مقالات

منى سعيد .. جمر وندى . ٤من ٤ . الأخيرة

بيدر ميديا .

هوامش الخاتمة:

الباحث عبد الحميد برتو .

كانت الكاتبة منى سعيد في جمر ونَدى، جريئة برسم صور علاقاتها مع الآخرين، أفراداً وجماعات ومؤسسات. مع مَنْ تحب، أو حتى مع مَنْ يتحرش، وعن إنطباعاتها فيما يخص معظم المواقف، التي مرت عليها أيضاً. إن الحديث الواضح والصريح في المجتمعات والجماعات المغلقة، عن كل التابوهات الإجتماعية من المحرمات الفاقعة. خاصة إذا صدر عن إمرأة. تتناول أو تقول صراحة ما صدر عنها، أو تعرضت له، أو ما يعتلج في صدرها، دون تغطيته بستائر الزيف. هنا تظهر عند أغلبهم إدعاءات: العرف، الشيمة، الحرص، الإتزان والأصول وغيرها. كلها ميادين واسعة ليس لممارسة الكذب بطابعه المنافق فقط، إنما كذب له مردود مادي أو إعتباري. تلك الستائر تمتلك درجات سمك لا حصر لها. باتت محاولات التخفيف من سمك قماشة تلك الستائر أو درجة تركيز العتمة فيها، ما يمكن أن يُعد معركة إجتماعية ذات إهمية وقيمة، على طريق الإقتراب من الحالة الإنسانية في الصدق والتقرب مما ينبغي أن يكون، ولا أقول التطابق، بين المعتقدات المعلنة والسلوك الفعلي قولاً وممارسة.

هذا الواقع، أي التطبع على سلوك التكتم غير الضروري جداً، هو الصف الأول في مدرسة الكذب الإجتماعي الخطيرة على الحاضر والمستقبل معاً. لا يغدر الإنسان الصريح بأحد، ولا يرتكب حماقات يتستر عليها. هذا الحكم يمكن التأكد من صحته بمجرد إقدام أي شخص على مراجعة الأحداث، التي مرت عليه والتعرف على خصائص وطبيعة مصادرها.

أضرت سيادة قيم الوجهين والوجوه المتعددة أحياناً بمجتمعاتنا العربية والإسلامية ضرراً بالغاً. وبصدد المناخات التي ساهمت بفعالية في خلق هذه الحالة المؤلمة، تتجلى فيها كمحرك فعال ممارسات سياسة الإذلال والتجويع وتعميم الجهل وتهشيم صور المثال القيمي وحب المعرفة. في الغالب، إن لم يكن على الإطلاق، تتحمل المرأة دفع الضريبة الجائرة والحصة الأكبر لأثقال ورعونة هذه الحالات. إن غياب الصراحة والإستعداد لدفع ثمن أضرارها والخوف من المجهول أزاء ردود أفعال الآخرين، كانا من العوامل الأساسية في فساد الواقع السياسي، وتربع السياسيين الفاسدين والسراق على الدرجات العليا للسلم الوظيفي للحكومات، وفي جني الإمتيازات غير المشروعة. إمتدت تلك المخاطر الى صفوف بعض الجماعات الإجتماعية المتنوعة، ذات الأهداف النبيلة أو نقيضها أو ما بينهما، وفي خلق التحرش الإجتماعي الفج إتجاه النساء في الشوارع.

رصدت الكاتبة بثقة وروح واعية الكثير من المظاهر السلبية في مجتمعنا العراقي وبقية المجتمعات العربية التي عاشت فيها. من بينها حالات التحرش، مدركة أن الحديث الشفاف عنها، يساهم في تعديل خط سير بعض الإنحرافات الإجتماعية، صوب قيم إحترام خصوصية الإنسان. مرت الكاتبة بتجربة تحرش مبكرة. إستعانت عائلتها بإبن أحدى صديقتها لمعالجة ضعفها في الحساب وجدول الضرب وما الى ذلك. عندما كانت في الصف الخامس الإبتدائي. شعرت ذات يوم بالتودد الزائد مِمَنْ جاء لمساعدتها في دروسها. قالت إنها كانت غير غافلة عما يبيته لها، عندما دعاها لمساعدة العائلة في بسط الأفرشة على سطح البيت. وأضافت: “فما إن بلغنا السطح حتى التصق بجسدي وقبلني بحرارة .. ارتعشت، نزلت من السطح باكية أداري خجلي وارتباكي”.

