مقالات

الروسيفوبيا والمكارثية الجديدة.

بيدر ميديا.."

الروسيفوبيا والمكارثية الجديدة

صادق الطائي
 

مع أن الحرب الدائرة في أوكرانيا تذكر بزمن الحرب الباردة وصراع القطبين، إلا أن تعاطي الغرب مع الأزمة بدا غير عقلاني في كثير من التصرفات، وذكّر المتلقي بحقبة سيطرة المكارثية في خمسينيات القرن العشرين على الحياة الثقافية والفضاء العام في الولايات المتحدة، نتيجة إجراءات اللجنة النيابية التي قادها السيناتور اليميني جوزيف مكارثي، الذي كان رئيساً لإحدى اللجان الفرعية في مجلس الشيوخ، والذي مارس عبر لجنته إرهابا ثقافيا، وسجن عددا من الشخصيات المهمة بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، وكانت هذه الحقبة بداية معبرة بحق عن سطوة قوانين الحرب الباردة، التي امتدت لاربعة عقود لاحقة.
ذكر سيرخي بلوخي أستاذ التاريخ الأوكراني في جامعة هارفارد، منتقدا أطروحة فلاديمير بوتين حول (الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين) التي استعملت كحجة روسية في الغزو الأخير، فيقول بلوخي في مقاله المعنون «عودة الإمبراطورية: روسيا، أوكرانيا، وظل الاتحاد السوفييتي الطويل» الذي نشره في «الفايننشال تايمز» قبيل الحرب الأخيرة:» تعود أصول هذا الادعاء إلى منتصف القرن التاسع عشر على الأقل، عندما صاغ المفكرون الإمبراطوريون الروس، من أجل استيعاب الحركة الوطنية الأوكرانية الصاعدة، مفهوما للأمة الروسية الثلاثية المكونة من الروس العظام (أو الروس في فهم اليوم للكلمة) و(الروس الصغار)، أو الأوكرانيين لأن اوكرانيا في الادبيات الروسية كانت تعرف باسم روسيا الصغيرة، و(الروس البيض)، أو البيلاروسيين».
لكن المفارقة أن الغرب اليوم،على مستوى نخبه، وليس على مستوى رجل الشارع فقط، لا يمكنه التمييز بين الأوكراني والروسي على مختلف الأصعدة، نتيجة التداخل الكبير في تاريخهما، فمثلا لا يعلم كثيرون أن العديد من الأوكرانيين كانوا في قيادات هرم السلطة السوفييتية، وإذا أردنا أن نشير إلى أسماء فيمكننا أن نذكر ليون تروتسكي القيادي السوفييتي البارز، الذي شغل مناصب مهمة منها قائد الجيش الأحمر بعد ثورة أكتوبر 1917، واسمه الحقيقي ليف دافيدوفيتش برونشتاين، وهو يهودي ولد في خيرسون أوبلاست في جنوب أوكرانيا عام 1879. وكذلك الرئيس السوفييتي نيكيتا خروتشوف الذي وُلد في قرية كالينفوكا التابعة حالياً لروسيا والقريبة من الحدود الأوكرانية، لكنه نشأ في شرق أوكرانيا، وأصبح رئيساً للجمهورية الاشتراكية السوفييتية الأوكرانية، ثم خلف ستالين في رئاسة الاتحاد السوفييتي. وكذلك كان حال الرئيس ليونيد بريجنيف، الذي وُلد ونشأ في وسط أوكرانيا، وقد حكم الدولة السوفييتية بين عامي 1964 و1982 وبذلك يكون ثاني أطول زعيم سوفيتي على رأس السلطة بعد ستالين. وأيضا الرئيس السوفيتي قسطنطين تشيرنينكو، كان أوكرانياً آخر وصل إلى المراتب العليا للسلطة، وقاد الاتحاد السوفييتي لفترة وجيزة خلفاً ليوري أندروبوف من 1984 إلى 1985، وكذلك كان حال آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف الذي ولد قرب ستافروبول شمال القوقاز لعائلة من الفلاحين هاجرت من تشيرنيهيف، وهي مدينة في شمال أوكرانيا، وهو نصف أوكراني، إذ أن والده روسي ووالدته أوكرانية.

