مقالات

هل يُفجّر محور فيلادلفيا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؟

بيدر ميديا.."

هل يُفجّر محور فيلادلفيا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؟

مثنى عبد الله

 

ظهرت في تصريحات المسؤولين الصهاينة مؤخرا، تسمية محور فيلادلفيا أو محور صلاح الدين، على أنه النقطة التي استثمرتها حركة حماس في تسليح نفسها على مدى السنوات الماضية. وعليه فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي، طرح حلا لهذه المسألة مؤخرا بالقول، (محور فيلادلفيا أو بعبارة أدق نقطة التوقف الجنوبية في غزة، يجب أن يكون تحت سيطرتنا. يجب إغلاقه. من الواضح أن أي ترتيب آخر لن يضمن نزع السلاح الذي نسعى إليه). في حين يقول أحد زعماء اليمين الإسرائيلي أن 90% من الصواريخ والأسلحة تدخل عبر محور فيلادلفيا، وأن على مصر مسؤولية كبيرة في كل ما حدث. فما هو محور فيلادلفيا أو محور صلاح الدين في تسمية أخرى له؟
يقع هذا المحور ضمن المنطقة العازلة بموجب اتفاقية السلام، التي وقعتها مصر وإسرائيل في عام 1979. وكانت القوات الإسرائيلية تسيطر عليه ضمن المنطقة المعروفة باسم المنطقة دال، حتى انسحابها منها وتسليمها للسلطة الفلسطينية في عام 2005. ولترتيب وجود قوات حرس الحدود المصرية في المنطقة، وُقّعت اتفاقية جديدة عرفت باسم (اتفاقية فيلادلفيا)، التي تتكامل مع اتفاقية المعابر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وقضت هذه الاتفاقية على أن الوجود المصري في هذه المنطقة هو لمكافحة الإرهاب والتسلل عبر الحدود، وليس مخصصا لاي غرض عسكري.

ربما كلام نتنياهو عن السيطرة العسكرية على محور فيلادلفيا مجرد مناورة سياسية، لرفع سقف المطالب وابتزاز الغرب وواشنطن بمزيد من الدعم

