منوعات

قرعتُ «جدار الخزان» يا غسان!

بيدر ميديا.."

قرعتُ «جدار الخزان» يا غسان!

غادة السمان

 

حدث ذلك منذ زمن بعيد، أيام كنت قد بدأت عملي في «مجلة الحوادث»، المتوقفة عن الصدور. فقد تلقيت دعوة من تونس لحضور مهرجانها الصيفي، ولم أتردد في الموافقة مع الشكر.
ولما كانت حقائبي ما تزال تحمل كتبي وأوراقي وثيابي الدمشقية، قررت شراء حقيبة سفر لهذه الرحلة، وكانت تباع في «كورنيش الروشة» في بيروت على شاطئ البحر، لكثرة السياح إلى لبنان يومئذ.
وهكذا اخترت حقيبة قماشية رخيصة ووضعت فيها ثياب السباحة؛ لأننا كنا سنقيم في «حمامات» التونسية على شاطئ البحر، إلى جانب ثوب أنيق لحضور المهرجان وسواها من ثياب (وتفاصيل) نسائية!

هدية أبي والكرم التونسي

محتويات حقيبة سفري كانت تشبه ما تضمه.. متواضعة.
فقط، لحظة إغلاقها للذهاب إلى المطار لا أدري لماذا أضفت إلى محتوياتها ساعة ثمينة جداً، كانت هدية من أبي، محاطة بالماس ولها علبة تحمل اسم البائع الجواهرجي الشهير في جنيف: «بياجيه».
ولا أدري لماذا لم أضعها في علبتها الفاخرة في حقيبة سفري، بل رميت بها في حقيبة فرشاة الأسنان ومعجونها وبعض أدوات الماكياج وأمور كهذه يجدها المرء في حقائب النساء.
وفي المطار اكتشفت أن السفر إلى تونس هو عن طريق روما، وسرني ذلك للتسكع في مطار روما حتى موعد إقلاع الطائرة إلى تونس، ولم أكن يومئذ قد رحلت إلى روما، ولم يخطر ببالي أنه عليّ أن أستلم حقيبة سفري ثم أسلمها إلى شركة الطيران التي ستنقلني من روما إلى تونس. وهكذا وصلت إلى تونس بدون حقيبة سفر وبدون ثياب للنوم أو الخروج، غير ما أرتديه. وقلت ذلك للموظف في وزارة الإعلام الذي استقبلني في مطار تونس. وكان سخياً وقال إنه سيمر بي إلى بيته لتعيرني ابنته ثياباً من عندها كما زوجته، ولم يدهشني هذا الكرم التونسي.

غسان: اقرعي جدران الخزان

حين عدت ورويت كنفاني -رحمه الله- ما حدث لحقيبتي، نصحني بتقديم شكوى لشركة الطيران مع تاريخ الرحلة، مضيفاً: «اقرعي جدار الخزان». مشيراً إلى روايته الرائعة «رجال في الشمس»، واستمعت إلى نصيحته على الرغم من ثقتي بأن الحقيبة ضاعت وانتهى الأمر.
وكنت شبه واثقة من أن حقيبتي لن تعود لي. يكفي أن يفتحها أحد الموظفين للتأكد من عدم وجود متفجرات فيها أو مخدرات ويجد الساعة الثمينة جداً التي تغري أي (أمين) بالاستيلاء عليها وإهمال الحقيبة.

اتصال هاتفي كالحلم!

وذات يوم بعد عام، اتصل بي موظف من شركة الطيران التي سافرت على متنها من بيروت إلى روما، قائلاً: «لك حقيبة سفر كانت ضائعة كما جاء في شكواك، هل بوسعك الحضور لاستلامها؟ أم تريدين أن أحضرها لك إلى مجلة «الحوادث» لتوقعي لي ورقة باستلامها؟».
قلت له: «عليّ إنجاز الموضوع الذي أكتبه وسأمر بك بعد ساعة».
قال: أنا في طريقي إلى بيتي وسأمر بك في «مجلة الحوادث» وأحملها لك، فهي ليست ثقيلة. وجاء وشكرته ومضى وقال لي إنها زارت العالم من شركة طيران إلى أخرى. وفتحت الحقيبة، ويا لدهشتي حيث وجدت ساعتي الماسية الثمينة، حيث رميت بها مع معجون الأسنان وفرشاته وأحمر الشفاه وما شابه!!

