رياضة

الفوز الأوكراني في السعودية.

بيدر ميديا.."

الفوز الأوكراني في السعودية

هيفاء زنكنة

 

فاز، يوم السبت الماضي، الأوكراني أولكسندر أوسيك ببطولة العالم للملاكمة للوزن الثقيل، على البريطاني أنتوني جوشوا، في النزال الذي أُقيم في مدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة. أهدى أوسيك، من أرض المملكة العربية السعودية فوزه إلى بلده الذي يواجه غزواً روسياً منذ شباط/ فبراير الماضي، وإلى عائلته و” كل الجنود الذين يدافعون عن وطني”. احتفى الجمهور، وبحضور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بفوز الملاكم الأوكراني وألوان علم أوكرانيا وكلمات “ألوان الحرية” المكتوبة على ملابسه. وهو أمر قد لا يثير الانتباه لولا ما يستحضره في الذاكرة ويدعو، كما هي عادة الاستعادة للأحداث، إلى المقارنة ومحاولة تعلم الدروس، ربما لأننا لا نزال نؤمن، حتى ونحن نرى العالم يكرر نفسه في استنساخ همجي، بما قاله الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف، بأن ” من يقرأ الماضي بطريقة خاطئة سوف يرى الحاضر والمستقبل بطريقة خاطئة أيضا، لذلك لابد أن نعرف ما حصل لكي نتجنّب وقوع الأخطاء مرة أخرى. فمن الغباء أن يدفع الإنسان ثمن الخطأ الواحد مرتين” يقول الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف لئلا نعيش الخطأ مرتين”.
إن الحدث الذي احتضنته السعودية رياضي، والملاكمة رياضة معترف بها دوليا وأولمبيا، والرياضة كما هو متعارف عليه في المواثيق الرياضية، وباتفاق إجماعي بين النوادي والمنظمات الرياضية وحتى الدول، يجب أن تبقى حيادية بعيدة عن السياسة. وتحظر المادة 51 من الميثاق الأولمبي وقانون الاتحاد الدولي لكرة القدم) الفيفا) أي شكل من أشكال التعبير السياسي أو الديني على أرض الألعاب الرياضية. إنها فسحة الهواء التي يتنفس من خلالها الجمهور هواياته وشغفه بالألعاب والتعبير عن مشاعره عن طريق المشاهدة بشكل جماعي. تحييد الرياضة، إذن، كما يدافع مؤيدو وجهة النظر هذه، ضروري. وهناك أمثلة كثيرة عن رياضيين تم إبعادهم أو معاقبتهم لأنهم عبروا عن مواقف سياسية. من هذا المنطلق، يستوقفنا النزال في السعودية وما صاحبه من تصريحات من قبل الفائز، وكيفية التقبل الرسمي المحلي والعالمي لموقفه السياسي المُرحب به بينما، يتم في الوقت نفسه، منع الرياضيين الروس من المشاركة في أي مسابقة رياضية دولية فقط لكونهم مواطنين روسا. فالملاكم أوسيك مقاتل متطوع في القوات الخاصة الأوكرانية. نُشرت له صور وهو يحمل السلاح. تفاخر مدير فريق الملاكمة لشبكة ( سي أن أن) قائلا أن مهمّة أوسيك “كانت التنقل بحثاً عن أشخاص غرباء. ونصب حواجز لمراقبة من يدخل ومن يخرج. وللتأكد من عدم عبور أشخاص غرباء أو يشكلون خطراً”.

أجبرت الحرب في أوكرانيا عالم الرياضة على اختيار جانب، وهي تعني ذلك حقًا”. وهو موقف سليم تماما، ويبقى السؤال: هل سيُطبق على جميع الرياضيين في كل الدول أم أن ازدواجية المعايير لغة وممارسة ستبقى هي العملة المتداولة كما هو الموقف الحالي من أوكرانيا؟

