مقالات

سردية غزو العراق تكتبها قوات الاحتلال.

بيدر ميديا.."

سردية غزو العراق تكتبها قوات الاحتلال

هيفاء زنكنة

 

يوفر المرور على عتبة العام العشرين للغزو الأمريكي البريطاني للعراق، فرصة كبيرة لدور النشر الغربية لإطلاق سراح العديد من الكتب المعنية بالغزو والاحتلال. كتب مركونة لديها انتظار للتوقيت الصحيح للتسويق، مهما كان نمط الكتب أو تخصصها سواء كانت موضوعاتها عسكرية أو اقتصادية أو أدبية. أقول دور النشر الغربية لأننا نعرف جيدا مدى فقر دور النشر العربية في نواحي التخطيط المستقبلي والتنظيم ومعرفة كيفية ترويج الكتاب، خاصة وأن معظمها لا يختار طباعة ونشر الكتب وفق نوعيتها أو مناسبة ألحدث بل حسب قدرة المؤلف على دفع تكاليف الطبع بدون أي التزام من صاحب دار النشر للترويج والتوزيع. وهي من العقبات التي تحول دون معرفتنا بحجم الاهتمام العربي الشعبي الحقيقي بذكرى الغزو العدواني وما ترتب عليه من نتائج إجرامية بحق العراق. ففي البلاد العربية، لا يعني غياب الكتب المُعالجة لموضوع معين غياب الاهتمام بقدر ما هي صعوبة النشر والتوزيع على الرغم من زيادة عدد الكتب المطبوعة، كونها على حساب المؤلفين، وبقاء مصيرها محصورا بالتوزيع على الأهل والأصدقاء.
فلا غرابة إذن، أن نلاحظ الغياب شبه الكلي للكتب الصادرة، عربيا، بمناسبة الذكرى العشرين لغزو العراق، وهي ذكرى مهمة، عربيا وعالميا، بكل المقاييس. فبينما يجد الباحث عن الكتب باللغات الأجنبية صدور عشرات الكتب بالمناسبة، يفشل بالعثور إلا على كتابين إثنين أو ثلاثة، بأحسن الأحوال، منشورة باللغة العربية من قبل أمة خرجت بملايينها احتجاجا على الغزو ودعما للشعب العراقي الذي رأوا فيه مقاوما لعدوان همجي يمس كرامة وسيادة الأمة العربية كلها. ولكن، هل يكفي إلقاء اللوم على دور النشر لوحدها، لفهم أسباب خلو الساحة من الكتب العربية عن الغزو؟ لا أعتقد ذلك فالأسباب متعددة ولعل أبرزها النجاح الذي حققته السردية الأمريكية ـ البريطانية في تحويل الغزو إلى تحرير، والمقاومة إلى إرهاب، والعراق الواحد إلى طوائف وقوميات متنازعة فيما بينها في محاصصة الفساد، وتحويل البلد إلى ساحة لاستعراض القدرة العسكرية والهيمنة السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية. وإذا أضفنا إلى ذلك سياسة الحكومات العربية في استهلاك عقول الناس وقدرتهم على التفكير والعمل على التغيير لانشغالهم باللهاث وراء الأساسيات، ونسيان ما عداها، لأدركنا كيفية تحويل واحدة من أكثر الأحداث الكارثية تأثيرا على المنطقة العربية والإسلامية، إلى مجرد يوم عادي، بالمقارنة مع الدول المسؤولة عن الغزو وانعكاساته.
الكتاب العربي الوحيد الذي صادف إصداره ذكرى الغزو وحظي بالاحتفاء في معرض الكتاب في القاهرة هو كتاب الصحافي العراقي المخضرم سلام مسافر المعنون «الهمجية.. شهادات غزو واحتلال العراق في حوارات مع سلام مسافر» والذي يضم عددا من لقاءاته، مع عراقيين، على مدى 15 عاما، في برنامج «قصارى القول» الذي يتم بثه على قناة آر تي (روسيا اليوم).

