أبحاث

الحركات العمالية والاشتراكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي .

بيدر ميديا.."

ارسل لي قارئ عزيز رسالة جاء فيها التساؤل التالي:
“هل هناك تقييم لأوضاع الحركات العمالية العالمية بعد انهيار سلطة الإتحاد السوفييتي وتأثير ذلك على مجمل الحركة الإشتراكيّة؟ وهل مازال هناك نضال من أجل الإشتراكيّة والتقدّم على أساس النظرية الماركسية المعروفة وما هي آفاقه؟”
عزيزي القارئ
ان الحركة العمالية والنضال من اجل الاشتراكية نشأ وتطور قبل وجود الاتحاد السوفييتي وكان الاتحاد السوفييتي نفسه نتاجا لهذا التطور. لذلك فان انهيار الاتحاد السوفييتي ليس من شأنه ان ينهي هذا النضال.
نشأت الحركة العمالية كضرورة لدى نشوء الطبقة العاملة في المجتمع الراسمالي. فالمجتمع الراسمالي يضم في باطنه التناقض بين قوى الانتاج، الطبقة العاملة والكادحين وادوات الانتاج، او العلاقة بين الانسان والطبيعة، وعلاقات الانتاج اي كيفية امتلاك وتوزيع ادوات الانتاج والانتاج التي يسيطر عليها الراسماليون. وهذا التناقض لم ينشأ نتيجة لرغبة انسان او بصورة مقصودة وانما هو تناقض ناشئ عن طبيعة المجتمع الراسمالي نفسه ولذلك فهو تناقض قائم بالضرورة طالما بقي النظام الراسمالي في الوجود، وهو ما نسميه في الديالكتيك وحدة نقيضين اذ لا يمكن فصل احدهما عن الاخر ولا وجود لاحدهما بدون وجود الاخر.
ان عمل الطبقة العاملة بخلاف الطبقات الكادحة السابقة لها يتمثل بالعمل الاجتماعي، بوجود العمال في المصانع والمعامل يعملون بصورة اجتماعية. ولكن علاقات الانتاج، اي امتلاك وسائل الانتاج والانتاج وتوزيعه فهو فردي يعود الى الاقلية الراسمالية. هذا التناقض هو جوهر الصراع الذي يجري بين الطبقة العاملة وسائر الكادحين من جهة وبين الراسماليين الذين يسيطرون اضافة الى وسائل الانتاج والانتاج على زمام السلطة في الدولة الراسمالية من الجهة الاخرى. والراسمالية في وحدة التناقض هذه هي النقيض المسيطر بينما يشكل العمال فيه النقيض المسيطر عليه ولكنه النقيض النامي المتطور.
ان الصراع بين الطبقة العاملة والكادحين من جهة وبين الراسماليين من الجهة الثانية ينشأ بصورة طبيعية لان العامل يريد تحسين معيشته وسلامته في العمل وثقافة اولاده ومحل سكناه وحياته العائلية وهو لا يستطيع ان يحقق ذلك الا عن طريق اكتسابه من الراسمالي عن طريق زيادة اجوره وتقليص يوم عمله. ولكن الراسمالي لا يهمه شيء سوى زيادة ارباحه عن طريق زيادة استغلال الطبقة العاملة وزيادة فائض القيمة بشتى الوسائل الممكنة. لذلك فان هذا الصراع يبقى قائما شاء الراسماليون ام ابوا وشاء العمال ام ابوا. واذا رجعنا قليلا الى الوراء، عهد نشوء الراسمالية وتطورها في بريطانيا مثلا وفي جميع البلدان الاخرى وحتى اذا تطلعنا الى ظروف عمل العمال في بلدان ما يسمى زورا بالعالم الثالث، نستطيع ان نرى جشع الراسماليين في استغلال الطبقة العاملة بحيث ان يوم العمل يبلغ احيانا يوما بكامله وفي ظروف عمل خالية من اية صيانة لحياة العامل ولصحته.
