متفرقاتمقالات

دجلة والفرات في القوانين الدولية:

بيدر ميديا.."

دجلة والفرات في القوانين الدولية

علاء اللامي*

 ما الفرق بين اتفاقية “المجاري المائية العابرة للحدود” التي وقع عليها العراق في الشهر الماضي واتفاقية ” قانون المجاري المائية الدولية” التي وقع عليها قبل عدة سنوات؟

أعمل هذه الأيام على تنقيح ومراجعة الطبعة الثانية من كتابي “القيامة العراقية الآن! كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين”، أتمنى أن تصدر هذه الطبعة في بحر العام الجاري. وفي هذه الطبعة أضفت إلى الكتاب فصلا جديدا حول مستجدات العلاقة بين الزلازل والسدود المائية”، كما كتبت مقدمة مطولة لها سأنشرها بعد صدور الكتاب في طبعته هذه مباشرة. وقد اخترت لكم اليوم من هذه المقدمة ما يتعلق بتوقيع العراق في الشهر الماضي على اتفاقية “قانون الأمم المتحدة للمياه” وأيضا “قانون هلسنكي”، واسمها الرسمي هو “اتفاقية حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية” وشرحت الفرق بينها وبين الاتفاقية السابقة التي وقع عليها العراق قبل عدة سنوات وهي اتفاقية “اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية”، ونقاط قوة وضعف كلتا الاتفاقيتين. أدناه فقرات مما كتبت بهذا الصدد:

*ناقشتُ في الطبعة الأولى من هذا الكتاب كل ما يتعلق بـ “اتفاقية قانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية”[1] هي وثيقة أقرتها الأمم المتحدة في 21 أيار – مايو 1997 تتعلق باستخدامات والحفاظ على كل المياه العابرة للحدود الدولية، بما فيها المياه السطحية والمياه الجوفية. ورغم عدم توقيع تركيا على هذه الاتفاقية، فإنها دخلت حيز القانون الدولي. الجديد في هذا الميدان هو توقيع ومصادقة العراق في 24 آذار/مارس 2023، على هامش مؤتمر المياه في نيويورك، حيث أصبح العراق بذلك أول دولة عربية وشرق أوسطية تنضم إلى هذه الاتفاقية، وبتسلسل 49 على المستوى الدولي،على هذه الاتفاقية التي تسمى اختصارا “قانون الأمم المتحدة للمياه” وأيضا “قانون هلسنكي”، واسمها الرسمي هو “اتفاقية حماية واستخدام المجاري المائية العابرة للحدود والبحيرات الدولية”[2] .

*وسأحاول في الأسطر التالية توضيح أهمية هذه الاتفاقية وأوجه الفرق بينها وبين الاتفاقية السابقة والتي سأسميها اختصارا “اتفاقية المجاري المائية الدولية”:

*يتبين لنا الفرق بين الاتفاقيتين من اسميها الرسميين فالأولى تُعْنى بمجاري الأنهار الدولية، وكان من بين الأسباب التي عللت بها تركيا رفضها التوقيع على هذه الاتفاقية أنها “لا تراعي الحقوق الوطنية لتركيا في أنهارها وأنها – تركيا – لا تعتبر نهري دجلة والفرات نهرين أو مجريين مائيين دوليين، بل هما “نهران تركيان عابران للحدود”. ويبدو أن الاتفاقية الثانية حاولت الالتفاف أو تجاوز هذا الخلاف فلم تستعمل عبارة “المجاري المائية الدولية” فاعتمدت عبارة “المجاري المائية العابرة للحدود” ولكن من دون تخصيص يجعل منها أنهارا قومية “وطنية” تابعة لدولة معينة.

*في هذا الصدد، تقتبس مذكرة دبلوماسية سورية موجهة إلى الحكومة التركية، ناقشناها في الفصل الثاني عشر من الكتاب، نصا من تقرير اللجنة القانونية التابعة للأمم المتحدة المكلفة بصياغة القانون المذكور، وهو مقتبس أساسي ومهم جدا، ونصّهُ “ذكرت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في تقريرها لعام 1993 ما يلي (في ما يتعلق بالاقتراح الداعي إلى استخدام مصطلح “المياه العابرة للحدود” بسبب استخدامه في اتفاقية معقودة مؤخرا، فتلك مسألة صياغة ولا يوجد اختلاف جوهري بين هذا المصطلح و المصطلح المقدم في المادة “1” من مشروع اللجنة ولا يترتب على استعمال هذا التعبير أو ذاك أية آثار قانونية – A/48/10 .par360).

*ومعنى هذا الاقتباس أن القانون الدولي لا يفرق بين المصطلح الأول “المجاري المائية الدولية” والثاني “المجاري المائية العابرة للحدود” وبالتالي فإنَّ نهري دجلة والفرات هما، بحسب القانون الدولي والاتفاقيتين الدوليتين المذكورتين نهران دوليان وعابران للحدود، وأن إضفاء صفة قومية أو وطنية على أي نهر منهما لا معنى لها قانونيا. كما يسقط أيضا التعريف التركي للنهر الدولي الذي تشترط فيه تركيا للنهر الدولي أن يقع بين دولتين ويشكل الحدود السياسية الفاصلة بينهما لا عابرا ومخترقا للحدود بين دولتين أو أكثر، ويصبح عبور النهر وليس كونه حدودا، دولية بين الدول هو المعول عليه في القانون الدولي لتعريف المجرى المائي الدولي. 

