مقالات

ج3 والأخير/ مذكرة جوابية تركية إلى الخارجية السورية حول الفرات.

بيدر ميديا.."

ج3 والأخير/ مذكرة جوابية تركية إلى الخارجية السورية حول الفرات
علاء اللامي*
رابعا: مذكرة جوابية من السفارة التركية إلى وزارة الخارجية السورية / رقم 595 بتأريخ 30/12/1995، ترقيم الفقرات من وضعي وتعليقاتي عليها تبدأ بنجمة.
1-تهدي سفارة الجمهورية التركية في دمشق أطيب تحياتها إلى وزارة خارجية الجمهورية العربية السورية، تتشرف بأنْ تنقل إلى علم الوزارة ما يلي: “إن القانون المتعلق باستخدام المياه العابرة للحدود وغير المخصصة للملاحة، لا يزال قيد التطور بغية إعداد وثيقة إطارية، إلا أنَّ هذا القانون لم تتم صياغته بشكل كامل بعد”. *تعليقي: اكتمل القانون الدولي المذكور وأقرَّ من قبل الأمم المتحدة بتاريخ 21 مايو 1997، حيث صوّت لصالح الاتفاقية مائةٌ وثلاث دول، وصوّتت ضدها ثلاثُ دولٍ (بوروندي وتركيا والصين)، مع امتناع سبعٍ وعشرين دولة عن التصويت من بينها إسرائيل، وتأخرت المصادقة عليه من قبل العدد المطلوب من الدول حتى سنة 2014 ودخل حيز التنفيذ كقانون دولي في 17 أغسطس من ذلك العام. وماتزال تركيا ترفض لأنها لا تعتبر الرافدين نهرين دوليين بل هما من وجهة النظر التركية نهاران تركيان عابران للحدود، كما “ترفض إسرائيل هذه الاتفاقية رفضاً قاطعاً لأن الاتفاقية ترتكز على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول. فدولة إسرائيل قامت وتقوم بالاستيلاء على مياه الفلسطينيين وبيعها لهم، ولا تحترم أي مبادئ للقانون الدولي خصوصاً المبادئ المتعلّقة بالمياه الدولية/ موسوعة المعرفة”.
2-“بالرغم من ذلك، فإنَّ دور الاستخدام المعقول والمنصف للمياه، يعتبر المعيار الموجه بخصوص مصالح الدول المتشاطئة بغرض تأمين الاستخدام الأمثل لهذه المجاري وفوائدها، وبشكل يتفق مع حمايتها وحفظها بشكل كاف. إن فهم تركيا لـ (قسمة المياه) كما تم التأكيد عليه خلال التطورات الأخيرة في القانون الدولي، كان ولا يزال، لا يعني قسمة المياه بين البلدان المعنية، بل يعني (قسمة استخدامات المياه) على أساس معقول ومنصف”.
*تعليقي: تحاول الحكومة التركية اللعب بالكلمات، فتفرق بين النهر المتاخم “الحدودي” أي الذي يفصل بين دولتين، فتعترف بأنه دولي وتتقاسم مياهه كما فعلت مع بلغاريا واليونان والاتحاد السوفيتي، وبين النهر التعاقبي أي الذي يقع مجراه في عدة دول بشكل متعاقب كدجلة والفرات فلا تعترف بأنهما نهران دوليان بل نهران تركيان عابران للحدود وهي التي تقرر كل شيء يتعلق بمياههما. وحتى هنا تناقض السلطات التركية نفسها فقد عقدت بروتوكول 1987 مع سوريا لتقاسم المياه ولم تعقد اتفاقية مع العراق ولذلك اضطر العراق لعقد بروتوكول مكمل له مع سوريا. وهذا كله لعب بالكلمات وتسويف وخروج على القانون الدولي الواضح والذي يعرف المجرى المائي الدولي بأنه هو الذي يقع مجراه في أكثر من دولة. ولكنها في هذه الفقرة تتخلى عن مفهوم النهر المتاخم، بعد أن انكشف زيفه، وتنتقل الى تعبير “الدول المتشاطئة” وهذه محاولة للهرب الى الأمام وعدم الاعتراف بأن الرافدين نهران دوليان تعاقبيان!
3-“إضافة إلى ذلك، وخلافاً للادعاءات التي حوتها المذكرة المشار إليها أعلاه، فإن جميع المعلومات المتعلقة بالسدود على نهر الفرات يتم إرسالها بانتظام إلى سوريا اعتبارا من سنة 1983، وهي السنة التي شهدت انضمام سوريا إلى (اللجنة الفنية المشتركة حول المسائل المتعلقة بالمياه) والتي تضم في عضويتها كل من تركيا وسوريا والعراق”.
