكن المخصصة لطلبة الدراسات العليـا، وأعطتني نسخة من الأمر الإداري، فـاخبرتهـا بأني لا أملك المبلغ كـاملاً، فقالت : هـات نصف المبلغ، وبعـد ذلك أُكمل النصف الثاني في بداية السمستر الثاني، فسلمتهـا نصف المبلغ ” 600 دولار ” وهو ذلك المبلغ الذي كان بعثه لي الصديق الراحل ” نـاجي علوش ” فسلّـمتني” إيصالاً رسميّـاً ” بالمبلغ، ثم ذهبنـا أنـا ومحمود إلى البلوك السابع المخصص لطلبة الدراسات العليـا، وسلمت لمسؤول السكن ” البريكاز ” فـاستصحبني إلى ” غـرفة في الطابق الخامس رقم 507 ” وسلّمني المفتاح قائـلاً : هـنا معك طالب آخر، هو أيضـاً طالب دكتوراه، لكنه يشتغل، ونـادراً مـا يـأتي إلى الغرفة، فعش لـوحدك ، فشكرتـه على ذلك ، وفي اليوم التالي أتيت بحقائبي إلى تلك الغرفة، وودعت أصدقائي في ” معهـد ريـﭽـنوي فـاﮔــزال ” .
* * *
* الحـياة في جـامعـة الصداقـة :
* تكمن أهمية ” جامعـة الصداقة ” في كونهـا واحدة من أبرز الجامعات الروسية الإتحاديّـة ، أُسِّست في 5 / فبراير / 1960 ، بقرار من حكومـة ” الإتحـاد السوفيتي السابق، وفي 22 / شباط – فبراير / 1961 ، أُطلق عليهـا إسم ” باتريس لومومبـا ” الثائر الإفريقي، وأوّل رئيس لحكومة جمهـورية الكونغـو الديمقراطية ، في جنوب أفريقـيـا ، والذي أعـدمته ” حكومة البيض ” التابعة للغرب” في جنوب أفريقيـا .
*وبعد سقوط الإتحاد السوفيتي، تغيّـر إسمهـا إلى ” الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب ” بـدأً من تاريخ 5/ شباط / 1991 . وتعرف جامعة الصداقـــة ” إختصاراً ” بـ( RUDN ) وهي مجمع علمي، تعليمي، يضم 10 كُـليّـات أساسية هي : 1- كلّية الزراعة . 2- كلية الآداب والعلوم الإجتماعية والإنسانية. 3- كلية الهندسة. 4- كلية الطب والصيدلة. 5- كلـية اللغة الروسية واللغات الأخرى، 6- كلية الفيزياء. 7- كليّة حماية البيـئـة . 8- كليـة الإقتصاد . 9- كليّـة الحقوق . 10- كليّـات ثلاث للتدريب وزيادة المهـارات، و3 كليّـات عامة، و7 معـاهـد و33 مركزاً للبحوث العلمية، وأكثر من 150 مخبراً علميّـاً .
* وأهـم ما يُـميّـز جامعة الصداقة، هـو التّـنوع الإثني والقومي للطـلاب، حيث يوجد ما يقارب ( 450 ) قومية مختلفة من أكثر من 140 دولة،ويدرس في هـذه الجامعة حوالي ” 26 ألف طالب ” في مختلف المراحل . وفي عـام 1975 حصلت الجامعة على ” ميدالية الصداقة ” لخدماتهـا في مجال تدريب الإختصاصيّين لدول آسيا وأفريقـيا وأمريكـا اللاّتيتية . وكان يرأس هذه الجامعة البروفيسور الراحل ” فـلاديمير فـلاديميرفج سـتانس ” .
* في هذه الجامعة، يدرس طـلاّبٌ عـرب من من 10 دولٍ عربية ، هي : مصر ، الأردن ، العراق، فلسطين ، سوريـا، البحرين ، الإمارات وقطر .
* وفي هـذه الجامعـة، إستطعـنا ، أنـا ومجموعة من الطلاّب العرب من تـأسيس ” إتحـاد الطلبة العرب، وتـأسيس النادي الثقافي العربي ، بجامعة الصداقة عام 1995 ، والذي فرض وجـوده الثقافي ، من خلال ” الإسبوع الثقافي العربي ” في كل عـام، مواكبـاً لعيد الأول من أيـار ، الذي تقيمه الجامعة ، ويعـد أحد أبـرز الفعاليات الثقافية التي تشرح مفاهيم وأبعـاد الثقافة العربية، ونقل تقـاليدهـا إلى الطلبة الأجانب والروس في هـذه الجامعة، وسوف يـأتي الحديث مفصلاّ على تلك النشاطات الثقافية في الصفحات القادمة .
