مقالات

معتقلات “داعش”… قنابل موقوتة في العراق.

بيدر ميديا.."

معتقلات “داعش”… قنابل موقوتة في العراق

صادق الطائي

 

مثّلت حادثة الهجوم على سجن “الصناعة” في مدينة الحسكة السورية، وما تبعها من تمرد في السجن، ومحاولة فرار مئات المقاتلين المعتقلين من تنظيم الدولة “داعش”، ناقوس خطر دق في المنطقة، وتحديدا في العراق وسوريا، الدولتين اللتين شهدتا التمدد الانفجاري للتنظيم الإرهابي في صيف 2014، كما أن تفاصيل الهجوم، وتكتيك العمليات ذّكر بحوادث سابقة مشابهة جرت في العراق، إبان هجوم التنظيم على سجون عراقية تبعها تحرير آلاف الجهاديين المتهمين بتهم الإرهاب، الذين التحقوا بالتنظيم قبيل تمدد التنظيم وسيطرته على مدن شمال وغرب العراق.
فماذا يعني ذلك في قراءة الأحداث السياسية في المنطقة؟ ولماذا لم تقدم دول التحالف الدولي العون في موضوع معتقلي “داعش” لقوات سوريا الديمقراطية الكردية (قسد) في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، والمعروفة بمنطقة الإدارة الذاتية في سوريا؟، وهل هناك تهديد جديد بعودة نشاط عصابات “داعش” في العراق بعد تسلل مقاتليه وعوائلهم إلى العراق؟ وما هو وضع معسكرات الإيواء التي تم احتجاز عوائل “داعش” فيها في مناطق شمال العراق؟ عبر كل هذه الأسئلة سنحاول تسليط الضوء على موضوع شديد الخطورة والأهمية في المشهد العراقي.
عشية 20 كانون الثاني/ يناير 2022 شن تنظيم الدولة “داعش” هجوما، عُد الأكبر منذ إعلان الانتصار على تنظيم الدولة، الهجوم استهدف سجن “الصناعة”، الواقع على أطراف حي غويران جنوب مدينة الحسكة شمال شرق سوريا. وهذه هي المرة الأولى التي تتعرّض فيها السجون التي تحوي مقاتلي التنظيم لهجوم خارجي، إذ اقتصرت الأزمات السابقة على حالات تمرد وعصيان داخل السجون، بلغ عددها في سجن “الصناعة” 11 مرة بين عام 2020 و2021 ، ما حصل في الهجوم الأخير أعاد إلى الأذهان الهجوم الذي حصل على السجون العراقية التي ضمت مقاتلي تنظيم الدولة “داعش” صيف 2014 .تعليقا على ما حصل نشر المكتب الإعلامي للنائبة الإيزيدية فيان دخيل بيانا حول ما حصل في الحسكة جاء فيه: “نتابع بقلق بالغ عملية هروب العشرات من عناصر تنظيم الدولة “داعش” الإرهابي من سجن الصناعة في حي غويران بمدينة الحسكة السورية، ضمنهم نحو 20 قيادياً من التنظيم الإرهابي من الجنسيتين السورية والعراقية”. ووصف البيان عملية هروب السجناء بإعادة “سيناريوهات قديمة مشؤومة في العراق إبان هروب مجموعة كبيرة من الإرهابيين من سجن أبو غريب، والمآسي التي حصلت في سنجار وسبايكر، ونزوح ملايين العراقيين”. التقارير الرسمية لمنظمات وأجهزة الأمم المتحدة قدرت عدد مقاتلي تنظيم الدولة “داعش” النشيطين الان في سوريا والعراق بنحو عشرة آلاف، في حين تقول قوات سوريا الديمقراطية، إن السجون التي تقع تحت سيطرتها في مناطق نفوذها تضم نحو 12 ألف مقاتل من نحو 50 جنسية، بينما ما تزال عوائل مقاتلي “داعش” تعيش في مخيمات مكتظة في المنطقة، ومن أبرز هذه المعسكرات هو معسكر الهول الواقع شمال شرق سوريا والقريب من الحدود العراقية، الذي يشهد بين حين وآخر هروب عوائل الجهاديين وتسللهم عبر الحدود العراقية، لذلك حذر خبراء دوليين من أن تلك المخيمات قد تصبح بيئة حاضنة للتطرف. تصريحات قيادات التنظيم الارهابي اطلقت عام 2019 ما سمته خطة “الخلافة الثانية”، مع إطلاق مرحلة غزوات الاستئناف، وهي العمليات التي استخدمت تكتيك الكر والفر، واللجوء إلى المناطق الصحراوية النائية الممتدة بين سوريا والعراق، وصولا إلى مرتفعات حمرين شمال شرق العراق، وقد نفذ التنظيم بالتزامن مع أحداث الحسكة الاخيرة هجوما على مقر للجيش العراقي فجر يوم 21 كانون الثاني/يناير على أحد مقار الجيش العراقي في منطقة حاوي العظيم في محافظة ديالى شمال شرق العاصمة بغداد، الهجوم تسبب بمقتل 11 جنديا أحدهم ضابط برتبة ملازم. ورجحت السلطات العراقية استغلال مقاتلي التنظيم “وعورة المنطقة وانخفاض درجات الحرارة لتنفيذ الهجوم، ومن ثم الانسحاب إلى محافظة صلاح الدين”. فهل تعني هذه الهجمات المتزامنة أن هنالك حواضن في سوريا والعراق، ما تزال تتعاون مع مقاتلي التنظيم الإرهابي؟ هذا السؤال يحيلنا إلى الحديث عن معسكرات إيواء عوائل (الدواعش).

