منوعات

صوت المدفع… من رعب الحرب إلى طقوس رمضان.

بيدر ميديا.."

صوت المدفع… من رعب الحرب إلى طقوس رمضان

صادق الطائي

 

أصوات المدافع تمثل السمة الأبرز لأجواء الحروب المرعبة، فهذا السلاح الفتاك منذ اختراعه قبل حوالي ثمانية قرون حتى الآن حصد أرواح ملايين البشر، بما ألقته قنابله من موت ودمار، لكنه من جانب آخر ارتبط في العالم الإسلامي بشهر رمضان، شهر الخير والمحبة والطاعة، في مفارقة تاريخية ما تزال تعيشها الشعوب الإسلامية، فيما بات يعرف بـ»مدفع رمضان».
من المنطق أن الناس ليسوا بحاجة إلى آلة حربية لتنبيههم لوقت الإفطار والإمساك في رمضان، لأن التوقيتين مرتبطان بأذان المغرب والفجر، وهو كاف لتنبيه المسلمين في أية مدينة لذلك، إذن كيف تحول صوت المدفع القبيح المرتبط بمشاهد الموت والدمار، إلى طقس من طقوس رمضان المحببة لدى المسلمين؟
تتفق الروايات الثلاث، التي حكت قصة بداية «مدفع رمضان»، على أنها حدثت نتيجة خطأ غير مقصود، أدى إلى انطلاق قنبلة مدفع مع وقت الإفطار في مدينة القاهرة، ومنها انتشرت إلى أنحاء العالم الإسلامي، لكن الروايات تختلف في ما بينها في تحديد زمن حادثة إطلاق قذيفة المدفع. يذكر فؤاد مرسي في كتابه «معجم رمضان» الروايات الثلاث لبداية قصة مدفع رمضان فيقول، إن الرواية الأولى ترجع إلى عهد السلطان المملوكي، الملك الظاهر أبو سعيد سيف الدين خُشقدم، الذي كان قد تلقي مدفعا هدية من أحد المصانع الألمانية، وفي أول يوم من رمضان عام 869 هـ الموافق 26 أبريل 1465، أمر السلطان بتجربة المدفع، ومع غروب شمس ذلك اليوم، دوت أول طلقة في سماء القاهرة، فظن الصائمون أن هذا إيذانا لهم بالإفطار، وفرحوا بذلك التقليد الجديد واستحسنوا ذلك الاختراع، وفي اليوم التالي تجمع الناس بانتظار انطلاق المدفع، وعلم السلطان سبب تجمهر الناس فما كان منه إلا أن أمر بأن يطلق المدفع عند غروب الشمس طول أيام رمضان. أما الرواية الثانية فتعيد قصة مدفع الإفطار إلى عهد والي مصر محمد علي باشا، الذي قام بشراء عدد من المدافع الحربية ضمن تخطيطه لبناء الجيش المصري، وتصادف تجريب أحد تلك المدافع لحظة غروب شمس، أحد أيام رمضان، فحسب الناس أن هذه طريقة جديدة لإعلامهم بوقت الإفطار، وفرحوا بها، وطلبوا من الوالي أن تستمر طول أيام شهر رمضان، فاستجاب لطلبهم، وأصبح المدفع يطلق مرة عند وقت الإفطار وأخرى وقت الإمساك. أما ثالث هذه الروايات فهي الرواية التي تقول، إن حكاية «مدفع الإفطار» تعود لزمن الخديوي إسماعيل، التي تقول :إن بعض الجنود كانوا يقومون بتنظيف المدافع الحربية الموجودة في قلعة صلاح الدين، فانطلقت قذيفة من أحد المدافع، وتصادف أن توافق وقت انطلاقها مع لحظة الغروب، فاعتقد الناس أن هذا أسلوب جديد اتبعته الحكومة لإبلاغهم بوقت الإفطار، وأصبحوا يتحدثون عن ذلك الأسلوب باستحسان شديد.