تعاطي الغرب مع الأزمة الأوكرانية بدا غير عقلاني، وذكّرنا بحقبة سيطرة المكارثية في خمسينيات القرن العشرين على الحياة الثقافية والفضاء العام في أمريكا

تظهر الروسيفوبيا، أو ظاهرة تهويل مظاهر الخوف من كل شي روسي متزامنة مع الحرب الأخيرة في أوكرانيا، وتنعكس بشكل موجة شعبوية متخبطة في مختلف دول الغرب في مجالات الثقافة والحياة الأكاديمية والفن والرياضة، وحتى على رفوف مراكز التسوق. مثال ذلك طلب إدارة جامعة ميلانو بيكوكا الإيطالية تأجيل دورة دراسية عن الكاتب الروسي الشهير فيدور دوستويفسكي على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا، وكان من المقرر أن يقدمها الكاتب الإيطالي باولو نوري المتحدر من منطقة الألب، والذي علق على الأمر بقوله: «في إيطاليا اليوم، يعتبر كونك روسيا خطأ. وعلى ما يبدو حتى إن كنت روسيا متوفى، (إذ) حُكم على دوستويفسكي بالإعدام عام 1849، وكانت قراءته أمرا محظورا»، وتابع الكاتب إن» ما يحدث في أوكرانيا أمر فظيع يجعلني أرغب في البكاء، لكن ردود الفعل هذه سخيفة. عندما قرأت هذا البريد الإلكتروني من الكلية، لم أصدق ذلك».
وفي هذا السياق جاء قرار أكثر غرابة، وربما يمكننا القول أكثر سخافة من جامعة فلوريدا الأمريكية، التي قامت بتغيير اسم قاعة دراسية تحمل اسم كارل ماركس واستبدلتها برقم فقط، كما نقلت «أي بي سي نيوز» في 16 مارس 2022. وقالت الجامعة في تعليقها على التقرير، إن الغزو الروسي لأوكرانيا أثر في قرارها بحذف اسم ماركس، من دون أن توضح العلاقة بين الأمرين إذ أشارت إلى: «نظراً للأحداث الجارية في أوكرانيا وأماكن أخرى من العالم، قررنا أن من المناسب إزالة اسم كارل ماركس، الذي تم وضعه على غرفة دراسة جماعية في جامعة فلوريدا في عام 2014». علما أن ماركس الماني ولا علاقة له بروسيا.
اما في مجال الفن فقد قام عمدة ميونيخ بإنهاء عقد قائد الأوركسترا الروسى فاليرى جيرجيف مع أوركسترا ميونيخ الفيلهارموني، بسبب «مواقفه غير الواضحة من الحرب الدائرة في أوكرانيا» و»الاشتباه بأنه مؤيد لبوتين»، كما ألغيت حفلاته التى سبق الاتفاق عليها فى إيطاليا وباريس ومهرجان «لوسييرن» السويسري. وقد علقت مطربة الأوبرا الروسية العالمية آنا نتريبكو كل حفلاتها فى المدن الأوروبية، بعد إلغاء حفلتها فى هامبورغ بألمانيا، وحفلاتها فى أوبرا بافاريا ولاسكالا في مدينة ميلانو بإيطاليا. وفي السياق نفسه من حملة الروسيفوبيا قامت دار الأوبرا الملكية فى لندن بإلغاء الموسم الصيفى لعروض فرقة باليه «البولشوي» الروسي الشهير. ومع أن شعار المؤسسات الرياضية الدولية وعلى رأسها الاتحاد الدولي لكرة القدم هو (عدم ادخال السياسة في الرياضة) نجد أن حملة الروسيفوبيا قد اخترقت المجال الرياضي وبعنف، إذ منع الاتحاد الدولي لكرة القدم الـ»فيفا» منتخبات كرة القدم الروسية من خوض مبارياتها على أراضيها، وقرر أن تلعب مبارياتها المحلية