دارت في القارات وعادت!

كم دهشت حين وجدت الساعة الثمينة ما تزال في الحقيبة الرخيصة غير المقفلة والتي دارت مطارات العالم، كما ذكر لي الموظف الذي حملها لي. لو تركتها في علبتها الثمينة، ولو اشتريت حقيبة سفر فاخرة لما عادت إليّ هدية أبي الغالية على قلبي أكثر من ثمنها!
أتذكر أنني يوم ذهبت إلى الروشة البيروتية لشراء حقيبة سفر لامتني زميلتي التي رافقتني لأنني اشتريت حقيبة رخيصة كهذه! ولو لم أفعل، لاهتم بها كل من مرت به في شركات الطيران حين دارت العالم وعادت لي بعد عام كامل من (التشرد)! وكنت أتمنى لو كنت معها، فهي لم تدفع ثمن بطاقات السفر!

نزوة التظاهر بالثراء

كثيرون يحبون أن تحمل أشياؤهم علامات الثراء، كحقائب السفر مثلاً.. ولو كانت حقيبتي المشردة عاماً كذلك لما عادت إليّ. ولو وضعت ساعتي هدية أبي في علبتها (البياجيه) السويسرية لما عادت أيضاً.
ثم إن الثراء يأتي ويروح وكثرة الحرص على الأشياء الثمينة تجعل مشاعرنا رخيصة. مرة كنت في مقهى (الهورس شو) في بيروت، وقال لي صديق إن طياراً رفيقاً له سيتزوج ومن المفترض أن يقدم لعروسه هدية أمام الناس وهي تحبه ولا تبالي بالهدية فهل أرضى بإعارته ساعتي الثمينة ليقدمها أمام الناس والأهل. ثم يعيدها إليّ بعد العرس؟
ورضيت. وقالت لي صديقتي يومئذ إن الساعة لن تعود لي. لكنها عادت بعد مسرحية تقديمها لعروسه كهدية زواج أمام الأهل. عادت تلك الساعة (السحرية) الهدية من أبي الغالي..!

«المحتال» أعاد لي الساعة!

وتعطلت الساعة وتم تصليحها مجاناً لدى دار المجوهرات والساعات الثمينة في جنيف، وهكذا حين رحلت فيما بعد إلى جنيف ذهبت إلى حانوت مجوهرات وساعات «البياجيه» وأعطيتهم الساعة لأنهم يصلحونها مجاناً ولكن ينجزون ذلك بعد عشرة أيام، وكان عليّ أن أعود إلى بيروت. ووافقت! وأعطتني إيصالاً لتعطي الساعة بعد تصليحها إلى من يحمل الإيصال.
وتركته مع شخص كان قادماً إلى بيروت بعد شهر وبعدما فعلت قيل لي إن هذا الرجل الذي وثقت به محتال وطلقته زوجته لذلك! ولكنه حين زار بيروت حمل لي الساعة (السحرية) التي تعود دائماً لي، كأنه المال الحلال (الذي دفعه أبي لشراء هديته لي) يعود دائماً. وكما ذكرت لكم، أخط هذه السطور وأنا أرتديها. ولكن زمن تلك الساعات انقضى، اليوم جاء زمن الساعات الرقمية وتحولت تلك الساعات إلى مجرد حلية ماسية.
فالزمن يبتلع كل شيء، ولكن الذكريات الغالية لا تقوى الاختراعات العصرية على ابتلاعها.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com