مقالات

رحيل طه صفوك “أبو ناصر”

محمد السعدي

لم يمهله العمر الى إطلالة عام جديد ٢٠١٩ , حيث رحل بسرعة بدون وداع , كما ورد في المنشورات والتعازي والتعليقات من رفاقه وأصدقائه ومحبيه القريبين والبعيدين . ألتقيت بالفقيد أبو ناصر في المرة الاولى بشكل مباشر صيف عام ١٩٨٣ في منطقة (كرجال) بمصيف أحمداوه خلف سلسلة جبال (بيارا وطويلة) . ومن ساعات تلك اللقاء امتدت علاقتنا المباشرة (الحزبية) الى عام ١٩٨٨ بتركي مواقع العمل في جبل ( قرداغ ) . كان أخر من ودعته بعد سلسلة لقاءات فاشلة بيننا , فقد وصلت أحاديثنا وحوارنا الى طريق مسدود أنهيناه بحديث مقتضب في ذلك الشتاء الممطر في مقر قاطع سليمانية وكركوك في جبل قرداغ .

حيث قال لي في توديعه الأخير .. سوف تموت جوعاً في المدن الايرانية ؟. قلت له ربما.

طه صفوك أبو ناصر
طه صفوك أبو ناصر

كان المرحوم أبو ناصر طيلة سنوات الجبل والعمل السري هو مسؤولي المباشر باعتباره يقود العمل أو القائد الفعلي لتنظيمات الداخل في المناطق الوسطى من العراق. أعاد الصلات المقطوعة للتنظيمات الحزبية عبر كوادر حزبية مجربة في مطلع الثمانينيات. أعتمد بشكل مباشر على أهله في البداية وتحديداً أخيه الشهيد أبو ستار وعائلته انطلاقا من بساتينهم في (جديدة الشط) محافظة ديالى , والتي جرفت وقلعت أشجارها بعد اعتقال الرفاق ومصادرة ممتلكاتهم التنظيمية يوم ٣١ ديسمبر ١٩٨٥ , في أكبر حملة شرسة نفذتها أجهزة البعث ضد تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي بعد حملته الدموية الكبيرة عام ١٩٧٨ .

الراحل أبو ناصر من القلة الذي يتمتعون بنكران ذات مغروسة بالبساطة والتواضع. كان كادراً تنظيمياً مجرباً وربما تلك الميزة منذ بداياته وظروفها الصعبة أبعدته عن الجانب الفكري , وهذا بحد ذاته ليس خللاً كبيراً , أذا كان مميزاً بجوانب أخرى ربما أصعب وأخطر في مسيرة النضال .

لقد رويت في كتابي (سجين الشعبة الخامسة) . صفحات عن علاقتي الحزبية بأبي ناصر والمهام التي ألقيت عليه والخطط من خلال نزولي الى بغداد عام ١٩٨٦ من الجبل.

الراحل أبو ناصر لم تطأ قدميه شوارع بغداد وديالى طيلة ثمانية سنوات التي قضاها في الجبل , لكنه كان متابعاً جيداً لمراحل تطور التنظيمات وحريصاً على تطويرها في مواجهة أجهزة البعث وقوته . 

في شباط عام ١٩٨٦ كنت مع رفيقي سلام العكيلي (محمد عرب) . ودعنا أبو ناصر في كلي ( زيوه ) . بعد أن استلمنا كافة التوجيهات المترتبة في عملنا الاحق للالتحاق برفاقنا. باتجاه تنظيمات الداخل ( وكر بساتين جديدة الشط ) . الرفيق سلام كان قبل عام مضى ضمن تلك التنظيمات وفي ذلك الوكر الحزبي , وهو الأدرى بتفاصيله وطرق الوصول أليه . في مقر جبل (كاره) قررنا حيث سأكون أنا الأول في التوجه الى بغداد وحددنا الموعد في اللقاء الأول سيكون في موقف الباص بمنطقة الاعظمية بجانب السينما والتي تحولت فيما بعد الى مسرح السلام من يوم الجمعة الساعة الواحدة ظهراً.

في طلة ربيع بغدادي جميل. ذهبت الى الموعد وبيدي جريدة الجمهورية ومجلة ألف باء , على أمل سألتقي برفيقي سلام العكيلي بعد أسبوع صعب وخطر قضيته في بغداد . وضمن الاتفاق أن لا يتعدى الانتظار أكثر من خمسة دقائق , وأن لم يتم اللقاء في الجمعة الأولى سيكرر في الجمعة التي تليها . وذهبت في الجمعة الثانية حسب الاتفاق والموعد ولم ألتقي برفيقي سلام. تبين لاحقاً بعد وصلت معلومات الى التنظيم في الجبل ثمة أطراف حديث , أن هناك فاجعة كبيرة تعرضت لها أوكار الحزب التنظيمية في قرية ( جديدة الشط ) بمحافظة ديالى والخطوط التابعة لها . فتوقف نزول الرفيق سلام العكيلي الى بغداد. تحية خاصة له في منفاه في مدينة (ستوكهولم) وأتمنى أن يدلي بشهادته. أيضاً أنا خلال وجودي القصير في بغداد تلقيت إشاعات متناقلة عبر الألسن بوقوع الضربة (الكبسة) الكبيرة. بات وجودي في بغداد أشبه بالانتحار وسط وضع متلاطم بالأحداث والمفاجأة , فكل خطط عملنا وتحركنا ذهبت سدى بعد أن تعرض التنظيم الى الإبادة في ساعة صفر واحدة في ليل ٣١ كانون الاول ( ديسمبر ) ١٩٨٥ . بعد أيام وأسابيع وشهور رافقته مخاطر حقيقية. تمكنت بمد بعض الجسور ومأوى قلق , أخباري كانت كلها مقطوعة عن الحزب والتنظيم , لكني بدأت أشكل نواة لعلاقات أتنفس من خلالها .