*تعليقي: سوريا والعراق يطالبان بالتشاور والتنسيق معهما قبل أن تبدأ تركيا بإنشاء سدودها لدراسة عواقب البناء التركي، ولكن تركيا ترد بأنها أرسلت كل البيانات والمعلومات بعد أن بدأت بوضع خطط البناء وشرعت بتنفيذها فوضعت العراق وسوريا أمام الأمر الواقع، وهذا ليس تشاورا وتعاونا وحسن جوار بل هو عدوان مائي صريح وفرض الأمر الواقع بالقوة، لا ننسَ أن تركيا عضو فعال في حلف الناتو وتعتبر أي اعتداء عليها اعتداء على هذا الحلف المعادي للشعوب!
4-“لقد مارست تركيا على الدوام الجدية اللازمة في استخدام مجرى مياه الفرات. ولذلك فإنَّ تركيا ترى الادعاء بأنَّ الري الحالي في تركيا يسبب التلوث في سوريا أمر غير مقبول. بيد أنَّ هذا الادعاء يظهر بوضوح أنَّ المسألة في حد ذاتها في غاية التعقيد ولا يمكن تصغيرها إلى (قسمة المياه) كما تدعي سوريا. وفي كل الأحوال فإنَّ تركيا تبقى مستعدة، كما كانت، للتشاور مع سوريا حول هذه المسائل”.
*تعليقي: لم تجد الخارجية التركية شيئا ترد به على الحقائق الموثقة بالأرقام والوقائع حول مسؤولية تركيا الأكيدة عن تلويت مياه الفرات سوى أن تقول إنها مارست الجدية في استخدام مياه الفرات” وتضيف عباراتها الفارغة “أنَّ المسألة في حد ذاتها في غاية التعقيد”، وهذا يعني اعترافا صريحا بالمسؤولية التركية عن التلوث ومع ذلك لم تتخذ سوريا أو العراق أي إجراءات لتدويل المشكلة!
5-“وفي هذا السياق فإنَّ الوزارة، تستذكر، بكل تأكيد، أنَّ تركيا كانت اقترحت خطة مؤلفة من ثلاث مراحل من أجل الاستخدام المنصف والمعقول والأمثل لمجاري المياه في المنطقة، لما فيه مصلحة الدول المتشاطئة. وهذه الخطة أيضا توفر أساسا لإجراء المشاورات حول المشاكل المتعلقة بالبيئة ذات الصلة. وكما تمت الإشارة إليه أعلاه، فإن تركيا، ولسوء الحظ، لم تتلقَ لغاية الآن، أي جواب من سوريا حول هذه المسألة”.
6-“إن هذه الخطة ذات المراحل الثلاث، والمقترح تنفيذها بشكل جماعي من قبل الأطراف التركية والسورية والعراقية، لا تزال مطروحة على الطاولة. وهي تهدف إلى إجراء جرد للموارد المائية في المنطقة”..
*تعليقي: مطالبة تركيا هنا بجرد الموارد المائية في المنطقة عودة إلى مطالبتها القديمة باعتبار حوضي دجلة والفرات حوضاً واحداً خلافا لما هما عليه في الواقع بانهما حوضان مستقلان وهدفهما من ذلك هو التعويض على العراق، ما يخسره من نصف مياه الفرات، بسبب شبكة السدود التركية العملاقة، هدفها إذن، التعويض عليه من مياه نهر دجلة، فتحتسب المياه التي ينقلها العراق مضطرا عبر بحيرة الثرثار إلى الفرات جزء من حصة العراق في مياه الفرات! إنَّ القول بأنَّ حوضاً واحداً يجمع دجلة والفرات هو قول غير صحيح لأسباب فنية وطبيعية وقانونية، فحتى “مؤسسة أعمال المياه التركية”، وهي أقدم مؤسسة حكومية تركية متخصصة بإدارة السياسات المائية، وكذلك جميع الدراسات الهيدرولوجية التركية، تؤكد أنَّ دجلة والفرات حوضان مستقلان، لكل منهما رقمه وترتيبه المنفصل في الوثائق التركية. كما أنهما مختلفان من حيث الدول التي تساهم في تشكيل كلِّ حوض، فالفرات تساهم في تشكيل حوضه كلٌّ من تركيا وسوريا والعراق والسعودية، وهذه الأخيرة تساهم بمياهها الجوفية. أما حوض دجلة فيمتد على أراضي تركيا وإيران والعراق مع مساهمة صغيرة ولبضعة كيلومترات من سوريا.
من ناحية أخرى، فالحوضان مختلفان مناخيا، فمعظم مساحة حوض دجلة رطب، بينما يسود الجفاف مناخ معظم حوض الفرات. كما أنَّ الوارد المائي لنهر دجلة يزيد على الوارد المائي للفرات بمقدار 35%. ورغم أنَّ منابع النهرين في مناطق قريبة من بعضها، ولكنهما لا يلتقيان في عصرنا الحاضر إلا في نقطة واحدة هي القرنة، و تؤكد الشواهد التاريخية الموثقة أنَّ النهرين كانا يصبان في الخليج إلى عهد قريب كلّا على حدة، وقد مرّا بمراحل تاريخية امتازت بصفات خاصة من حيث اتجاه الجريان والمصب. كما يختلف النهران من حيث مصادر التغذية ونوعها، وحتى موسمي فيضان النهرين ليست واحدة، فبينهما ثلاثة أسابيع. إضافة إلى وجود الفاصل الكبير والواضح بين الحوضين والذي يتمثل بمنخفض الثرثار الذي يفصل بين الحوضين على امتداد أكثر من 300 كم وبعرض 45 كم “.