على أرض محايدة ومن دون حضور جماهيري، كما لن يحق لأي منتخب روسي أن يحمل اسم روسيا في أي مسابقة دولية، وسيتم استبداله باللعب تحت مُسمى «اتحاد روسيا لكرة القدم (RFU)»، وسيُمنع رفع العلم الروسي أو عزف النشيد الوطني الروسي في أي مباريات لمنتخبات أو أندية روسية. وألمح الـ»فيفا» إلى إمكانية استبعاد روسيا من بطولاته بشكل كامل أن لم تتراجع عن غزو أوكرانيا قريباً، كما ألغى الاتحاد الدولى للسباحة، بطولة العالم للناشئين، التى كان من المقرر إقامتها فى مدينة كازان الروسية في أغسطس المقبل، وقام الاتحاد الدولي للجودو بإيقاف رئاسة بوتين (الشرفية) للاتحاد. وفي ميدان سباق السيارات، أعلنت «فورمولا 1» أنها سحبت تنظيم سباقها من مدينة سوتشي الروسية بعد الغزو، حيث كان من المقرر إقامة سباق الجائزة الكبرى الروسي في 25 سبتمبر المقبل. ويبدو أن الأوليغارشية الروسية التي كانت متنعمة بملياراتها «القذرة» في مختلف عواصم الغرب، تواجه اليوم حملة «صحوة ضمير غربية» ، إذ صرح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مع بدء الحملة بالقول «لن تكون أرضنا ملاذا آمنا لمن يدعم احتلال أوكرانيا ويساعد بوتين على ذلك»، وكان أبرز وجه شنت عليه عقوبات هذه الحملة هو الملياردير الروسي اليهودي رومان إبراموفيتش صاحب الملكية التي تفوق الـ 13 مليار دولار، والذي كان يصول ويجول في عالم البزنس والرياضة في المملكة المتحدة عبر امتلاكه وادارته لنادي تشيلسي الإنكليزي العريق على مدى 20 عاما، وفجأة، وعلى خلفية الحرب الأخيرة في أوكرانيا أصدرت حكومة جونسون حزمة عقوبات بحق إبراموفيتش تضمنت المنع من دخول الأراضي البريطانية، وتجميد الممتلكات الشخصية ومصادرتها، كما أعلنت الحكومة أن نادي تشيلسي سيصبح مؤسسة حكومية ابتداءً من الآن ولن يكون لابراموفيتش اي سلطة شخصية على النادي، كما أنه لن يستطيع بيع النادي أو التربح منه بأي شكل من الأشكال.
ووصلت حدود الروسيفوبيا إلى رفوف مراكز التسوق مع الحملة التي شنتها شركات غربية مختلفة على المنتجات الروسية والمطالبة بمنع بيعها، وكان المثال الأبرز لذلك المشروبات الكحولية، وأهمها الفودكا الروسية التي شنت ضدها حملات إعلانية طالبت بمنع بيعها في الأسواق الغربية، فقد أطلقت ولايات أمريكية حملة واسعة لمقاطعة الفودكا والمشروبات الكحولية الروسية، بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، واتسعت الحملة لتشمل مقاطعات كندية، وشركات بريطانية، وقد كتب أحد أعضاء مجلس الشيوخ من ولاية أركنساس الأمريكية على صفحته في تويتر: «تخلصوا من كل الفودكا الروسية وأرسلوا الذخيرة والصواريخ وكذلك الزجاجات الفارغة إلى أوكرانيا لاستخدامها في زجاجات المولوتوف». ومن منع دراسة دوستويفيسكي في الجامعة إلى منع بيع الفودكا الروسية في السوبرماركت يا قلبي لا تحزن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com