ونتيجة لنشوء الطبقة العاملة كجزء لا يتجزأ من النظام الراسمالي نشأت الضرورة لنشوء نظرية توجهها وتقودها في نضالها ضد الطبقة الراسمالية وهنا جاء دور كارل ماركس الذي درس التناقض القائم في صميم النظام الراسمالي ودرس الاتجاه الذي يسير فيه هذا النظام نتيجة لحركته الداخلية الطبيعية وتوصل الى النتيجة المنطقية والحتمية لهذا الصراع وهو تغلب النقيض الضعيف النامي والمتطور على النقيض المسيطر الجامد غير المتطور وتحقيق نقض النظام الراسمالي والانسجام بين قوى الانتاج الاجتماعية وملكية الانتاج الاجتماعية اي النظام الاشتراكي ثم الشيوعي.
فالحركة العمالية وجدت قبل نشوء الاتحاد السوفييتي واستمرت اثناء وجود وتقدم الاتحاد السوفييتي وهي مستمرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي لانها تناقض جوهري قائم في صميم النظام الراسمالي ولا يمكن الغاؤه او التخلص منه بارادة الناس سواء من الطبقة العاملة او من الطبقة الراسمالية.
وحركة المجتمع الراسمالي ككل حركة اخرى ترتبط بسائر الحركات المحيطة بها وتؤثر فيها وتتأثر بها. ولكن تأثير العوامل المحيطة بحركة ما لا يتحقق الا عن طريق التأثير سلبا او ايجابا على احد نقيضي الحركة موضوع البحث او على كليهما. فتأثير العوامل المحيطة بحركة المجتمع الراسمالي اذن لا تؤثر على التناقض بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج الا عن طريق تأثيرها على احد هذين النقيضين سلبا او ايجابا.
هنا يأتي دور تأثير الاتحاد السوفييتي على الحركة العمالية العالمية. لقد كان نجاح ثورة اكتوبر الاشتراكية ونشوء دولة عمالية وامتلاك الطبقة العاملة والكادحين لجميع وسائل الانتاج في المجتمع تأثير عظيم على الحركات العمالية في ارجاء العالم بطريقة مباشرة وبطريقة غير مباشرة. ان من عاش في فترة تقدم الاتحاد السوفييتي وتحوله الى مجتمع اشتراكي كامل وتقدمه تدريجيا نحو تحقيق المجتمع الشيوعي يتذكر تأثير ذلك على العمال والكادحين اينما كان في ارجاء العالم. وانا احد هؤلاء كنت، رغم اني لم اكن عاملا في يوم من الايام بل كنت مثقفا وبتي برجوازيا، اشعر بان تقدم الاتحاد السوفييتي يجعلني اشعر بالسعادة لانني اشعر انه لو استطاع شعبي ان يحقق هذا النجاح فان الشعب وانا منه سيحقق سعادة طالما حلمنا بها. لقد شعرت الطابقة العاملة العالمية ان الاتحاد السوفييتي هو وطنها واملها ومثلها الاعلى الذي تصبو الى تحقيقه. كان لتأسيس المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي بهذا الشكل تأثير غير مباشر على الحركة العمالية في ارجاء العالم.
ولكن تأثير نشوء ونجاح الاتحاد السوفييتي في تحقيق المجتمع الاشتراكي كان تأثيرا مباشرا ايضا. فقد بذل الاتحاد السوفييتي اقصى الجهد في مساعدة شعوب العالم والحركة العمالية العالمية بكل الوسائل المتوفرة لديه. فنشأت بقيادته الاممية الثالثة التي كانت مهمتها خلق وتشجيع وتثقيف الكوادر العمالية في العالم والمساعدة على انشاء الاحزاب الشيوعية التي تؤمن بالماركسية وتمارسها في حركاتها المحلية وتعمل على تثقيف الكوادر الماركسية ومساعدتها على قيادة الحركات العمالية وكان منها تثقيف قائد الحزب الشيوعي العراقي الرفيق فهد وغيره من قادة الحركة الشيوعية في البلاد العربية. كانت جامعة كادحي الشرق منارا يهدي كوادر الحركة الشيوعية في العالم الى طريق النضال الثوري القائم على اسس النظرية الماركسية.