قد لا تكون شحة الكتب المطبوعة بمناسبة مرور عشرين عاما على غزو واحتلال العراق بالتحديد باللغة العربية دليلا مطلقا على قلة الاهتمام الأكاديمية والشعبية إلا أنه، دليل لا يمكن إهماله، بخطورة أن تكتب قوات الاحتلال سرديتنا

من خلال الحوارات يعمل سلام على تقييم ما حدث في العراق جراء الغزو على نطاق عالمي، كاشفا عن تفاصيل، تذكر لأول مرة، عن جريمة الإعداد وتنفيذ غزو واحتلال العراق، حيث يقوم بدحض أكذوبة واشنطن عن البرنامج النووي العراقي وأسلحة الدمار الشامل مقابل جهود روسيا الاتحادية في التوصل إلى تسوية، تبعد شبح الحرب. أضاءت بقية الفصول جوانب متعددة من جرائم الاحتلال ومن بينها نهب قوات الاحتلال أموال وممتلكات البنك المركزي، بالإضافة إلى الأخطاء العسكرية التي ارتكبتها القوات المسلحة العراقية بمختلف أصنافها، وأفضت إلى سقوط بغداد في غضون أسبوعين، والمباحثات السرية بين القيادة العراقية في الحبس، والسلطات العسكرية الأمريكية المحتلة، وشهادات لكوكبة من المحامين والقضاة عن خفايا محاكمة صدام حسين التي انتهت بإعدامه.
بالمقابل، هناك عشرات الكتب التي إما صدرت أو على وشك الصدور، تزامنا مع ذكرى الغزو والاحتلال، باللغة الإنكليزية. تتصدرها يوميات ومذكرات أفراد قوات الاحتلال في العراق. يقدمون خلالها سردية تتسم بالشجاعة والصداقة الحميمة وروح التضحية والتكاتف في محاربة الإرهاب المهدد لأمريكا والعالم، على حساب تغييب الشعب العراقي أو ذكره كملاحظة هامشية. ففي «قلوب سوداء وبنادق مطلية: رحلة كتيبة إلى مثلث الموت في العراق» يروي المؤلف الضابط تجربته القتالية المضنية والمروعة في «حرب طائفية». وفي « تذكر كتيبة رامرود: أخوة في الجيش في الحرب والسلام» يقوم المؤلف وهو الحائز الوحيد على وسام الشرف في حرب العراق بسرده مذكراته عن مشاركته، في عام 2004، ضمن كتيبة مشاة رامرود التي « ساعدت في الفوز بمعركة الفلوجة، أكثر الأحداث دموية في حرب العراق». مستعرضا نجاحه « في تطهيره، بمفرده، موقعًا محصنًا للعدو». مستخدما مفردتي العدو والإرهاب لوسم كل مقاوم للاحتلال طبعا.
ولا تخلو قائمة الإصدارات من كتب سياسية أكاديمية. من بينها “مواجهة صدام حسين: جورج دبليو بوش وغزو العراق» لمؤرخ السياسة الخارجية الأمريكية ملفين ب. ليفلر، يحلل فيه سبب اختيار أمريكا للحرب ومن يتحمل المسؤولية الأكبر عن القرار. باستخدام مجموعة فريدة من المقابلات الشخصية مع عشرات كبار المسؤولين والوثائق الأمريكية والبريطانية التي رفعت عنها السرية، يصور ليفلر مشاعر القلق التي شكلت تفكير بوش بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر. ويُظهر كيف أثر الخوف والغطرسة والقوة على نهج بوش ليصل إلى خلاصة مغايرة لما هو معروف عن منهجية الأعداد للغزو مسبقا، بتأكيده على أن بوش «لم يكن متحمسا للحرب وقرار غزو العراق لم يكن أمرا واقعيا».
بالنسبة إلى الوضع داخل العراق، يتصدر القائمة كتابان. الأول «مستقبل قوات الحشد الشعبي العراقية: دروس من تاريخ جهود نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج» والثاني «غريب في مدينتك» للصحافي العراقي غيث عبد الأحد، الصادر باللغة الإنكليزية أيضا، إلا أنه الكتاب الوحيد الذي تُشكل السردية العراقية مركزه، من خلال ربط الخاص بالعام وتغطيته قصص العراقيين، خلال سنوات الاحتلال.
قد لا تكون شحة الكتب المطبوعة بمناسبة مرور عشرين عاما على غزو واحتلال العراق بالتحديد باللغة العربية دليلا مطلقا على قلة الاهتمام الأكاديمية والشعبية إلا أنه، دليل لا يمكن إهماله، بخطورة أن تكتب قوات الاحتلال سرديتنا، تاريخا وحاضرا، مرّوِجة إنسانيتها وتضحياتها وانتصاراتها بينما تختزل وجودنا، كشعب مُحتل، بالإرهاب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com