وعلى صعيد آخر، أرى أن الإحساس بالميل للآخر بين المرأة والرجل شعور إنساني غريزي متكافئ. طبع تاريخ البشرية بطابعه. يكون أكثر رومانسية وإتقاداً وتوهجاً، لِمَنْ هم في مرحلة الشباب، هذا دون إلغاء حالات مماثلة في مراحل عمرية أخرى. بالمقابل يشير النظر أو التقويم الزائغ نحو ذلك الميل الطبيعي، الى وجود عطب ما عند أصحاب تلك النظرة. أرى أن القمع الإجتماعي، مصادرة الأحاسيس، ضعف المقدرة على إتخاذ القرارات، التفسيرات الجائرة لقيم الإديان السماوية، البلادة والخلل التكويني والبنائي في فهم الذخيرة المتراكمة عند المجتمات وروادها المتنورين، ساهمت مجتمعة بتشويه إسلوب الحياة، وفي إجهاض أعداد لا حصر لها من إمكانات قيام عائلات متحابة ومتماسكة، تخلق أجيالاً جديدة أرقى سلوكاً وتعاملاً وإنتاجاً.

كل إنسان ذي عقل وتكوين سليمين، لابد أن يمر بتجربة من هذا النوع. تتكل أعداد من تلك التجارب بالظفر وأخرى بالفشل. لسنا هنا بصدد التوسع في رصد وتقويم المعايير المعتمدة في هذا الميدان الحيوي، الذي نال قسطاً وافراً من دراسات علوم وعلماء الإنسان. إن الحديث عن تجربة فاشلة يمثل جزءً من جرأة كاتبتنا. ربما سعت للقول لنا نحن قراؤها: إني قلت لكم كل شيء. عن حبي الأول في الجامعة، كتبت: “شعرت بانشدادي إليه، وتسمرت بمكاني.. سرحت أتأمله ولم أعد افقه ما يقول.. تجرأت ودعوته بعد الإجتماع إلى شرب الشاي في مقهى شعبي قريب، وسرعان ما أنفضح إعجابي به. المدهش بادلني الإعجاب نفسه. أحمر وجهي خجلاً على وقع إيقاع نبضات قلبي المتسارعة معلنة بدء تجربة حب للمرة الأولى في حياتي”.

تبادل الحبيبان الزيارات والأحاديث الحلوة في حديقة أكاديمية الفنون الجميلة وشوارع الوزيرية ببغداد. تعلقت برفيقها، الذي جاء للإشراف على خليتهم الحزبية. هو، كما ذكرت، تعلق بها أيضاً. لكن الرياح لا تجري دائماً كما تشتهي السفن. داهمهما قرار هروب الرفيق الحزبي، الذي تعرفت عليه من خلال زيارة حزبية وأحبته. هرب من العراق بسبب إشتداد ملاحقة النظام للشيوعيين والبطش بهم. لم تدم تلك التجربة سوى شهرين فقط. قبل السفر بيومين نظما رحلة إلى بستان أحد أقرباء فتى الأحلام، هناك نقشا إسميهما على شجرة يوكالبتوس. جالا في ليلة الوداع الحزين بمعظم مناطق بغداد. عانت لوعة الفراق وأمضت الليالي باكية، تأمل وصول رسالة منه. لم تنل التجربة حظها من النجاح. ولكنها ساقتها الى جريدة الحزب الشيوعي العراقي ـ طريق الشعب، والى القسم الفني تحديداً. وأخيراً أتجنب عادة، بل أخشى، الأحكام القطعية. ولكن ذلك لا يمنعني من تسجيل مشاهداتي، التي وجدت من خلالها أن حبل التعلق بالآخر أقوى عند النساء، بما لا يقارن عند الرجال. فالمرأة لديها المقدرة على حفر الذكريات المحببة لديها على سطح قلبها.

تلقت البلاد كلها والكاتبة نهاية الحرب العراقية ـ الإيرانية بفرح غامر. فتحت النهاية لفترة قصيرة أبواب العراق المغلقة أمام السفر وغيره من النشاطات. خاصة حركة الطائرات المدنية في الرحلات الداخلية والخارجية. هذا على الرغم من أن أحدى السفرات كسرت فقرتين في عمودها الفقري، نتيجة للهبوط الإضطراري للطائرة التي أقلتها الى تركيا.

