مقالات

حذاء خروتشوف والعدوان الثلاثي… أسطورة معاصرة.

بيدر ميديا.."

حذاء خروتشوف والعدوان الثلاثي… أسطورة معاصرة

 

صادق الطائي

 

نستطيع أن نصف حادثة ضرب الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف بحذائه على طاولة اجتماعات الأمم المتحدة بأنها إحدى أساطير تاريخنا المعاصر الشهيرة، إذ رواها شهود عيان بطرق مختلفة، وكتبت عنها صحف دولية مهمة بطريقة مغايرة، بينما اعترف بها مقربون من خروتشوف بينهم أفراد عائلته، إلا أن التاريخ الروسي الرسمي يحاول أن يشطب الحادثة من أرشيفه، وأن يخفيها حتى من الذاكرة الجمعية.
وبينما وقعت الحادثة وفقا لشهود عيان في عام 1960 على خلفية أزمة مناقشة ملفات دخول دول جديدة لهيئة الأمم المتحدة، نجد الذاكرة العربية قد جيرت الحادثة لمصلحتها، واعتبرت استخدام خروتشوف لحذائه في الأمم المتحدة كان لتهديد فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، إبان العدوان الثلاثي على مصر، بينما ربطت بعض قوى اليسار العالمي الحادثة بأزمة خليج الخنازير، ونشر الصواريخ النووية في كوبا عام 1962.
الوصف الموضوعي للحادثة حسب وثائق الأمم المتحدة يقول، إن نيكيتا خروتشوف سكرتير الحزب الشيوعي السوفيبتي ضرب بحذائه على مكتب مندوب الاتحاد السوفيبتي في المنظمة الأممية، احتجاجاً على خطاب ألقاه مندوب الفلبين لورينزو سومولونغ، أثناء الجلسة العامة رقم 902 للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي عقد في مدينة نيويورك في 12 تشرين الأول/أكتوبر 1960. إذ دار نقاش حول إمكانية دخول الدول المتحررة توا من ربقة الاستعمار في افريقيا وآسيا إلى هيئة الأمم المتحدة، لكن مندوب الفلبين ضرب وترا حساسا عندما تحدث عن «شعوب أوروبا الشرقية، وأماكن أخرى، حُرمت من الممارسة الحرة لحقوقها المدنية والسياسية، نتيجة ابتلاع الاتحاد السوفييتي لها». عندما سمع الرئيس خروتشوف كلام مندوب الفلبين، غضب غضبا شديدا، ورفع يده طلبا للكلام، وعندما لم ينتبه له الرئيس الدوري للجمعية العامة، الأيرلندي فريدريك بولاند، نهض خروتشوف من مكانه وتوجه لمنصة الخطابة بطريقة مسرحية، نحى لورينزو سومولونغ جانبا، بحركة من ذراعه اليمنى ، من دون لمسه جسديا، وبدأ في إدانة طويلة لمندوب الفلبين، واصفاً إياه بأنه «أحمق، دمية ومطية للولايات المتحدة الأمريكية». ونتيجة الهرج الذي حدث طالب رئيس الجمعية مندوب الفلبين سومولونغ بالتزام النظام وتجنب الخوض في مواضيع يمكن أن تثير المزيد من المشاكل، لكنه سمح له بمواصلة الحديث وطلب من خروتشوف العودة إلى مقعده. ومن المفارقات التي قيلت حينها إن رئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان، سخر من مشهد الطرق بالحذاء فقال،»هل يمكنكم ترجمة ذلك من فضلكم؟».
الكثير من الأبحاث والاستقصاءات كتبت حول الموضع، إذ أفاد الباحث الأمريكي ويليام توبمان عام 2003، أنه أجرى مقابلات مع بعض شهود العيان، الذين قالوا أن خروتشوف قام بالتلويح بحذائه، لكنه لم يقرع على المنضدة به. وهنا تجدر الإشارة إلى عدم وجود اي صورة فوتوغرافية، أو فيلم يصور الحادثة، وكل ما نشر لاحقا تمت فبركته، اعتمادا على وصف الشهود. لكن عددا من الصحف الدولية المهمة غطت الحادثة، مثل «نيويورك تايمز» «واشنطن بوست» «الغارديان» «التايمز» و»لوموند». وفي اليوم التالي نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» خبرا تحت عنوان «خروتشوف يُلوح بحذائه ويضرب به على طاولة الأمم المتحدة» وزعمت الصحيفة الأمريكية في خبرها، الذي أُرفق بصورة يظهر فيها خروتشوف وهو يتوسط الوفد السوفييتي وأمامه حذاء على الطاولة، بأن خروتشوف قام بعدة تصرفات غريبة أثناء الجلسة. وبينما يصف الفيلسوف الثوري فرانز فانون، الحادثة محلقا في أجواء التحرر التي وسمت حقبة الستينيات إذ يكتب «عندما يلوح السيد خروتشوف بحذائه في الأمم المتحدة ثم يطرق الطاولة به. يجب أن لا يضحك أي ممثل للبلدان المتخلفة على ما يظهره السيد خروتشوف للمستعمر، لأن الذي يستخدم الصواريخ يعامل هؤلاء الرأسماليين البائسين بالطريقة التي يستحقونها». نجد السياسي العراقي عدنان الباجه جي يعزو سلوك خروتشوف في الحادثة إلى حالة سكر، فالباجه جي أحد شهود العيان على الحادثة، اذ كان مندوبا للعراق في الأمم المتحدة، وقد روى الحادثة في برنامج «شهادة على التاريخ» بقوله «إن الرئيس خروتشوف أقام دعوة غداء لرئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورؤوساء اللجان العاملة في الأمم المتحدة، وأنا كنت رئيسا للجنة الرابعة التي تتولى شؤون المستعمرات، وقد أفرط الرئيس في احتساء كؤوس الفودكا في دعوة الغداء، وقد حضر الجلسة بعد الغداء مباشرة. عندما ضرب خروتشوف الطاولة بحذائه استغرب الحاضرون من هذا التصرف، وقد شاهدت أندريه غروميكو وزير الخارجية السوفييتي، جالسا بجانب خروتشوف وقد اعتراه الحرج والخجل من هذا السلوك».