وكان من تأثير الاتحاد السوفييتي سواء في بناء المجتمع الاشتراكي وفي التقدم الصناعي والزراعي الهائل الذي رافق ذلك وكذلك في بطولة شعوب الاتحاد السوفييتي بجميع قومياته المتآخية في دحر الغزاة النازيين ان تطورت حركات ثورية عظيمة في جميع بلدان العالم وفي جميع المستعمرات فنشأت الثورات ضد النازية في اوروبا المحتلة ونشأت حكوماتها السائرة في طريق الاشتراكية بعد زوال الاحتلال النازي ونشأت الثورات في اسيا المستعمرة ونجحت الثورات في الصين والفيتنام وكوريا الشمالية واستمرت الثورات في مختلف بلدان اسيا مثل بورما واندونيسيا وسيام وغيرها. كذلك نهضت القارة السوداء وحققت استقلالها من الاستعمار المباشر وسارت في طريق تحررها التام من الاستعمار. كل هذه التأثيرات التي حققها الاتحاد السوفييتي الاشتراكي جاءت عن طريق التأثير الايجابي على الجانب العمالي في التناقض القائم في صميم حركة المجتمع الراسمالي.
ولكن تأثير الاتحاد السوفييتي على نقيضي حركة المجتمع الراسمالي تغير بعد وفاة ستالين واستيلاء طغمة خروشوف على قيادة الحزب والدولة. فبدلا من التاثير الايجابي الذي حققه الاتحاد السوفييتي على الحركة العمالية في العالم اثناء بناء الاشتراكية والحرب ضد جحافل النازية اصبح تأثير الاتحاد السوفييتي السائر في طريق اعادة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي تأثيرا سلبيا على الحركة العمالية من جهة وتأثيرا ايجابيا على نقيضها الراسمالي من الجهة الثانية. وكان تأثير الاتحاد السوفييتي الخروشوفي منذ وفاة ستالين حتى الانهيار الرسمي للاتحاد السوفييتي واضحا للعالم كله ولم يعد يخفى على احد. فقد اثر الاتحاد السوفييتي على الحركة العمالية سلبيا بتحطيم الحركة الشيوعية العالمية وتمزيقها وبرجزة قيادات الاحزاب الشيوعية بتخصيص الاموال الطائلة لكل حزب يسير في اعقاب السياسة الخروشوفية ونرى مثالا رائعا على ذلك الحزب الشيوعي العراقي بوضعه منذ الكونفرنس الثاني وحتى اليوم حين اصبحت قيادة الحزب جزءا من احلاف الاحتلال الاميركي البريطاني وانضم قادته الى جميع مجالس بريمر ونيغروبونتي وخليل زاد.
ان الحركة العمالية نتيجة تحول الاتحاد السوفييتي من دولة اشتراكية الى دولة تسير نحو اعادة الراسمالية ثم تحولها رسميا الى جملة من الدول الراسمالية اصيبت بنكسة عظمى وزادت قوة نقيضها الراسمالي بصورة واضحة للعيان. ولكن التناقض الاساسي في المجتمعات الراسمالية لم يتغير ولا يمكن ان يتغير لانه لا يتغير الا بنقض المجتمع الراسمالي وتحويله الى مجتمع اشتراكي. ولابد ان تستفيق الطبقة العاملة من نكستها وتعاود السير في طريق نضالها الحتمي المفروض عليها لا بارادتها بل بحكم وجودها كنقيض في حركة المجتمع الراسمالي.
هناك في العالم اليوم بشائر تدل على بعض الانتعاش في الحركة العمالية العالمية. فالحركة اليسارية في اميركا اللاتينية وتحول دولها الى دول معارضة لسياسة العولمة التي تمارسها الولايات المتحدة مثال رائع على تحرك الطبقة العاملة ولو ان ما يجري بعيد عن ان يكون حركة عمالية ثورية بحتة. وما يجري في جميع بلدان الاتحاد السوفييتي السابق ايضا يبشر بحركة عمالية ثورية حقيقية اذ اخذت الحركات العمالية هناك تدعو الى استعادة الاشتراكية بشكلها الذي تحقق تحت قيادة لينين وستالين وافتتاح متحف ستالين في مدينة فولغوغراد التي كانت مدينة ستالين سابقا والامل في اعادة تسميتها الاصلية مثال اخر على تطور الحركات العمالية في هذه البلدان. كذلك توجد احزاب شيوعية حقيقية في بلدان مثل تركيا والهند وغيرها من بلدان العالم الراسمالي وتعاظم الحركات الثورية المعادية للعولمة وللحرب العالمية التي تشنها الولايات المتحدة منذ انهيار البرجين وحتى اليوم وهي مستمرة الى امد لا يعرف مداه. والخلاصة هي وجود حركة عمالية ناهضة محسوسة في ارجاء العالم.