الحلول الفردية لن تداوي الجرح العميق والشرخ المجتمعي الذي حصل، الحلول الترقيعية لن تجدي نفعا في مواجهة كارثة قد تتفجر مرة اخرى

ملف معسكرات الاحتجاز التي تعيش فيها نساء وأطفال مقاتلي التنظيم الإرهابي تحولت بعد مرور أكثر من أربع سنوات على إعلان الانتصار على التنظيم، إلى بؤر لتفريخ جيل ثان من الإرهابيين، إذ لم تعمل حكومات العراق وسوريا والإدارة الذاتية في المنطقة الكردية في سوريا على إيجاد حلول حقيقية لهذه الكارثة، بل يمكننا القول إن الجهات الرسمية، وحتى العديد من الجهات الدولية تعمدت التغاضي عن الملف، والتعامل مع الأزمة بإهمال شديد، وتُرك الأمر لتصرفات بعض الأجهزة الامنية والعسكرية والقبلية لتمارس شتى أنواع التجاوز على مجموعات بشرية تضم الكثير من الأبرياء، أو ممن لم يرتكبوا جرما، لكنهم بالتأكيد كانوا قد تعرضوا لعمليات غسيل دماغ عنيفة، عندما عاشوا في ظل حكم “داعش” لسنوات، وبشكل خاص الأطفال الذين تربوا تحت ما سمي “نظام أشبال الخلافة” الذي كان يعدهم ليكونوا جيلا ثانيا من الإرهابيين، ومع كل هذا الخطر لم تبد المؤسسات الدولية تعاونا حقيقيا لحل هذه المعضلة.
تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” سلطت الضوء على جانب من المشكلة، إذ ذكر تقرير المنظمة الصادر نهاية عام 2021 : إن”عشرات الرجال من العرب السنة، الذين قضوا عقوبة السجن، أو تمت تبرئتهم في إقليم كردستان العراق بسبب صلاتهم بتنظيم الدولة الإسلامية، يواجهون خطر الاعتقال مجددا أو الانتقام إذا حاولوا الالتحاق بعائلاتهم في المناطق التي تسيطر عليها بغداد. بعض الرجال كانوا صبية لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما، عندما اعتقلتهم قوات الأمن الكردية”، وأضاف التقرير: “هؤلاء الرجال عالقون حاليا في مخيم في إقليم كردستان، بعد إطلاق سراحهم بين 2018 و2020. لا تسمح لهم قوات الأمن بمغادرة المخيم للعيش في مكان آخر في إقليم كردستان، ويخشون على حياتهم إن عادوا إلى ديارهم”. بينما طبقت أعراف قبلية في مناطق النزاع التي تم تحريرها من سيطرة التنظيم الإرهابي، فخضعت عوائل مقاتلي التنظيم الإرهابي لأحكام قبلية تحتم عليهم الجلاء عن قراهم، كما تم تهديم منازلهم، وتجريف أراضيهم الزراعية، لمنعهم من العودة، وبات من الصعوبة بمكان تحقيق مصالحة مجتمعية بين ما بات يعرف بعوائل (الدواعش) وعوائل ضحايا التنظيم الإرهابي الذين يطالبون بالقصاص من قتلة أولادهم، ولا يريدون التنازل عن حقوقهم والتعايش مع عوائل القتلة مرة أخرى. رغم سوداوية الموقف الحرج، الذي ما تزال تعيشه مناطق الصراع، إلا إن بعض المبادرات المبشرة بالأمل ظهرت هنا وهناك، مثال ذلك ما قام به الشيخ القبلي الشاب أحمد المهيري، الذي تحدث لوسائل الاعلام قائلا: “الأمر يتطلب شجاعة للحديث عما وقع، لأنه مؤلم للغاية، ومع ذلك، يجب أن نسامح وألا يؤثر الغضب في حياتنا”. وأحمد المهيري تعرض لنكبة كبيرة على يد إرهابيي “داعش” الذين قتلوا والده وأعمامه الأربعة، ودمروا منزلهم، وجرفوا أراضيهم في مدينة الحويجة التابعة لمحافظة كركوك شمال العاصمة بغداد، ومع ذلك، فقد تحلى هذا الشيخ الشاب بشجاعة التسماح والعفو عند المقدرة، ورحب بعائلات (الدواعش) في مجتمع قريته مرة أخرى، بل فتح لهم مضافته بعد ترميمها لإيواء أرامل وأطفال (الدواعش)، وطرح رأيا عقلانيا بالغ الصعوبة بقوله:” النساء والأطفال لا يشكلون أي خطر، وهم جزء من القبيلة، ولا يمكننا أن نسمح بقطع هذه الروابط. الجناة، بالطبع، هم من مسؤولية الشرطة”. وأضاف “إذا لم نفعل ذلك، البديل سيكون مروعاً”، ورأى إن المجتمع إذا لم يكن قادراً على ضم هذه العائلات، فإن خطر التطرف حتى بين الأقارب يصبح أمرا حتميا. لكن يبدو إننا إزاء حاجة لتحركات حكومية ودولية لوضع حلول منهجية لهذه الكارثة، وإن الحلول الفردية لن تداوي الجرح العميق والشرخ المجتمعي الذي حصل، وإن الحلول الترقيعية لن تجدي نفعا في مواجهة كارثة قد تتفجر مرة اخرى، وعندها لا يمكن التكهن بما ستجره علينا من مآس مرة أخرى.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com