فاق تقويمها لكل الحروب التي مرت على العراق، طروحات كثيرين إدعوا التخصص في شؤون الحرب والسلام. كان الإنصاف والحس الوطني مرشدها في رواية فواجع جميع الحروب، التي إجتاحت بلادنا. أعطت للأحداث مسمياتها الحقيقية دون لف ودوران، هكذا ببساطة الصادقين مع أنفسهم. لننظر في هذه الجملة: “13 شباط/ فبراير 1991 تضرب طائرتان أمريكيتان أف 117 ملجأ العامرية وتقتل 400 ضحية من النساء والأطفال. رأيت جثث العشرات منهم متفحمة، وهم ينقلون إلى مستشفى الجملة العصبية في ذلك المساء الأغبر الأشد بشاعة في تاريخ العراق”.

سردت الكثير من قصص ووقائع عملها الصحفي منذ عام 1992 في الخارج. كان الأردن محطتها الأولى لمدة سبعة أعوام. ومن ثم دول الخليج مترجمة وصحفية. تلك الرحلة المديدة حملت الكثير من الأفراح والأتراح، منها: توفير التغطية الجيدة لمتطلبات الحياة المعاشية، الإستغناء عن خدماتها الإعلامية، مكابدات البحث عن عمل جديد، الوعود ونكرانها، سطوة رب العمل وموحشات التغرب. إن إنتقال الإنسان للعمل الصحفي، خاصة في بعض البلدان العربية، يواجه العديد من المشكلات المتعلقة بتأشيرات السفر، الى تضارب الظروف وعدم وجود فرص عمل مستقرة، وكذلك عدم إستقرار المؤسسات الإعلامية نفسها أو إنفراط عقدها.

شيء جميل أن نعثر على عبارة مفرحة حول عملها سكرتيراً لتحرير مجلة خليجي، تقول: “سعدت جداً بوظيفتي الجديدة وبكادر المجلة من العنصر الرجالي ومن الجالية السودانية حصراً.. كنت السيدة الوحيدة بينهم، وسرعان ما نشأت بيننا أواصر صداقة وألفة جميلة، وقد شدني تعاون الزملاء فيما بينهم وتكاتفهم، واستغربت طلب إجازة مني لكل واحد منهم أسبوعيا لغرض التفرّغ لخدمة الجميع. إذ يتكفل هذا الزميل المُجاز بإعداد الطعام، وتنظيف المنزل، الذي استأجره لهم رئيس التحرير. كما خصص الجميع مبالغ مستقطعة من رواتبهم شهرياً لمد (الصندوق)، بهدف تجميع المال الكافي لإستقدام زميل صحفي آخر من السودان، ولمساعدة أي منهم في شراء مستلزمات السفر عند الإجازة.. طربت لمواهبهم الموسيقية والغنائية في أثناء إقامتي”. وأنا من جانبي، أقول: كم هو جميل تضامن الكادحين. هذه تجربة رائعة ذات إعتبار وأهمية فائقة.

ذكرتني الكاتبة منى سعيد في موقعين: الأول عند ذكر أسماء زميلاتها وزملائها في قسم المونتاج بطريق الشعب. درجت إسمي سهواً بينهم. وجدت تبرراً لذلك السهو بالصلات الوطيدة، التي تربطني ببعض زملاء وزميلات ذلك القسم، خاصة إنتشال التميمي. وأخرى حين تحدثت عن إقتران بعض الزميلات والزملاء، وبناء حياة زوجية مستقر. لم تعصف بها حالات القمع أو الهروب الإضطراري. من خلال قراءاتي لمذكرات العديد من الرفاق الأصدقاء. لاحظت أن تقادم الأحداث التفصيلية قد تتشابك بحدود بسيطة.