فأُضيف إلى لقب أوسيك الملاكم بطل العالم، لقب المقاوم، مقاتل الغزاة الروس، المدافع عن بلده ضد الاحتلال. الأمر الذي يجعلنا بمواجهة تساؤل مهم، كيف يتم السماح لمقاتل غير نظامي يحيط مهامه على أرض المعركة الغموض المشاركة بحدث رياضي عالمي؟ هل لأنه أوكراني وطبول دعم أوكرانيا، إعلاميا وحربيا واقتصاديا، من قبل دول الناتو، وحاجة السعودية إلى تغيير إطار صورتها، أمام العالم، أعلى من أي منطق؟ وكيف بات لقب الأوكراني، مهما كانت طبيعة العمليات التي يُنفذها، مُقاوما، في اللغة اليومية الشائعة للسياسيين وأجهزة الإعلام العالمية، بينما تم وسم العربي والمسلم المقاوم بالإرهاب وبتنويعات أخرى كما رأينا بعد الغزو الأنكلو أمريكي للعراق في عام 2003، وكما يواصل الاحتلال الصهيوني وصف مقاومة الشعب الفلسطيني ويكررها من بعده العالم؟
لغويا ولغرض ترسيخ صورة معينة، ولنأخذ العراقي نموذجا، استحدث المحتل الأمريكي نعوتا مهينة للحط من قيمة العراقي المقاوم وإنسانيته، لتبرير قتله من جهة وتماشيا مع سياسة أمريكا بأن من الممكن كسب الحرب في ساحة الرأي العام دعائيا وإعلاميا. بداية، كان وصف المقاوم: صداميا، فاشيا، ثم أصبح إسلاميا، سنيا، وقاعدة. وخلافا لما يحدث بأوكرانيا، من تشجيع للمتطوعين الأجانب للقتال ضد الاحتلال الروسي، وُصف المتطوع العربي المتوجه إلى العراق للدفاع عن البلد ضد الغزاة بأنه إرهابي، من المرتزقة، ذهب للدفاع عن الطاغية صدام، وفي أحسن الأحوال متمردا أو من العصاة. وتم تعليب ذلك كله بمصطلحات، انتشرت بين قوات الاحتلال، تسللت إلى وعي العالم أما من خلال التصريحات العسكرية الرسمية أو شهادات الجنود الأمريكيين.
ومن سخرية القدر أن يأتي إجراء النزال بالسعودية، ليذكرنا بالاهتمام الكبير الذي حظي به لقب “الحاج” لدى قوات الاحتلال عموما ومن بينها القوات الأوكرانية التي اشتهرت بشراستها ضد العراقيين. حيث اُستخدم وسم ” الحاج” ليس للدلالة على من يتوجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ولكن لإهانة ” العدو”، أي العراقي أو أي شخص من أصل عربي أو حتى من ذوي البشرة السمراء. من بين الاستخدامات ” درع الحاج” وهو درع مرتجل نصبه جنود يستأجرون عراقيين لتحديث المركبات عن طريق تركيب أي معدن متوفر على جوانب عربات الهمفي. و “حاجي مارت” أو متجر حاجي: أي المحل الصغير الذي يديره عراقيون لبيع الأشياء للقوات الأمريكية. أما ” دورية الحاج” فهي الدورية العراقية المرافقة للأمريكية. وحسب المنظور العسكري الأمريكي يُعتبر العراقي المُقاوم ” علي بابا ” بمعنى اللص والمجرم، بينما تستخدم تسمية ” الملاك” للجندي الأمريكي القتيل.
في مقالة نشرتها صحيفة ” الغارديان ” بعنوان ” الحرب في أوكرانيا أنهت خرافة حيادية الرياضة” ، كتب تم هاربر، رئيس مؤسسة ” المساواة في الرياضة”، متهما رؤساء الاتحادات الدولية الرياضية بإدارة رؤوسهم بعيدا عن محنة الناس بالتوافق مع الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية وطغيان المصلحة التجارية على المصلحة المشتركة. مستدركا بقوة “لكن هذه المرة، أجبرت الحرب في أوكرانيا عالم الرياضة على اختيار جانب، وهي تعني ذلك حقًا”. وهو موقف سليم تماما، ويبقى السؤال: هل سيُطبق على جميع الرياضيين في كل الدول أم أن ازدواجية المعايير لغة وممارسة ستبقى هي العملة المتداولة كما هو الموقف الحالي من أوكرانيا؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com