التاريخ الروسي الرسمي يحاول أن يشطب حادثة حذاء خروتشوف من أرشيفه، وأن يخفيها حتى من الذاكرة الجمعية

وبينما كتبت نينا إل. خروتشيفا حفيدة خروتشوف في الصحافة، مبينة أنه بعد سنوات من الصمت المحرج، أوضحت عائلتها ما تذكره من الحدث، إذ كان خروتشوف يرتدي حذاءً جديدا وضيقاً، لذا خلعه أثناء جلوسه في الاجتماع. بدأ بضرب الطاولة بقبضته أثناء رده الغاضب على مندوب الفلبين، حتى سقطت ساعته. عندما هم بالتقاطها، لفت انتباهه حذائه المخلوع، واغتنم الفرصة لالتقاطه والضرب على المنضدة به. رواية نينا كانت قريبة جدا من رواية مترجم خروتشوف الرسمي فيكتور سوخودريف، الذي كان شاهد عيان على الحادثة فقد كان ضمن وفد بلاده في اجتماع الأمم المتحدة، وذكر في كتابه «لساني صديقي،» خروتشوف بدأ بالضرب بقبضته على الطاولة.. وبعد لحظات التفتُ إليه، وإذا به يطرق على الطاولة بحذائه بدلا من قبضته». الروايتان لم ينفهما سيرغي خروتشوف نجل الزعيم السوفييتي في حوار أجرته معه صحيفة «روسيسكايا غازيتا» الروسية، وهو أيضا ممن حضروا الواقعة، وبرر تصرف والده بأنه شعر بالغضب من الاتهامات التي وجهها مندوب الفلبين في الأمم المتحدة بحق الاتحاد السوفييتي، وأنه رفع في البداية يده اليسرى لكي يعطيه رئيس الجلسة كلمة الرد، ومن ثم رفع يده اليمنى ولم ينتبه إليه الدبلوماسي الأيرلندي إلا بعد أن اضطر للتلويح بالحذاء والضرب به أحيانا على الطاولة.
لكن الموقف الرسمي الروسي نفى الحادثة جملة وتفصيلا، إذ تم فتح قصة «حذاء خروتشوف» بعد مرور ستين عاما على الحادثة، وكان ذلك بسبب تغطية أخبار وتداعيات حادثة انتحار سيرغي خروتشوف، نجل الزعيم السوفييتي عن عمر 85 عاما بإطلاق الرصاص على رأسه في مدينة كرينبستون في ولاية رود- إيلاند في الولايات المتحدة في 18حزيران/يونيو 2020. إذ ذكر المؤرخ والكاتب الروسي ألكسندر مياسنيكوف، في مقابلة مع صحيفة «كومسومولسكايا برافدا» ردا على سؤال، كيف ظهرت قصة الحذاء الشهير «نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالا حول كيفية قيام خروتشوف بالتلويح بحذائه والضرب به على الطاولة. وتسببت هذه المقالة بإثارة ضجة كبيرة حول الموضوع في جميع أنحاء العالم. وعلى الفور، كما يحدث عادة عند ظهور الشائعات، يقفز من حيث لا تدري شهود العيان ليقصوا رواياتهم بحماس، ويسارع كل منهم لإضافة لمساته على القصة الشيقة، ويتذكر كيف خلع خروتشوف حذاءه، وبدأ بالتلويح به فوق رأسه، ومن ثم ضرب الطاولة به».
الصحافة العربية من جانبها كثيرا ما سوقت الحادثة على أنها جاءت في سياق تدخل الاتحاد السوفييتي لوقف العدوان الثلاثى على مصر، وتصف الأمر على أنه ذهاب الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف إلى هيئة الأمم المتحدة وخلع حذائه والضرب به على المنصة، ومطالبة دول العدوان بالانسحاب الفوري، وإلا فإنه سيضرب لندن وباريس بالصواريخ النووية، لذلك ضغطت واشنطن على دول العدوان لتسحب قواتها، وبالفعل تحقق الانسحاب وحقق العرب انتصارا سياسيا كبيرا . لقد كتبت مئات المقالات والتحليلات حول الموضوع، لكن ربما تكمن المفارقة في ما رواه أحد الشهود، الذي ذكر أن الصورة التي تلت انتهاء خروشوف من مداخلته العصبية أظهرته وهو يلبس فردتي حذائه، فقيل حينها إنه خطف الحذاء من قدم أحد الرؤساء العرب، الذي كان يغط في النوم أثناء الجلسة، وأمجاد يا عرب أمجاد لان الحذاء كان عربيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com