من المنطق أن الناس ليسوا بحاجة إلى آلة حربية لتنبيههم لوقت الإفطار والإمساك في رمضان، لأن التوقيتين مرتبطان بأذان المغرب والفجر، وهو كاف لتنبيه المسلمين في أية مدينة

ومع قليل من التمحيص التاريخي يمكننا التأكد من خطأ الروايتين الأولى والثالثة، وأن الرواية الحقيقية هي الرواية الثانية، أي أن مصادفة انطلاق قذيفة المدفع خطأ من قلعة صلاح الدين، قد تمت في زمن محمد علي باشا، إذ أن العلماء المرافقين للحملة الفرنسية على مصر كانوا قد درسوا أحوال مصر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية، ووضعوا في ذلك سفرا مهما هو كتاب «وصف مصر» بأجزائه المتعددة الذي تطرق إلى الحياة الدينية في مصر ومنها طقوس رمضان عام 1800، ولم يذكروا شيئا اسمه «مدفع رمضان»، ما يعني أن رواية مدفع الإفطار في زمن السلطان خوشقدم غير صحيحة. بينما يذكر الدكتور والرحالة الأيرلندي ريتشارد بيرتون في كتابه «رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز» الذي غطى في جزء منه الحياة المصرية في فترة إقامته في القاهرة عام 1853، أواخر أيام ولاية عباس باشا، ويذكر بتفصيل دقيق أيام رمضان في القاهرة فيقول في الفصل الخامس الخاص بطقوس شهر رمضان؛ «وفي ما يلى نذكر ما يحدث في أحد أيام الصيام، فبعد حوالي نصف ساعة من منتصف الليل ينطلق مدفع السحور منبها المسلمين لوجوب الاستعداد لتناول طعام السحور، وهو بمثابة إفطار مبكر وبمجرد سماع المدفع يوقظني خادمي إذا كنت نائما، ويحضر لي الماء للوضوء ويفرش السفرة وهى رداء جلدى ويضع أمامي بقايا وجبة المساء (يقصد طعام الإفطار الذي تناوله بعد سماع أذان المغرب). وبعدئذ نسمع «السلام» كتوطئة لأذان الفجر، وأظل أدخن بوهن وضعف كما لو كنت أودع صديقا حميما حتى ينطلق المدفع الثاني فى حوالى الساعة الثانية والنصف معلنا الإمساك ثم انتظر أذان الفجر الذي يرفع في شهر رمضان مبكرا بعض الشيء عن المعتاد». أما ما يخص مدفع الإفطار فيقول بيرتون؛ «أخيرا انطلق مدفع الإفطار من القلعة. وفي الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيا الناس للصلاة، وينطلق صوت المدفع الثاني من قصر العباسية، فيصيح الناس الإفطار، الإفطار، وتعم همهمة الفرح في أنحاء القاهرة الصامتة. ولا تعدم أذناك المرهفتان لحظة انتقال إحساس الترقب المبهج للسانك الجاف ومعدتك الخاوية وشفتيك الواهنتين، وتشعر بأنك تستطيع أن تشرب قلة كاملة من الماء عن آخرها مهما كانت كمية الماء فيها». ويتضح من رواية بيرتون ووصفه الدقيق أن ظاهرة «مدفع رمضان»، كانت تتم وبأكثر من إطلاقة عند الإفطار، الأولى من القلعة، والثانية من قصر العباسية، وكذلك في السحور، حيث الطلقة الأولى لبداية السحور، والثانية للإمساك، وإن هذا التقليد كان موجودا وراسخا عام 1853 أي قبل عهد الخديوي إسماعيل بأكثر من 15 عاما. ويذكر الباحث عمر الصيادي في مقال مهم، رحلة انتقال ظاهرة «مدفع رمضان» إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي، إذ يذكر أن عادة إطلاق المدافع عند الفجر وغروب الشمس انتقلت من مصر محمد علي، عبر بلاد