جدير بالذكر في هذا المحور توجد مخيمات للفلسطينيين، لا تبعد سوى أمتار قليلة عن الشريط الفاصل بين مصر وفلسطين. وكان هذا الشريط محل عمليات عسكرية إسرائيلية كبيرة، للحد من تهريب الأسلحة إلى القطاع، كما كانت تزعم إسرائيل سابقا، لكنها فشلت في كل هذه المحاولات حتى عام 2017. فما موقف مصر من سيل التصريحات الإسرائيلية بخصوص هذه المنطقة؟ يشكل هذا المحور منطقة عازلة ذات خصوصية أمنية واستراتيجية عالية لمصر. ومن المؤكد أن تصريحات نتنياهو وغيره من الزعماء الصهاينة حول هذه المنطقة سوف تثير حفيظة مصر، التي ترى أن الضربات الإسرائيلية التي تطال هذا الشريط الحدودي الفاصل بينها وبين غزة، قد يؤدي إلى انفجار الموقف مع إسرائيل، علما بأن العلاقات المصرية الإسرائيلية شهدت بعض التوتر منذ بداية الحرب على غزة وما زالت مستمرة، ما دفع إسرائيل إلى إرسال وفود أمنية عديدة إلى القاهرة سعيا لتخفيف حدة التوتر، لذلك فإن أي قرار يمكن أن تتخذه إسرائيل بشأن هذا المحور لا بد من أن يكون بالتنسيق مع مصر. عكس ذلك يجعل من الاحتكاك العسكري بين الطرفين مسألة واردة جدا، خاصة أن بروتوكول فيلادلفيا الذي يتكون من 83 بندا، كان قد حدد نوعية وتسليح ومهام القوات الموجودة على الجانبين، وبالتالي ما يتحدث عنه نتنياهو من وجوب السيطرة عليه، سوف يعني إدخال أسلحة ثقيلة لم تكن موجودة في هذا الاتفاق، وهذا سوف تنظر إليه القاهرة على أنه خرق كبير لاتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين الطرفين. قد يقول البعض بأنه عندما يتحدث نتنياهو عن سيطرة إسرائيلية على محور فيلادلفيا، بهذا الوضوح علنا، إنما يعني ذلك أنه قد حصل على ضوء أخضر أمريكي، لكن الحقيقة هو ليس بالضرورة أن يكون قد حدث ذلك، بل يمكن تفسير موقف نتنياهو على أنه خضوع لضغوطات اليمين المتطرف في حكومته، فهو الآن في قبضة هذا اليمين. في حين أن الرئيس الأمريكي جو بايدن قالها صراحة أكثر من مرة، إنه لا يريد أن يبعثر نتنياهو الجغرافية السياسية (الجيوبولتيك) في الشرق الأوسط، ومن ضمنه غزة. بالتالي ما زال البيت الأبيض يبدو حريصا على عدم زعزعة هذا الوضع، خاصة أنه يسعى إلى نفخ روح جديدة في السلطة الفلسطينية في رام الله، لكي تمتد سيادتها على كل الضفة والقطاع.
ومع ذلك لا بد من القول بأن أي تحرك فعلي إسرائيلي، في اتجاه السيطرة العسكرية على محور فيلادلفيا، فإن الولايات المتحدة الامريكية سوف تتحمل فاتورته. لماذا؟ لأن كل المناورات العسكرية والسياسية التي يقوم بها نتنياهو في هذه المرحلة لاستدامة أزمة الحرب، إنما يعكس طموحه في الحصول على مزيد من الدعم الأمريكي، إذ يبدو أن التركة السياسية والتركة النفسية لما حدث في 7 أكتوبر/تشرين الأول، والهبّة الغربية والأمريكية لإنقاذ إسرائيل، لا تزال تُحرّك الكثير من الطبقة السياسية في واشنطن، لذلك لاحظنا القرار الأخير من الحكومة الأمريكية بتزويد إسرائيل بالأسلحة للمرة الثانية، من دون الحصول على موافقة الكونغرس، حيث أن الأغلبية من الجمهوريين والديمقراطيين يواصلون تأييد إسرائيل عسكريا وسياسيا، ويُفشلون كل محاولات إنهاء القتال في مجلس الأمن الدولي بالفيتو الأمريكي، لكن هل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على منع إسرائيل من السيطرة على محور فيلادلفيا؟ في الحقيقة هذا يتوقف على أمرين: الأول، هو مدى ردة الفعل الرسمية من القاهرة، وهل ستقبل بالوضع الجديد بعد السيطرة على المحور؟ أم أن ذلك سوف يدفعها للتخلي عن معاهدة كامب ديفيد. ثانيا، أن هناك خشية الآن من ما يسمى تداعيات الحرب، فنلاحظ الآن أن باب المندب والبحر الأحمر يشهد نشاطا حربيا، بدأ يُحرّك الاستراتيجية الأمريكية، إذن موقف القاهرة وما يحدث في البحر الاحمر، هما العنصران الأساسيان اللذان سيدفعان الضغط الامريكي على نتنياهو من عدمه.
قد تتصور إسرائيل أن سيطرتها على محور فيلادليفا سيكون بلا أثمان، لكن الحقيقة هي غير ذلك بالمطلق، حيث ستكون فيه تكاليف كبيرة جدا عليها، فحتى عام 2005 كانت هذه المنطقة نقطة احتكاك شبه يومي مع حركة حماس، في حين كانت أسلحة حماس شبه بدائية آنذاك. بينما اليوم ما تمتلكه حماس وبقية الفصائل الفلسطينية من أسلحة، قادر على خلق حالة من الجنون لدى إسرائيل وخسائر يومية. كما أن المحور مُلاصق لمناطق سكنية كثيفة لا يمكن السيطرة عليها، إلا إذا أقدمت إسرائيل على تدمير نصف المخيمات الفلسطينية، كما فعلت في عام 2003، لذلك ربما كلام نتنياهو عن السيطرة العسكرية على المحور مجرد مناورة سياسية، لرفع سقف المطالب وابتزاز الغرب وواشنطن بمزيد من الدعم. ومع ذلك يمكن القول إن الحديث عن فيلادلفيا يدخل في سياق الحديث السياسي عن ما يسمى اليوم التالي بعد الحرب في غزة. ويبدو أن هناك حاجة مُلحة من وجهة النظر الإسرائيلية للسيطرة على كل مسارات تهريب الأسلحة والمواد الداخلة في تصنيع السلاح محليا من قبل حماس. وقد وصلت إسرائيل الى قناعة بأنه إذا أرادت أن تجعل القطاع منزوع السلاح، فلا خيار أمامها إلا فرض السيطرة الأمنية على هذا المحور الاستراتيجي، لكن المشكلة الحقيقية في ذلك أن هذا الإجراء سوف يقلق مصر، كما أنه يخالف اتفاقية السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل، وأن ذلك يشكل تهديدا للأمن القومي المصري.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com