منوعات

فتّشوا عن «أنف بينوكيو» في وجوه أعداء فلسطين!

بيدر ميديا.."

فتّشوا عن «أنف بينوكيو» في وجوه أعداء فلسطين!

الطاهر الطويل

 

مَن منّا لا يعرف حكاية أنف «بينوكيو» التي تابعنا حلقاتها الشائقة في القصص والرسوم الكارتونية ونحن صغار؟ مَن منّا لا يتذكر شخصية ذلك الطفل الذي يكبر أنفه كلما شرع في الكذب؟
إذا كانت هذه الحكاية بدأت كقصة خيالية في القرن التاسع عشر لدى الكاتب الإيطالي «كارلو كولودي»، فإنها تحوّلت اليوم إلى وصف لمرض يحمل اسم «متلازمة بينوكيو». ولعل انتشار هذا المرض في زمننا الحالي فاق تفشي وباء «كوفيد 19» سيء الذكر!
في السياسة كما في الإعلام، يتبنّى الكثيرون في الأوساط الغربية هذه الأيام مقولة «اكذب… اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس» المتوارثة عن «جوزيف غوبلز» الذي كان وزير الدعاية السياسية في عهد «أدولف هتلر» وأحد أكبر مُنظّري ألمانيا النازية. ولا يدري مروّجو الكذب أن مناخيرهم سوف تظهر للناس في الحين ضخمة وبشعة!
وهكذا، صار الكذب والتضليل وخداع الرأي العام أحد «الأسلحة» التي يعتمدها مؤيدو الكيان الصهيوني من أجل تعزيز أطروحة هذا الأخير، وتبرير جرائمه في حق الشعب الفلسطيني المقاوم، ولا سيما مع العدوان الهمجي الحالي على غزة.
من الأمثلة الصارخة على هذا النهج، ترويج الادعاء الكاذب بأن كتائب الشهيد «عز الدين القسام» عملت على قطع رؤوس الأطفال خلال اقتحامها إحدى المستوطنات الإسرائيلية. وهي أكذوبة مفضوحة روّجتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتبنّاها الرئيس الأمريكي «جو بايدن» وأطلقها أمام الملأ، كما رددتها وسائل إعلام غربية موالية لإسرائيل.
وكان لافتا للانتباه أن مبعوثة قناة «سي إن إن» الأمريكية، «سارة سيندر»، إلى مناطق المواجهة، رددت في مراسلتها التلفزيونية أراجيف العدو الصهيوني عن مقتل أطفال إسرائيليين على يد عناصر المقاومة الفلسطينية الباسلة مع انطلاقة عملية «طوفان الأقصى». وبعدما انفضحت أكذوبة الإعلامية الأمريكية نفسها وتعرّت مصداقيتها، اضطرت إلى الاعتذار، لكن ليس عبر شاشة التلفزيون، وإنما فقط عبر منصة «إكس»، حيث نشرت تغريدة قالت فيها، إنها تأسف لنقلها مزاعم عن قطع رؤوس أطفال إسرائيليين، خلال بث مباشر!
وهو السلوك ذاته الذي انتهجته واشنطن، إذ فنّد المتحدث باسم البيت الأبيض مزاعم «جو بايدن» وهلوساته، قائلا إنه «لا الرئيس بايدن ولا أي مسؤول أمريكي رأى أيّ صور أو تأكد من صحة تقارير بشأن ذلك بشكل مستقل».
«إذا كانت لديكم أدلة ملموسة ـ ومن بينها الصور ـ على ما تدّعون من قطع لرؤوس الأطفال، فهاتوا برهانكم ليصدقكم الناس»، سؤال واجه به إعلامي عربي مسؤولا أمريكيا، «فبُهِتَ الذي كفر» كما جاء في القرآن الكريم، والمقصود بالكفر في هذا السياق التنكر للقيم الإنسانية والأخلاق الرفيعة!