7-“وفي الاجتماع السياسي عالي المستوى الذي عقد في أنقرة خلال شهر آيار / مايو 1993، والذي سعى إلى وضع الأسس لاجتماع يضم وزيري الخارجية في البلدين وفقا للاتفاق الذي تم التوصل إليه في وقت مبكر من العام نفسه، فإنَّ سوريا أصرت على موقفها المستند إلى ادعاءات لا أساس لها من الصحة وبشكل مخالف للنهج العلمية الحديثة. وجدير بالذكر أنَّ سوريا لم تتمكن من حضور المؤتمر اللاحق. وفي هذا السياق، فإن السفارة تود أنْ تؤكد على أنَّ سوريا لم تستجب أيضا إلى مبادرة تركيا الأخيرة للشروع في حوار يرمي إلى معالجة كل المشاكل القائمة بين البلدين ومن ضمنها مسألة المياه. وتعتقد تركيا أنَّ المشاكل القائمة بين تركيا وسوريا لا يمكن حلها إلا عبر مباحثات ثنائية جادة تليق بالبلدين المتجاورين وبالابتعاد عن استغلال هذه المسائل في المحافل الدولية”.
*تعليقي: تخاف الحكومات التركية خوفا هائلا من مجرد طرح مشكلة مياه دجلة والفرات من قبل سوريا أو العراق على المحافل الدولية أو رفع شكوى دولية أو طلبا للتحكيم، وهاهي تنصح سوريا بالاتعاد عن طرح “هذه المسائل في المحافل الدولية”، والغريب والمريب هو إصرار حكومات سوريا والعراق على عدم التحرك وتدويل المشكلة دوليا، على الأقل بهدف جس نبض هذه المحافل، وكيف سيكون رد فعلها على ما يتعرض له العراق وسوريا من تجفيف ومصادرة لمياههما الدولية من قبل تركيا.
8-“إنَّ حقيقة كون هذه المذكرة لا تتطرق إلى كل الحجج والبراهين التي حوتها مذكرة الخارجية السورية، لا يمكن أن يفسر على أنه قبول بصحتها”.
*تعليقي: في هذه الفقرة اعتراف بليغ من الحكومة التركية بعدم قدرتها على الرد بشكل مقنع على الحجج الواردة في المذكرة السورية ولذلك اكتفت بالصمت وتسجيل عدم قبولها بها!
9-“تنتهز السفارة، هذه المناسبة لتذكر الوزارة بخصوص بنهر العاصي، والذي يمر عبر الأراضي التركية، فإنَّ سوريا لم تجر مشاورات بشأنه مع تركيا، بل عمدت إلى اتخاذ إجراءات من جانب واحد، ومن ضمنها توقيع بعض الاتفاقيات مع جيرانها الآخرين، ونتيجة لذلك، فإن مقدار المياه التي تتلقاها تركيا من هذا النهر قد تقلص إلى أقل من 60% من مجمل نسبة جريان النهر. وبهذه المناسبة فإن تركيا تؤكد مجددا على انها تحتفظ بكافة حقوقها المتعلقة بهذا النهر. تنتهز سفارة الجمهورية التركية هذه المناسبة لتعرب من جديد لوزارة خارجية الجمهورية العربية السورية عن فائق اعتبارها”.
تعليقي: تركيا هنا تحاسب سوريا على نهر العاصي وهو نهر صغير ولا يقارن بالفرات أو دجلة على الإطلاق، فهو أشبه بجدول صغير مقارنة بهما، ونهر العاصي ينبع من لبنان ويمر بسوريا ويصب في في البحر الأبيض المتوسط عند خليج السويدية التابع لمحافظة الاسكندرونة التي كانت جزءا من سوريا وتنازلت عنها فرنسا حين كانت منتدبة على سوريا لتركيا، ودخلتها القوات التركية في 5 يوليو 1939. أما كمية تدفق مياه نهر العاصي في الأراضي السورية فلا يزيد على 14 متر مكعب/ ثانية عند دخوله بحيرة قطينة، وفي نهاية سهل الغاب تكون غزارته 24 متر³/ثانية وعندما يدخل أنطاكية في تركيا تزداد غزارته وتكون 87 متر³/ثانية ويعود هذا إلى كثرة الروافد التي تصب في النهر. قارنوا هذه الكمية الضئيلة في العاصي، بكمية تدفق الفرات التي كانت تصل إلى أكثر من سبعمائة متر مكعب/ ثانية، وتم الاتفاق على خفضها في بروتوكول 1987 إلى خمسمائة متر مكعب/ ثانية للعراق وسوريا معا!
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com