* في أول إجتماعٍ للكـافدرا، حضر كل الأساتـذة والمدرّسين وطلبة الدراسات العليـا، وقد حضر معي هذه المرّة الصديق د. مُـرتضى العـلاّق ، وهـو كان قد تخرّج من هذا القسم، وجاء اليوم لِـيُعّرف بي كل أعضاء الكافدرا، وقدّمني بشكلٍ رائع، ورحب الجميعُ بي، ثم بـدأ البروفيسور إسكـنديروف بـتوزيع المهـام على الأساتذة، وتخصيص الأساتذة المشرفين على طـلاّب الدراسات العليـا، حيث سيكون لكل طالب أُستـاذاً مُـشرفـاً ، يسمى في اللغة الروسية ” روكافـاديتيل ” أي القـائد العلمي، وقد خُصّص لي واحدٌ من أكفـأ الأساتذة، هـو البروفيسور ” إستيبان بيتروفيج ، مـامونتـوف ” وكان أديبـاً معروفـاً، ومؤلِّف لكتبٍ كثيرة، وكان صديقـاً للشاعر الشيلي ” بـابلـو نـيرودا ” وقد كان في زمن الإتحاد السوفيتي عميداً لكلية الآداب في الجامعـة، وهـو اليوم أستاذاً محاضراً في قسم التاريخ العـام .
* كان البروفيسور ” مـامونتوف ” فرحـاً بي، بعـد أن سمع التقديم الثقافي الذي قدّمني فيه الصديق د. مرتضى العـلاق ، ومن تلك اللّـحظة، أصبح هـو ” القـائد العلمي لي ” روكافاديتيل ” فـأطلعـته على سيرتي الذاتية، وكتبي المنشورة، إضافة إلى ” مشروعي الثقافي الكبير الذي جئت من أجله ، ألا وهـو ” ورّاقو بغـداد في العصر العبّـاسي ” ولمّـا اطّـلع على ” ملخص العمل ، باللغة الروسية، انذهـل جداً وقال : هـذا العمل يستحق أكثر من دكـتوراه، وأنت الآن في ” مرحلة الماجستير، ومطلوب منك ليس أكثر من 120 صفحة، وعملك هـذا يقع في 3 مجلدات ضخمة ” 1200 صفحة ” فـدعـنا نختـار ” بـابـاً واحـداً مـنه ” مُهمّـاً وكبير بعض الشئ، فوقع الإختيار على باب ” خـطّـاطو بغـداد في العصر العبّـاسي ” لنشتغل عليه بشكل منهجي، ووفق الأُسس الأكاديمية المعروفة ، فـوافـقـته على ذلك .
* وفي الأسبوع التالي، كل يوم جمعة، تجتمع الكـافدرا – القسم ، لمتابعة الموضوعات، وسير التعليم للطلبة تحت إشراف الأساتـذة المكلّفين بهـم، وأثناء الإجتماع ، طرح البروفيسور ” مـامونتوف ” وجهة نظرهِ في عملي بشكل عام، ثم أخبر الكافـدرا بإننـا إتّفقـنا على موضوعة ” خـطّـاطو بغـداد في العصر العبّـاسي ” كـأطروحة تقدّم لنيل درجة الماجستير، فـوافق أعضاء الكافدرا على ذلك، ودوّن هذا الأمر في سجل الإجتماعات للكافدرا، على أن يرفع ذلك إلى إدارة الكليّـة، مع محضر إجتماع الكافدرا بأكمله. وكان معي 3 طـلاّب عرب، في مرحلة الدكتوراه، هُـم كل من : الزميل هشام محسن السقّـاف، من اليمن، وكان موضوع أطروحتهِ ” الحركات الإسلامية المعاصرة في العالم العربي” والزميل علي عبد الرحمن، من اليمنِ أيضاً، وموضوع أطروحتهِ للدكتوراه كانت عـن ” حركـة القرامطة الثورية في التاريخ العربي الإسلامي ” وكان هـناك زميل من فلسطين / لم أعد أتذكّـر إسمه / كان موضوع أطروحتهِ للدكتوراه ” فلسفة إخـوان الصفـاء ” . وهذه الموضوعات كانت قـد أسرّت البروفيسور إسكنـديروف ، واعتبرهـا من الموضوعات الهـامة جداً في التاريخ العربي – الإسلامي ، وهكذا أُقفـل المحضر، ورُفع إلى ” عمـادة الكليّـة ” للإطلاع والتدوين في السجلات العامة للكليّـة .
* كان من ضمن ” المُقـرّرات ” علينـا، في مرحلة الماجستير، أن ندرس اللغة الروسية وآدابهـا، والفلسفة الإجتماعية – لماكس فيبـر، والمدرسة الغربية ” وكان البروفيسور إسكـنديروف، يُـدرّس هـذه المـادة، ضمن دروس ” علم الإجتماع ” كما كانت لدينـا ” دروس عـن التربية وعلم النفس التربوي، إضافة إلى ” التخصّص ” عند كل طـالب في موضوعه .
* عـرفـنا جـدول المحاضرات، وموعـد الإجـتماعـات، وطريقة اللّـقاء بالأسـاتذة، عبر مسـاعدة رئيس الكافدرا د. يوليـا فاسليفنـا . وعـمومـاً كانت هذه المقررات في ” السِـيمستر الأول، من السنة الأولى فقط، وبعد ذلك تصبح العلاقة الفردية مع الأستـاذ المشرف عليه .