بعد أربعة شهور وعشرون يوماً في بغداد. استلمت رسالة حزبية من الراحل طه صفوك (أبو ناصر) . يسأل عني ويشيد بموقفي . ويلمح بها حول حجم الكارثة التي وقعت , وبها اشاره واضحة لي حول التقصي بما حدث .                                                                                                                               ما الذي حدث ؟. وكيف وقع ؟. ومن هو المسؤول ؟. وما هو مصير الرفاق ؟.

أنا كنت قبلها بأسابيع. ذهبت الى قرية جديدة الشط للاطلاع وجلست في أحد مقاهيها لعلي أعثر على شيء يفيدنا , لكني رجعت خالي الوفاض . بعد تلك الاستقرار النسبي , بدأت ألتقي بأمي في بغداد المفجوعة بغيابي . وفي خطوة ربما لم تكن محسوبة بدقة. كلفت أمي أن تذهب الى بيت الحاج صفوك والد الراحل أبو ناصر وتحديداً تلتقي بأخيه أبو لينا (مخيبر) وعائلته , في صيف عام ١٩٨٦ ذهبت أمي ( خيرية السعدي ) الى قرية جديدة الشط بعد أن زودتها بمعلومات ووقائع تدل على طمأنة الجانب الاخر . وكانت كل الاحتمالات والوقائع واردة في عمل صعب جداً , بمثابة انتحار يومي بمواجهة أجهزة متمرسة وشرسة .

رأت بعينها حجم الدمار الذي وقع في البيت والبستان. وفي اللحظة التي وطأة قدماه عتبة بيت مخيبر واجهها المرحوم حاج صفوك بتسليمها الى الأمن , خوفاً من أن تكون مرسلة من قبلهم , وهذه كانت واحدة من ألاعيبهم الدنيئة .

على حد تعبير أمي ( بشهكان الروح ) تمكنت من أقناعه بمساعدة عائلة مخيبر . بعد شحنة تلك الاجواء من الأخذ والرد. ساد الهدوء والأمان. وقامت أبنتهم لينا بكتابة صفحات عن ما حدث بتلقين من والدها وأمها وجدها صفوك وسلم الى أمي.

وبعد أيام استلمته في بغداد ولمهمة وخطورة المعلومات الذي يحتويه . بدأت أبحث عن منفذ أتسلل منه الى الجبل لأسلمه باليد الى أبو ناصر في كلي ( زيوه ) في قاطع بهدينان . وتمكنت من الوصول بعد مخاطر جدية وحقيقية , كدت أروح ضحيتها .

كانت علاقتي بالراحل أبو ناصر ودية ورفاقية , وكنت أميناً عليها بلا مواربة , بعيداً عن الذين أشباه الرفاق حيث كل ما قدم لهم حزبياً ومعنوياً , لكنهم لا يلبثوا في طعنه في الظهر . يبدو لي كانت هذه واحدة من مميزات شيمنا وأخلاقنا وما زالت. في وجودنا بمقر ( زيوه ) الفصيل المستقل . تعرضت غرفة الراحل المعزولة ثابت حبيب العاني ( أبو حسان ) الى الهدم بسبب قصف مدفعي . قال لي أبو ألطف لازم نبادر بإعادة بناء غرفة رفيقنا أبو حسان , وخلال يومين قمنا أنا وأبو ناصر , طبعاً بمساعدة رفاق أخرين من ترميم غرفته .

في نهايات عام ١٩٨٦ بعد أن ضاقت طرق الاتصال والتحرك الى الداخل من قاطع ( بهدينان ) والالتباسات في المحطات الحزبية . قرر أبو ناصر العودة ثانية الى قاطع سليمانية وكركوك للبحث عن وسائل جديدة للنضال والتحرك نحو الداخل. تحركنا أنا والرفيق أبو ناصر مع مفرزة باتجاه مناطق لولان , وبعد أيام شتوية وقارصة وصلنا الى منطقة ( بربينان ) حيث قيادة الحزب هناك . ولرداءة الطقس وكثافة الثلوج على قمم الجبال أجل عبورنا الى الاراضي الايرانية لشهور الى ربيع ١٩٨٧. في تلك الفترة عقد أول اجتماع للجنة المركزية بعد المؤتمر الرابع للحزب . وحضر أبو ناصر الاجتماع وبلغ به عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي , وكانت بوادر الفرح والهمة واضحة عليه وباركت له وتمنيت مستقبل واضح لعملنا الحزبي .

عندما تركت الجبل عام ١٩٨٨ لم ألتقي بالراحل أبو ناصر , لكني كنت أتلقى أخباره عبر الرفاق والاصدقاء

وبعضها كانت رسائل مسمومة , كنت أقول دائماً سيأتي يوماً ونلتقي وتبان الحقيقة , لكنه رحل وينازعني رحيله وما يسعني الا أن أقول .

المجد له .. ولترقد روحه بسلام .. والعزاء لعائلته ومحبيه ورفاقه .

الوسوم
اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by wp-copyrightpro.com

إغلاق
إغلاق