واضح ان الاحزاب التي كانت في عهد الاتحاد السوفييتي والاممية الثالثة احزابا شيوعية تقود الطبقة العاملة قيادة حقيقية في طريق التقدم نحو الثورة الاشتراكية حسب اوضاع كل بلد تخلت عن مهمتها الاساسية في خدمة وقيادة الطبقة العاملة عندما سارت في اعقاب السياسة الخروشوفية فلم تعد احزابا حقيقية للطبقة العاملة مهما كانت اسماؤها ومهما تبجح قادتها بالماركسية وقيادة الطبقة العاملة. لقد اصبحت هذه الاحزاب احزابا معادية للطبقة العاملة وحركتها كل مهمتها تضتليل الطبقة العاملة وجعلها ذيلا للطبقة الرامسالية. ان مهمة الخيرين الموجودين في مثل هذه الاحزاب ان يتركوها لان ترك الحزب المنحرف هو اول خطوة في سبيل تشكيل احزاب جديدة حقيقية للطبقة العاملة. وان الاتجاه الصحيح هو ان تفرز الطبقة العاملة من بين مناضليها قيادات جديدة تؤمن بالنظرية العلمية للطبقة العاملة، النظرية الماركسية، وتسير قدما في سبيل تحقيق الثورات الاشتراكية في بلدانها. ان نشوء احزاب ثورية حقيقية شرط ضروري لانتعاش الحركة العمالية من النكسة الكبرى التي ما زالت تعاني منها.
وسؤالك حول استمرار النضال وفقا للنظرية الماركسية المعروفة هو الاخر سؤال مهم ينبغي هنا مناقشته. ان النظرية الماركسية علم حركة المجتمع وهذا العلم ثابت طالما بقي المجتمع الانساني في الوجود. وكانت قوانين هذا العلم فاعلة طيلة وجود المجتمع الانساني وستبقى فاعلة ما دام في الوجود مجتمع انساني. الفرق الوحيد في النضال العمالي هو ان كارل ماركس اكتشف هذا العلم الذي لم يكن معروفا وجعله اداة بيد الطبقات العاملة ليهديها في النضال من اجل نقض المجتمع الراسمالي وتحقيق المجتمع الاشتراكي. ان النكسة التي اصابت الحركة العمالية لا تعني ان الماركسية تعاني من نكسة او ان الماركسية اثبتت فشلها. في الواقع كانت النكسة وانهيار الاتحاد السوفييتي الاشتراكي برهانا ساطعا على حيوية علم الماركسية. اذ اثبتت النكسة صحة الماركسية لا في الانتصارات التي حققتها حين تحقق المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي وحسب بل صحتها عند التخلي عنها وعدم اتخاذها دليلا للعمل في النضال العمالي. فحين تخلت قيادة الحزب الشيوعي السوفييتي عن الماركسية تحول المجتمع الاشتراكي السوفييتي الى مجتمع راسمالي بعد كل النجاحات التي احرزها عند ممارسته للماركسية كدليل للعمل. ان الماركسية علم كسائر العلوم والعلم لا يمكن ان يصاب بنكسة اذا فشل عالم في تحقيق تجربة علمية.
ان علم الماركسية مازال اليوم كما كان منذ اكتشافه من قبل كارل ماركس دليل العمل الوحيد الصحيح لتوجيه حركة الطبقة العاملة نحو نقض المجتمع الراسمالي وتحقيق المجتمع الاشتراكي والسير به نحو المجتمع الشيوعي
حسقيل قوجمان
2006

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com