* عـند نهـاية الإجتماع، طلبت منّـي مساعدة الكافدرا د. يوليا فاسليفنـا أن أبقى في الكافدرا، لإستكمال بعض المعلومـات الخاصة بي ، ثم اقترحت عليّ أن أُعلّـم الطلبة الروس اللغة العربية، فوافقت على ذلك، فاتصلت مباشرة برئيسة قسم اللغة العربية، وكانت أستاذة قديرة، تجاوز عمرهـا السبعين سنة، لكن الجامعة متمسِّـكةٌ بهـا، نظراً لخبرتهـا الطويلة في تعليم اللغة العربية، وكان هذا القسم الخاص باللغة العربية، يقع في البلوك الثاني، ضمن سكن الطلبة، وليس في ” الكريست ” الخاصة بالجامعة، فذهبت إليهـا، ورحّبت بيّ بلغة عربية رائعة، ثم استصحبتني معهـا إلى ” قاعة طـلاّب اللغة العربية” وكان الطلاّب الروس بعمر الـورد، أكبرهم لا يتجاوز عمرة العشرين سـنة، فقالت لي : إبـدأ معهـم بموضوعة ” لفـظ الكلمات العربية ” وفق ما نلفُظه نحن العرب، أي ما يُـعرف بـ ” الأكسنت ” أي اللهجة والتـلفّـظ، فشرحتُ لهـم ” حروف الحلق، وحروف الغُـنّـة،، والحروف المُدمجة أثناء التلفّـظ ، والحروف القمرية والشمسية ” . وتعـمّـدتُ أمامهـم أن أكتب الحروف العربية ” بالخـط العربي ” فانذهـلوا لجمالية الخـط بالحرف العربي، وفنيّـة الكتـابة فيه، فـزاد حُـبّهم لتعلّم اللغة العربية، وكانت رئيسة القسم العربي مُـرتـاحة جداً لشكل الأداء الذي أقدّمـه في الشرح والتفسير والكتـابة، وعبّرت عـن سرورهـا لهذا الأسلوب .، واتّـفقت معـهـا على ” 4 ساعات في الأسبوع، مقابل راتب شهـري يساوي ” 800 روبل ” فوافقت على ذلك، وهذا الأمر سوف يزيد من دخلي الشهـري، حيث أن الجامعة تخصص لنـا شهـريّـاً راتباً مقداره ” 600 روبل ، وللطلبة المتفوقّـين 800 روبل ” وليس لدي مـا أعتاش بهِ غير ذلك، فكان يسـد الرمق ويستر العـوز .
* رحّب بي الزميل والصديق هشـام السقّـاف، وكانت غرفته مُلاصقة لغرفتي في المبنى السكني، فيما كان الشاب الفلسطيني شفيق شحرور، من فلسطين ، و3 طلاّب من السودان، وكان على رأس هذه المجموعـة الصديق الجميل ” مأمون الـورّاق ” وعادل الضو” وشخص آخر أفغـاني ، كان إسمه ” نجيب ” وطالب روسي مسلم، وطالب آخر من جمهـورية الكونغـو برازافيل ، وواحد آخر من جمهـورية أنـﮔـولا ، وطالب آخر من الصين الشعبية، وشخص أرمني هـو وزوجته ، كانوا يشتغلون في الجامعـة، كل هـؤلاء كُـنّـا نعيش في الطابق الخامس من البلوك الثامن .

* كما كان هـناك – بنفس الطابق، مطبخ عـام، ودورات مياه، فيمـا توجد في الطابق الأرضي ” في القبو ” الحمّـامـات ” للسباحة وغسل الأجسام والملابس .
* في خـارج المبـاني السكنية، كان الطلبة اللّـبنانيّـون، قـد فتحـوا محلاتٍ لبيع ” الشاورمة والفلافل ” كانت مطاعم صغيرة، توسّـعت فيمـا بعـد، وأصبحت من المطاعم الجيدة، تعرّفت عليهـم شيئـاً فشيئـا ، وأصبحوا أصدقائي في مرور الزمن، لا سيما الصديق ” عـامر ريشـا ، مسيحي، وحكمت صميلي ، مسلم ، وهذا الأخير أصيح أقرب صديقٌ لي أثق بـهِ ، ثم هـناك من الطلبة الفلسطينيّن كل من ” مصطفى الزامل ” طالب طب، تخصص طب الأعصاب، وكان من أنـبه الطلاّب، ومُـمثـلاً للجبهـة الشعبية لتحرير فلسطين، وهـناك الطالب في كلية الهندسة الميكانيكية الطالب الفلسطيني نضال أبو قش، وصاحبهُ نـاصر النوباني، وهمـا من الأرض المحتلّـة، ثم نـاصر العروري، طالب في كلية الهندسة، من الأرض المحتلة، وهـو ممثل للحزب الشيوعي الفلسطيني ، ثم هـناك الطالب الأردني حسن الغـزّو ، صاحب مطعم ” ميراج ” وهـناك الطالب الجميل وأعز صديق لي ” رشيد الجمـل ” من فلسطيني لبنان، كما أن هـناك أصدقاء طلبة من المملكة المغربية . ومن الجزائرِ أيضـاً .
* * * يتبع .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com