عدت الى الوطن من الخارج عام 1973. أقول عن تلك الفترة: إنها شهدت إغتناء حياة الشيوعيين وأصدقائهم بنوع من الفرح الطافح، بفعل الإفراط بالتفاؤل. وعلى الرغم من إعتراضاتي من البدء على تلك الجبهة مع البعث، قبل وبعد قيامها، بسبب نيات الطرف الآخر، وليس مبدأ التحالفات الوطنية. وهذا موقف يعرف الرفاق والخصوم. دفعت مرارة ثمنه باهظاً. أقول: كانت حياة بغداد جميلة للغاية، من ناحية مشاعر الناس وحلمهم بشيءِ من الإستقرار. وجدت نفسي بين رفاقي وسط حياة طيبة لحدود بعيد. هذا على الرغم من قسوتها عليَّ، خاصة أني لم أستطع ممارسة أي عمل، بسبب إعتباري جندي متخلف عن الخدمة العسكرية، على الرغم من أني كنت طالباً مستمر على الدراسة، ومحال الى ما يُعرف بالخدمة المقصورة بسببها. نشأ هذا الوضع الصعب جداً. بفضل عناصر من طرفي التحالف الرئيسيين. وهذا الوضع شطر حياتي في بغداد الى قسمين: قبل وبعد الخدمة العسكرية. عملت في القسم الأول مديراً لدار الرواد التابعة للحزب في منطقة المربعة. وبعد العسكرية محرراً في صفحة حياة العمال والفلاحين بطريق الشعب، يتولى تلك الصفحة الشاعر مخلص خليل، ويشرف عليها الرفيق عبد السلام الناصري.

خطبت زوجتي زاهرة هادي عن طريق وجود علاقة عائلية، وليس من خلال العمل في الجريدة. وبديهي أن يكون الخطابة من الرفاق في الجريدة التي عملت فيها محرراً، منهم: الرفيق الراحل عبد الرزاق الصافي والرفيق رضا الظاهر وغيرهما. عقدنا القران في المحكمة بالكرادة. كان الشهود من الجريدة أيضا، هما: الشاعر نبيل ياسين والصحفي والمترجم الراحل سعدي عبداللطيف. بعد أن طلب الحزب مغادرتي خرجت مشياً الى سوريا، لأني ممنوع من السفر من قبل المخابرات. عندما أصبحت في دمشق بات الإنتقال الى بيروت يسيراً. تولت عائلتي إيصال زوجتي الى بيروت، وبعد يوم واحد من وصولها سافرنا سوية الى براغ بمساعدة الأصدقاء الفلسطينيين.

وجدت دافعاً لكتابة هذه الورقة عن كتاب جمر ونَدى لمنى سعيد من خلال كونه قصة عذاب مريرة. تعكس جانباً من حياة نساء العراق عامة والمثقفات منهن خاصة. إن المرأة تقوم بدور أساسي في بلادنا ومنطقتنا. ولكن ذلك الدور لا يحظى بالاعتراف الواجب على الأصعدة الرسمية كافة، وحتى الشعبية لحد ما. إن الموقف التقدمي والإنساني إتجاه المرأة مازال رجراجاً وغير متجذر في السلوك الإجتماعي العائلي والمجتمعي، وحتى لبعض مَنْ يحسبون على القوى التقدمية. أكتب هذه الورقة كتعبير عن الإعتزاز بتلك السنوات التي عشتها وسط جيل كان شديد الحيوية والتطلع لحياة أفضل، ومنهم الكاتبة نفسها.

بعد أن أتممت كتابة هذه الورقة، سعيت الى قراءة كل التقاويمِ التي تناولت كتاب جمر ونَدى، وكل ما يقع في بين يدي عن الكتاب والكاتبة، التي أعتز بمعرفتها وزوجها والأوساط، التي شهدت جزءً من حياتهما. تعمدت تأجيل قراءة تلك التقاويمِ دفعاً لأي إحتمال في التأثر أو التناص وكل الإحتمالات التي تتركها عمليات القراءة، المنظورة منها وغير المنظورة، المدركة وغير المدركة. ربما ذلك قد يندرح في القواعد المتبعة بعلم إجتماع الفن. أقصد التعامل المنفرد مع النص ضمن ذخيرة ما قبل قراءة ونقد العمل. لأن تلك الذخيرة السابقة تدخل عاملاً حاسماً في التقويم. لاحظت أن بين المشاركين في التقويم كاتبات وكتاب لهم مكانتهم الطيبة في إختصاصاتهم. أجمعوا على تقويم العمل بكل إيجابية، ناهيك عما أثاره العمل من تعزيز لجمال روح التضامن والصارمة الفنية في التقويم.

ضم الكتاب ألبوم صور شخصية، تمثل جوانب من رحلة الكاتبة في الحياة والعمل. يعطي ذلك الألبوم لمسة مناسبة لتلك الفصول، بمرارتها الكثيرة الكثيرة، وبحلاوتها القليلة القليلة. أتمنى أن ينال كتاب جمر ونَدى كل ما يستحق من لدن النقاد والقراء. وأن تواصل الكاتبة العطاء، بما نذرت نفسها له، وهو حب الكلمة الصادقة والناس الطيبة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com