مجتمع

سورية ناجية من الزلزال تبنت أطفال المخيم… وسودانيّة قتلها الجوع!

بيدر ميديا.."

سورية ناجية من الزلزال تبنت أطفال المخيم… وسودانيّة قتلها الجوع!

مريم مشتاوي

 

لا نعرف أحياناً إلى أين يقودنا القدر. قد نصحو يوماً لنجد أننا خسرنا كل ما نملكه، عدا إنسانيتنا، التي تتبلور أكثر في الصعاب. ففي شظف العيش وضيق الطروف يقاس معدن الإنسان ويتجلى جوهره. ومن يعطي من كثيرة، ليس كمن يعطي من قلة «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم».
نعم، قد يحملنا العطاء إلى أعلى مراتب الفرح والرضا، حتى وإن كنا لا نملك سوى رغيف واحد، وتقاسمناه مع من يحتاج لقمة يسد بها جوعه. وفي السياق نفسه ذكر ميخائيل نعيمة في أحد نصوصه أن «القلب يجف حين يكف عن العطاء».
فالعطاء هو ذلك شريان، الذي يضخ الحب في القلب لينعشه وينظم دقاته.
بدأت قصتنا، يوم استيقظت السيدة «أم أحمد» على زلزال دمّر بيتها وأشياءها. إنه الزلزال، الذي غيّر معالم حيّها، الذي ما كانت تعرف سواه، وذلك في شهر فبراير/شباط 2023. زلزال قتل عددا من جيرانها. هكذا استيقظت لتجد أن عالمها قد انتهى. وما عادت تملك أي شيء سوى أنفاسها. لم يبق لها سوى ضحكات صغارها البريئة وأحلام تعرف ضمنياً أنها لن تستحيل يوماً إلى حقيقة إلا بعجيبة سماوية أو ما يعادلها. لقد اضطرت لأن تنتقل مع 13 طفلا، وهم جميعاً أبناؤها، إلى مخيّم النازحين في إدلب. وجدت نفسها في حالة مزرية، لا تملك حتى ثمن رغيف خبز تشبع به أطفالها. لكنها رغم كل الصعاب لم تتخل عن إيمانها، وحاولت من قليلها أن تقدم ما استطاعت لصغارها وصغار المخيّم الآخرين.
فقبل قدوم العيد جلست «أم أحمد» على الأرض، وبدأت تحيك بما توفر معها من أقمشة قديمة ثياباً لأطفالها وأطفال المخيّم لتلبسهم جميعاً، علها تدخل شيئاً من الفرحة إلى قلوبهم. تقول: «ما عندي قدرة أشتري لهم أغراضا ألبسهم على العيد، صرت خيط لولادي وولاد الجيران، ولبسهم مثل ما لبس أولادي، لأنهم فقدوا أهاليهم بالزلزال. عطيتهم عرق وحنان وصرت أمهم كمان».
أمضت تلك السيدة الحنون ساعات طويلة، وهي تحاول أن تتفنن بقدر ما أمكنها لخياطة الملابس. كانت تلف الخيط حول الإبرة بعناية وإصرار، وكأنها تلف أيامها البائسة قبل أن تعقد الحبل وتعدمه مرة واحدة. ثم تغرز الإبرة في القماش لتثبت أحلامها الجديدة مكان الذكريات الموجعة.
رغم سهرها لإسعاد الأطفال، إلا أن ابنها أراد ثيابا جديدة. لم يعجبه ذلك القماش القديم، فراحت تبكي بحرقة، لأنها لا تملك المال، وليست هناك أية جهة داعمة تسندها، ولو بالقليل، مثل إحضار أقمشة جديدة تحولها إلى فساتين وبناطيل تفرح بها الأولاد. فهي لم تجد أمامها سوى مهارتها في حياكة ما توفر من خرق ثياب قديمة. تبكي بحرقة، وهي تتحدث عن عجزها في تلبية رغبات الصغار وحاجاتهم. تبكي طيبة. فهي لم تطلب شيئاً لنفسها، بل كانت تتحدث بقلب أم. قلب لا هم لديه سوى توفير القليل من الفرح للأطفال.
ومع ذلك، تكافح ليل نهار لتقوى على حياة تهزمها بشكل يومي. حياة لم توفر لها ولسكان المخيّم أدنى المقومات. ولكنها رغم ذلك تقاوم بؤسها وتعطي من قليلها وتسعى لتحب أكثر مع مرور كل يوم جديد، وكأنها تتحدى بمحبتها قسوة الأيام وظلمها.
إنها المفارقة بين من يعطي من لا شيء، ومن يرغب بطرد اللاجئين وتحميلهم زوراً أسباب تدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان، لأنه لا يعرف أدنى معاني الرحمة والإنسانية والمحبة والأخوة.
«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

ماتت جوعاً!

ومن سوريا إلى السودان. الوجع واحد والآلام متشابهة. تزيد حدتها، حسب الأماكن وبؤر الحروب المتفشية. إنها حكاية مؤلمة تفاعل معها الكثيرون من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتناقلوها على صفحاتهم لما تحمله من ظلم وبشاعة وقهر.
إنها قصة امرأة سودانية تحمل الجواز البريطاني، تدعى علوية رشوان. سيدة مسنة تبلغ من العمر 80 سنة وتعاني من عجز جسدي أقعدها في كرسي متحرك. كانت تعيش في الخرطوم مع زوجها عبد الله شلقامي، البالغ من العمر 85 سنة، حين بدأت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الردع السريع.
وعندما اشتدت الحرب، حاول الزوج التواصل مع السفارة البريطانية علهما يحصلان على المساعدة في إجلائهما خارج السودان وإعادتهما سالمين إلى بريطانيا.
لكن، حسب المصادر المنتشرة، لقد اكتفت بريطانيا بإجلاء موظفيها الدبلوماسيين. وكان عرض النجاة الوحيد، الذي تلقيانه شبه مستحيل. لقد طُلِب منهما السفر حوالي 40 كيلومتراً في خضم الحرب للوصول إلى مطار خارج العاصمة.
وعندما تدهور حالها، وبدأ الجوع يدق بابهما، قرر الزوج الخروج شخصياً إلى السفارة، عله يلقى المساعدة. وفي الطريق أصيب إصابة حرجة ونقل إثرها إلى مستشفى بعيدة لينال العلاج، وتم إجلاؤه فيما بعد. ولكنه لم يستطع الوصول إلى زوجته، التي بقيت عالقة في البيت وحيدة. هكذا ماتت الزوجة جوعاً! نعم لقد ماتت أبشع ميتة. في الحقيقة لا نعرف إن كانت ماتت من قلة الأكل أو من العطش أو من خوفها على زوجها الذي خرج ولم يعد.
يا ترى، هل هناك وجع أكبر من ذلك الوجع؟ وإلى متى سيدفع الشعب ضريبة جشع الأطراف المتصارعة؟ وإلى متى سيلتحف العالم ذلك البؤس القاتل، ويكتفي بالفرجة؟

 كاتبة لبنانيّة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com