منوعات

في أوروبا عائلات تخسر حضانة أطفالها… واللاجئ السوري في لبنان «مستوطن» بدون حقوق!

بيدر ميديا.."

في أوروبا عائلات تخسر حضانة أطفالها… واللاجئ السوري في لبنان «مستوطن» بدون حقوق!

مريم مشتاوي

 

كل القوانين نصت على حماية الإنسان، ووُجِدت لتضمن أمن الأفراد واستقرارهم، من أجل الحفاظ على السلام والقيم الاجتماعيّة، وترسيخ العدالة وصيانة الحقوق الإنسانيّة، ودعم من هم أكثر ضعفاً.
ولكن في بعض الأحيان قد يصبح القانون نصاً جافاً جامداً يطبق كما هو، دون الأخذ بعين الاعتبار ظروف البشر وخلفياتهم الدينية والثقافية والحضارية. فيستحيل إلى عدو مخيف يدمّر الفرد بدل من أن ينصفه. ويزيد من حدة الصراع في المجتمعات بدل من أن يخفف منها.
إنها قصة أسرة سورية تعيش في ألمانيا في مدينة برمرهافن، بلاد الأمن والأمان والأرض، التي تشدد على حق الأطفال في العيش حياة تخلو من العنف. هي ليست القصة الوحيدة أو الفريدة من نوعها، بل هناك مئات القصص المشابهة.

كيف بدأت الحكاية؟

تدخلت الشرطة ووكالة حماية الأطفال الألمانية بقوة وشراسة وأقدما على انتزاع طفل من عائلته. انتشر مقطع الفيديو كالنار في الهشيم. كان الطفل يصرخ ويقاوم أفراد الشرطة بكل ما أوتي من قوة، محاولاً الاستنجاد بأهله. أراد أن يتمسك بأمه التي كانت تحاول أن تقف بطريق الشرطة لتمنعهم من أخذه منها، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل! صراخ الصغير لم يؤثر على الشرطة، ولم يشفع له للبقاء في حضن والدته، ولم يدفعهم للتوقف ولو للحظة عن تنفيذ الأوامر القاسية كما هي.
البكاء المر والمؤثر والصادق، لم يحثهم على العودة في وقت آخر حين يكون الطفل بحال أفضل، ولم يجعلهم يفكرون على الأقل بأخذه بطريقة سلسة تخلو من العنف. لقد شدوه كمن يحاول لجم فرس هائج، أو شد مجرم أو إرهابي إلى السجن.
هؤلاء الذين لطالما نادوا بحقوق الطفل وأهمية عيشه في بيئة تخلو من العنف، لم يمارسوا سوى العنف وهم يسحبوه بالقوة خارج بيته. لم يفكروا في مشاعر الطفل ولا بتأثير تلك الحادثة على نفسيته. لم يهتموا لندوب قد تترك آثاراً عميقة في نفسه.
لقد حاول التملص منهم، ولكن جسده الغض لم يسعفه. كانت أمه تصرخ وتطلب من الشرطة أن يتركوا ولدها، الذي يعاني من وضع صحي معقد، ويحتاج إلى حضنها، لكن الشرطية ردت عليها وبدم بارد: جئنا للنفذ قرار المحكمة ومكتب رعاية الشباب.
لا اعتراض على قرار المحكمة إن كان في صالح الطفل. ولكن كيف تنفذ قوانين حماية البشر بوحشية وبمشاعر تخلو من ذرة إنسانيّة.
أين هي كرامة الطفل أمام تطبيق قانون كهذا؟
إن القانون الألماني ينص بشكل صريح على بقاء الطفل في رعاية أهله حتى 18 من عمره، إلا إذا كان هناك خلل في التربية. لكن هل نواجه الخلل بخلل أكبر منه؟ إن كان هدف السلطات حماية الأطفال فلا بد من التفكير بآلية سليمة لتطبيق القوانين لا تعرض الأطفال لصدمات نفسيّة مدمرة. ولا بد من تعليم الأهل وتوعيتهم وتثقيفهم حول اختلاف آليات التربية بين البلاد العربية والأجنبية والعواقب التي تنتج عنها قبل تفريق الأسر عن بعضها وحرمان الأطفال من أهاليهم.

حملات حزبية تصعيدية!

ومن ألمانيا إلى لبنان، حيث يعيش اللاجئ السوري نوعاً آخر من التعنيف النفسي في ظل حملة شرسة تطارده وتلقي عليه ظلماً مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد. هجوم ممنهج يحمل اللاجئين أسباب الصعوبات، التي يعيشها الشعب اللبنانيّ في زمن امتهن فيه الزعماء تشويه الحقائق.
في ظل حكم الأحزاب من يحمي النازح السوري من الحملة اللا إنسانية والظالمة التي تطارده؟ ومن يقف وراء التعتيم على الحقائق المدفونة داخل ملف اللاجئين؟ ومن المسؤول عن إخفاء دراسات بمعطيات دقيقة تبرز مدى استفادة الاقتصاد اللبناني من وجودهم؟ وكيف أسدلت الستارة على المعونات الإنسانية التي ضخت العملات الأجنبية في الاقتصاد اللبناني؟ وكيف تم تجاهل وكالات الأمم المتحدة، التي ساهمت بما يساوي 3 في المئة من الناتج المحلي؟
لم يعد الهجوم الحزبي اللبنانيّ على النازحين السوريين من داخل الأراضي اللبنانية فحسب، بل وصل إلى فرنسا. هكذا وقف مناصرو «التيار الوطني الحر»، الذين خدموا بلادهم وأعادوا بيروت لتتوج باريس الشرق، حيث انعدم الفقر وارتفع مستوى الدخل الوطني وانتعشت الليرة اللبنانية في عهدهم!! للصراخ في العاصمة الفرنسية مطالبين بعودة النازحين السوريين إلى بلادهم:
«عندكم مشكلة مع النظام؟ روحوا لعنده وعملوا ثورة. جايين تقعدوا بلبنان مليونين زلمي ونحنا أربع ملايين؟
ولكن شاباً رد على عناصر الحزب بقوة قائلاً لهم: هاي الشعارات ما بترفعوها بفرنسا هاي بترفعوها ببلادكم هونيك. هنا كلنا أجانب. يعني من يريد أن يرحّل اللاجئ السوري في لبنان يجب أن يترك فرنسا ويعود لوطنه، وهناك يرحّل السوريين. هنا أراض فرنسيّة حرّة للكل!
إنه المضحك المبكي: مهاجرون يقفون في وجه مهاجرين، وينتزعون صفة اللاجئ عن السوري، الذي فر من ويلات الحرب في بلاده، ومن دون خجل يطلقون عليه صفة «نازح» أو «مستوطن»، في مقاربة بائسة تعادل بينه وبين العدو المستوطن في دولة الاحتلال الإسرائيلي.

*كاتبة لبنانيّة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com