ثقافة

عن يوم الشهيد.

بيدر ميديا.."

عن يوم الشهيد.

حاتم جعفر / روائي وناقد.

قال أحد الشعراء في وصفه لمن وهبَ روحه وجسده، فداءا لقضيته وأحسن قولا:
هذا قيام الليل في قسماته نُور يُحارُ بوصفه البلغاءُ.
بعد الإطاحة بالنظام الملكي في العراق وإعلان الجمهورية اﻷولى عام 1958، ذهب البعض الى القول بما يعني بأن هناك تغيّرات جيوسياسية قد حدثت بالمنطقة، ولم تعد رهن إشارة بريطانيا والمعسكر الذي تنتمي اليه. لذا لابد لهذه القوى من التعاطي مع هذا التغيّر على نحو مختلف. وتعقيبا على ما حدث في العراق في صبيحة يوم الإثنين، فقد علَّقَ أحدهم بالقول: لقد هربَ أثمن الجياد وعليه أن يعود الى إسطبله، وهنا يقصد العمل بكل السبل من أجل أن يعود العراق من جديد ليخضع الى تلك البلاد التي لا تغيب عنها الشمس. وما دام اﻷمر قد جرى على النحو اﻵنف، فما سيترتب على ذلك حكما، أن يكون العراق ضمن مناطق نفوذ المعسكر الإشتراكي، بل حتى ذهب البعض الى أبعد من ذلك حين عدوا جغرافية العراق، تمثل الحدود الجنوبية للإتحاد السوفييتي، وبالتالي لا يمكن اللعب على ساحتها بتلك الخفة التي إعتادها المعسكر الغربي.
ودعما لما ذُكِرَ فقد راح الصحفي المعروف والمراسل العتيد لصحيفة الجارديان البريطانية، والذي يُعد مختصا ومراقبا جيدا لشؤون الشرق اﻷوسط، ديفيد هيرتس وفي أحد كتبه التي أصدرها فيما بعد بما معناه: يتوهم مَنْ يظن انَّ العراق ميال في سياساته وتوجهاته نحو الغرب. ولا أعتقد ان جملة كهذه تحتاج الى الكثير من التفسير أو التوضيح. وإنسجاما مع هذا الرأي ودعما له وفي مصادر أخرى وإذا ما كانت تتمتع بمصداقية ويُعتد بها حقاً، فقد حَذَرَ السوفيت سلام عادل اﻷمين العام للحزب الشيوعي العراقي في تلك الفترة، من مغبة إستيلاء حزبه على الحكم في زمن عبدالكريم قاسم.
وإذا إفترضنا ان رأيا كهذاصحيحا وأردنا الخوض فيه، فهو ينطوي على مراهنة صريحة من قبل السوفييت والمعسكر الإشتراكي عموما على شخصية قاسم، حيث يعدونه رجلا،صادقا، لا غبار ولا إختلاف على وطنيته، رغم بعض الملاحظات التي كانت تتسرب وتصلهم من هنا وهناك حوله، وبالتالي يمكنه وبحسب ما يعتقدون، بناء وتشييد نموذج نظام حكم، يتجاوز فيها العديد من العراقيل والعوائق، تعطى من خلالها للبرجوازية الصغيرة والوطنية والقطاع العام بالدرجة اﻷولى ووفق حسابات سياسية وإقتصادية دقيقة.
غير انه وللأسف لم تُقطف الوردة ولم يُشم عطرها، فقد سقطت وتلاشت كل اﻷحلام المشروعة التي كان ينتظرها العراقييون، وسقط معها قاسم ونظام حكمه ورفاقه، على يد حفنة من الإنقلابيين وبقيادة حزب البعث، المدعوم من قوى خارجية، وعلى رأسها شركات النفط العالمية، ولإعتبارات وأهداف تتعلق بمصالحهم، وإستشهد على أثرها الآلاف من الوطنيين وفي مقدمتهم الشيوعيين وعلى رأسهم وفي مقدمتهم قادة الحزب وأمينه العام واﻷبن البار للشعب العراقي، سلام عادل.