*مقارنة بين الاتفاقيتين: نستخلص مما تقدم، أن المحاذير التي كان تدفع البعض – وأنا منهم – الى التردد في استعمال تعبير “الأنهار العابرة للحدود”، خوفاً من أن يعتبر تراجعاً عن القانون الدولي وخضوعاً للمنطق القومي التركي قد أصبحت أقل تأثيرا. وعلى ذلك، أصبحت اتفاقية “هلسنكي/ المجاري المائية العابرة للحدود” بعد تعديلها مكملة للاتفاقية القانونية “للمجاري المائية الدولية” وتطويرا لها. ولمزيد من التوضيح سنلقي نظرة على مقارنة قانونية بينهما أجراها الباحث مرتضى جمعة حسن من وزارة الموارد المائية العراقية[3]، وسجل فيها:

-إن المواد القانونية في الاتفاقيتين تتكاملان وتوفران خريطة طريق للحد من التلوث ومكافحته، إلا أن “اتفاقية هلسنكي 1992” تتميز بأنها تضع التزاماً قانونياً يلزم من تسبب بالتلوث أن يتحمل كلفة إزالة آثار التلوث ومكافحته.

-وجود تطابق بين الاتفاقيتين بشأن آلية الاستفادة من مياه المجرى المائي الدولي “العابر للحدود”، وهو مبدأ عالمي تستند إليه كل الاتفاقيات الدولية سواء كان عامة أو إطارية أو حول اتفاق لاقتسام الفوائد بين دول مجرى مائي محدد.

يمثل اجتماع الدول الاطراف في اتفاقية هلسنكي 1992 أهم ميزة تتمتع بها وكذلك عدم وجوده في اتفاقية 1997 أحد نقاط الضعف التي دائما ما يثيرها المشككون بنجاحها. ومع ذلك يمكن القول إن اتفاقية المجاري الدولية أكثر إلزاما من اتفاقية “المياه العابرة للحدود” فهي كما يقول الباحث سالف الذكر “أحكام الاتفاقية ملزمة عند دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بعد مصادقة 35 دولة على الاتفاقية كما تقول المادة (36)، أما الاتفاقية الأخرى فأحكامها ملزمة لأطرافها الموقعة عليها فقط.

-أما نقطة الضعف التي نجدها في الاتفاقيتين المذكورتين كلتيهما فهي أنهما لا تعتبران ملزمتين إلا للدول الموقعة عليهما. والذي نعلمه هو أن تركيا، ورغم انها شاركت في المفاوضات الماراثونية على “اتفاقية المجاري الدولية” بغية عرقلتها أو التخفيف من وقعها على رؤيتها القومية لموضوع غير سياسي في الأصل، ولكنها لم توقع وتصادق عليها حتى الآن. والأرجح أنها لم تفعل أيضا للاتفاقية الثانية.

غير أن عدم إلزامية الاتفاقيتين للدول غير الموقعة عليهما لا يعني أنهما عديمتا الفائدة ولا جدوى منهما فهما يظلان جزءا من القانون الدولي العام الملزم ضمن آليات فصلناها في الفصلين الثامن والتاسع الخاصين بالاتفاقيات والمحاكم الدولية وكيف يتم تثميرهما في حالات رفض إحدى الدول الاعتراف بها أو التقاضي بموجبها، ولعل أفضل ما يؤكد هذه الفكرة هو ان تركيا اشترطت على سوريا والعراق عدم تدويل الخلاف حول مياه الرافدين وعدم اللجوء إلى القانون الدولي، لخشيتها من تطورات هذا المسعى، بل طلبت دائما من الدولتين الاستمرار في المفاوضات الثنائية والثلاثية التي لم تثمر الكثير طول العقود الماضية بل أوصلت النهرين إلى بوابة الزوال الفعلي.

*المثير للاستياء والغضب هو أن العراق وسوريا – والعراق بالدرجة الأولى – رفضتا على الدوام تدويل هذه القضية الوجودية والمتعلقة بحياة ملايين العراقيين والسوريين حتى الآن وظل التنسيق بينهما في أدنى درجاته. بل إنَّ العراق امتنع وبشكل غريب عن استعمال حتى الأوراق الاقتصادية القوية التي بحوزته (ومنها التبادل التجاري بين الدولتين عشرين مليار دولار سنويا وهو تبادل أحادي الجانب تقريبا ويتعلق باستيراد استهلاكي من الطرف العراقي) لإجبار تركيا على الخضوع لمنطق الحق والعدالة والقانون الدولي والتوقيع على اتفاقية دولية لتقاسم مياه النهرين.

*وخلاصة القول؛ إنَّ توقيع العراق على اتفاقية هلسنكي “للمجاري المائية العابرة للحدود”، لن يكون له أي تأثير إيجابي فعلي، مثلما لم يكن هناك تأثير إيجابي لتوقيعه على الاتفاقية الأخرى “للمجاري المائية الدولية” ما لم يبادر العراق نفسه بوصفة صاحب القضية إلى تدويل المشكلة بسرعة، واستعمال وتفعيل ما بحوزته من أوراق ضغط مشروعة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإنقاذ شعبه ورافديه العظيمين بوصفهما سر وجودة كوطن لأعرق الحضارات الإنسانية وهنا فقط يمكن أن يكون الاستناد على الاتفاقيات والهيئات الدولية من هذا القبيل ذا جدوى.

 

 


[1] Convention on the Law of Non-Navigational Uses of International Watercourses.

[2] The Convention on the Protection and Use of Transboundary Watercourses and International Lakes.

[3] -مقالة بعنوان “أهمية انضمام العراق لاتفاقيتي الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية …” نشرت على موقع (unece.org).

Svara
Svara alla
Vidarebefordra
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com