زلّة أم خطأ مقصود؟

بعد الكذّابين الأفّاقين في بلاد «العم سام»، ها هي بريطانيا يدخلها مرض «متلازمة بينوكيو»، ويقتحم تحديدًا بعض غرف الأخبار؛ فقناة «بي بي سي» تصف متظاهرين متضامنين مع فلسطين في بعض المدن البريطانية بكونهم «داعمي حماس»!
وبعدما تلقت القناة «طوفانا» من الانتقادات، أشبه بـ «طوفان الأقصى»، اضطرت إلى الاعتذار، حيث ورد على لسان مذيعة المؤسسة الإعلامية العريقة «مريم ميشاري» ما يلي: «تحدثنا في وقت سابق عن بعض المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في نهاية الأسبوع، وتحدثنا عن عدة مظاهرات في جميع أنحاء بريطانيا أعرب خلالها الناس عن دعمهم لحماس. نحن نقبل أن هذا قد تمت صياغته بشكل سيء وكان وصفا مضللا للمظاهرة». وهو عذر أقبح من الزلة، باعتبار أن الناس يَعتدُّون في الغالب بالخبر الأول عند نشره لأول مرة، وأيضا عند إعادته، أما التصويب والاعتذار فقلّما يُنتبَه إليه أو يُؤخذ بعين الاعتبار. فهل كانت المسألة مجرد زلّة لسان؟ أم إنها خطأ مقصود ومتعمّد «عن سبق إصرار وترصد» كما يَرِدُ في المحاضر الأمنية والقضائية؟
قناة «الجزيرة» رصدت بعضًا من الانتقادات الحادة التي وجهها إعلاميون وكتّاب ومدوّنون عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى «بي بي سي»، إذ لاحظ الكاتب البريطاني «أوين جوناس» أن «هذا التشويه كان مثالا خطيرا للتحيز الإعلامي، فالعديد من المحتجين مسلمون بريطانيون، تألموا لموت إخوانهم في فلسطين، وتصنيفهم كداعمين لحماس يزيد من خطر الهجمات المعادية على المسلمين.
أما المصور الصحافي مارتين أوكيجلاهن فقد وصف بيان القناة المشار إليها في شأن صياغتها المضللة بأنه «جاء متأخرا»، من منطلق أن «ضرر إثارة الكراهية والانقسام قد وقع»، وأضاف «لا توجد غرفة أخبار تبث عبارة عرضية مرتين إلا إذا كانت متعمدة.»
في حين كتبت الناشطة تيم جبرو: «لم تكن صياغتها سيئة، بل كذبة تمهد لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتجريمهم وأي شخص يجرؤ على الاحتجاج ضد الإبادة الجماعية التي نشهدها حاليا».
وسجّل المدوّن سامي الهاشمي وجود «عدد غير مسبوق من الاعتذارات عن التغطيات غير المسؤولة والمعايير السيئة من المؤسسات الإعلامية.»
هذه هي بريطانيا، مدرسة الصحافة العالمية، وحاملة لواء المهنية والتي كانت تصف نفسها بأنها إحدى قلاع مدونة السلوك في وسائل الإعلام، تخرق اليوم أهم شروط مهنة الصحافة، أي المصداقية والموضوعية وعدم التحيز!
فهل تراها، إذن، «تستحق» جائزة «أنف بينوكيو»؟
مهلاً، فقد جاء الاستثناء من الإعلامي التونسي بسام بونني الذي غرّد على «تويتر» هذا الأسبوع: «تقدّمت صباح اليوم باستقالتي من هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي لما يحتّمه عليّ الضمير المهني».

الفنانون مِلل ونِحل!

وكما هو الشأن في الإعلام، فإن الحرب الجارية على غزة أظهرت نوعية «معادن» الفنانين العرب الذين تشتتوا وتفرقوا مِللاً ونِحلاً، بعضهم عبّر عن تضامنه القوي مع الفلسطينيين بشكل صريح، والبعض الآخر ساوى بين الجلاد والضحية وأحيانا وجّه اللوم إلى المقاومة الفلسطينية، فيما اختارت فئة ثالثة الركون إلى «صمت الحملان»، وفق العبارة التي وردت في عنوان الفيلم الأمريكي الشهير.
ومن المخجل حقا أن يتسم موقف بعض الفنانين العرب بالسلبية والشماتة، في الوقت الذي يجاهر فيه نجوم غربيون بمواقف مشرفة تجاه الفلسطينيين، مثلما رصدت ذلك قناة «روسيا اليوم» في موقعها الإلكتروني باللغة العربية: الممثلة والمغنية ومصممة الأزياء الأمريكية روبين ريانا فينتي، نشرت على حسابها في موقع «إنستغرام» صوة لطفلة فلسطينية باكية، وعلقت قائلة: «أنا أصلي من أجل السلام. أصلي من أجل إنهاء العنف. أصلي من أجل سلامة الجميع.» أما المغني ومؤلف الأغاني الكندي جاستن بيبر، فقد نشر على «إكس» صورة لامرأة وطفل فلسطينيين ملقيين على الأرض، وكتب يقول: «إنه لأمر فظيع. علينا أن نوقف هذا الأمر». عارضة الأزياء البريطانية الشهيرة، نعومي كامبل بدورها نشرت على حسابها في «إنستغرام» صورة لأطفال فلسطينيين يلعبون كرة القدم، وعلقت قائلة: «الأطفال لا يجب أن يعانوا.» المغنية الأمريكية ليدي غاغا تفاعلت هي الأخرى مع ما يجري، ونشرت صورة للاجئين فلسطينيين، وكتبت تقول: «علينا أن نفعل المزيد لمساعدة هؤلاء الناس.» وبالطريقة ذاتها عبّر نجم كرة السلة الأمريكية السابق مايكل جوردان، إذ نشر على «إكس» صورة لأسرة فلسطينية فقدت منزلها أرفقها بتعليق يقول: «يجب أن ينتهي هذا الصراع».

٭ كاتب من المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com