وبعد مرور عقد من السنين على تلك التجربة المرة، سيعاد المشهد من جديد، وعلى شكل مهزلة ومأساة، وسيعاد معها ما سمي حوارا وطنيا شاملا، بين مَنْ كان ضحية ذلك الإنقلاب، وبين جلاديه. بين مَن نجح في المسك بالسلطة وعبر وسائل مشبوهة من جهة، وبين مَنْ فُرِضَ عليه أن يكون حليفا لها. ومما عزز من فكرة هذا الحوار أن برزت بعض العوامل التي أعتبرت (مشجعة) على ما رآها الفاعل الدولي آنذاك والمتمثل بالسوفييت مرة أخرى. فعن هذه النقطة فسيتحدثون رفاق الفكر والأديولوجيا عن بعض المنجزات التي أقدم عليها نظام الحكم الجديد، وسيوردون من اﻷمثلة ما وفرت لهم من القناعات ما يكفي لحث أخوة الطريق والنظرية على المضي من أجل التعاون المشترك، وصولا الى بناء الإشتراكية سوية، على حد قول أحد القادة الميامين، والعمل على طوي صفحات الماضي والنظر الى المستقبل بعين أخرى.
ومن أجل تعزيز هذه القناعة والدفع بها أكثر، فسيذكرنا السوفييت ببعض الإجراءات التي أقدم عليها النظام واعتبرها ثورية وفق بعض المقاييس، كتأميم النفط وحل المشكلة الكردية، من خلال سن قانون الحكم الذاتي، كذلك الإعتراف بألمانيا الديمقراطية كدولة مستقلة. الاّ انهم لم يحدثونا عن شهداء اﻷمس وما إذا كان نظام الحكم الجديد سيرد الإعتبار للضحايا ويعدهم شهداء وطن وليسوا شهداء حركة وطنية فحسب. غير انا وللأسف لم نسمع حينذاك حديثا شافيا، يرضي ما نصبوا اليه وما نحلم ويعيد الكرامة لمن ضحى بدمه من أجل الشعب. ودعما لهذا التوجه، اي فتح الحوار، بين حزب السلطة وبين أبرز معارضيها، إستبقوه بإستيزار شخصيتين بارزتين من قادة هذا الحزب المعارض لهم.
وكي لا نطيل أكثر، فقد تم الإعلان عن قيام ما سمى بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وتم التوقيع عليها من قبل قادة الحزبين وذلك صيف 1973. أمّا معارضوها فلم يعطون الفرصة لإيصال صوتهم، بل حتى ان قسما كبيرا منهم تعرض الى نوع من الإقصاء والتهميش، وقسما آخر تمَّ إبعاده وإخراجه من صفوف الحزب وبذرائع شتى، لذا راح الرافضون لهذا التحالف التعبير وبطرق وأدوات مختلفة، عن إستنكارهم لإعلان هذا التحالف، فمنهم من ترك تنظيمه الحزبي إحتجاجا رغم تضحياته وقضاءه ردحا من الزمن في صفوفه. ومنهم من راح يكتب عن ذلك فكان لنا منها نصيب، وكانت هذه القصيدة التي تُنشر ﻷول مرة، رغم مرور خمسة عقود على كتابتها، وبها من العتاب والملامة الكثير:

الچلمة غصَّت بالسواليف العتيگه والوريد أصبح حزين
والسنين العشره تعتب، صار خشخاش العظم والطيبين
چن سلام الما بخل بوريد گلبه، ولا بخل بحچايه يحزن ليها جلاد السنين
تالي دمعه ما دمعنه، وتالي جازينه سلام بلا معرفه ولا حنين
عيب أگولن ربعي هوده الوكت، وعيب أگولن جرحي تعبان وضنين
چم الف رگبه إصعدن ويه الفجر، وچم شهيد الصاح بأعلى الصوت:
ما عوفك يا شعبي لا وحگ منجل چبير
ما عوفك يا شعبي لا وحگ خبز الشعير
والچفن آخ الچفن، والچفن لبيض حزين إعله سلام
والبواچي كله خلصن والدمع صاير حرام
وآنه وانته وكلنه ننشد، الشعب بعده ما نام، الشعب صاحي ما نام

حاتم جعفر
السويد ــ مالمو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com