الشام وصولاً إلى المناطق العثمانية الأساسية على الجانب الأوروبي من مضيق البوسفور، بما في ذلك إسطنبول والبلقان. كما أن هذه الممارسة موثقة أيضا في دول أخرى في شبه الجزيرة العربية مثل، قطر واليمن والبحرين، ويمكن ملاحظتها في المناطق ذات الأغلبية المسلمة في شبه القارة الهندية. إذ يوجد مدفع قديم ذو رطل واحد في ريزن فورت، وهي قلعة تقع على قمة تل في ولاية ماديا براديش الهندية. وفي شهر رمضان من كل عام، يوضع المدفع القديم في أعلى نقطة في القلعة، ويُجهز لإطلاق حوالي 300 غرام من البارود. وقد تم تقديم هذه الممارسة في عهد نواب بوبال (1707-1949)، وهي سلالة من الملوك المسلمين المستقلين الذين خدموا في ظل الإمبراطورية المغولية، وبعد ذلك في ظل الإمبراطورية البريطانية.
كما اعتمدت الدولة السعودية هذا التقليد منذ حوالي 100 عام، بعد سيطرتهم على المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة في عشرينيات القرن الماضي. وقد تم استعمال مدفع رمضان لاحقا في الشارقة في عهد صقر بن سلطان القاسمي (حكم من 1951 إلى 1965)، وفي دبي في ستينيات القرن العشرين على يد راشد بن سعيد آل مكتوم. وتستخدم المملكة العربية السعودية وإمارة الشارقة مدفعا فولاذيا مصنوعا خصيصا من عيار 75 ملم يتم تحميله من الخلف، ومثبتا على مجموعة من الإطارات المطاطية الصلبة. بينما تستخدم دبي ما مجموعه ستة مدافع هاوتزر بريطانية ذات 25 رطلا لإطلاق إطلاقات صوت فقط.
وفي البوسنة، الدولة الإسلامية الأوروبية، كان تقليد «مدفع رمضان» معمولا به حتى تم حظره أثناء الفترة الشيوعية، لكنه عاد للعمل الآن، إذ يجتمع سكان العاصمة سراييفو والسياح على حد سواء في قلعة زوتا تابيجا، بفارغ الصبر لمشاهدة إطلاق المدفع والاستمتاع بوجبة الإفطار. فمنذ عام 1997، أصبح إسماعيل كريفيتش مسؤولاً عن إطلاق مدفع رمضان الاحتفالي في سراييفو بمدفعه المخصص ذي الـ12 رطلا. أما في القدس، فكان المقدسيون يستخدمون مدفعا عثمانيا قديما في رمضان، إلى أن قّدم الجيش البريطاني مدفع هاوتزر أمريكي الصنع من عيار 75 ملم من طراز M1916 إلى السلطات الإسلامية المحلية عام 1945. وقد تم استخدام المدفع سابقا خلال الحرب العالمية الأولى، ولكنه استخدام لاحقا من قبل البريطانيين لأغراض التدريب. ويتم إطلاق المدفع في القدس تقليديا من مقبرة المجاهدين المقامة على تلة مرتفعة في شارع صلاح الدين، الذي يعتبر قلب المدينة التجاري خارج أسوار البلدة القديمة. لكن إبان الانتفاضة الأولى منعت سلطات الاحتلال توريد البارود الذي كان يستخدم لمدفع رمضان، وبالتالي تم منعه من العمل. وباتت عائلة صندوقة الفلسطينية المسؤولة عن مدفع رمضان منذ أكثر من 120 سنة تستخدم القنابل الصوتية، بدل البارود في إطلاق المدفع. إذ تستلم القنابل الصوتية من السلطات الإسرائيلية وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث تنتظر سيارة عسكرية إسرائيلية خارج مقبرة المجاهدين لحين إطلاق المدفع للتأكد من استخدام قنبلة الصوت لهدفها.
كاتب عراقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com