مقالات

ما السياق الذي نجحت قطر ومصر في الوصول إليه؟.

بيدر ميديا.."

ما السياق الذي نجحت قطر ومصر في الوصول إليه؟

مثنى عبد الله

 

قفزت العلاقات القطرية المصرية إلى مستوى متقدم بزيارة أمير قطر إلى مصر في الأسبوع المنصرم، وبذلك يمكن القول إن عشرية التوتر بينهما، باتت من الماضي. وقد بدأ الدفء يدب في علاقات البلدين، بعد انتهاء الأزمة الخليجية في قمة العُلا السعودية عام 2021، حيث عينت القاهرة سفيرا لها فوق العادة في الدوحة للمرة الأولى منذ عام 2014. كما حصل لقاء قمة بين أمير قطر والرئيس المصري في العراق في العام الماضي.
وكان الخلاف قد امتد منذ عهد الرئيس السابق حسني مبارك، بسبب وقوف الدوحة إلى جانب ما سمي بثورات الربيع العربي، ثم انقطعت العلاقات بينهما عام 2017 بعد انضمام مصر إلى الدول الخليجية التي قاطعت قطر، فما الأسباب التي دفعت إلى عودة العلاقات إلى طبيعتها؟
دأبت السياسة على اعتماد المصالح كمسار دائم في العلاقات الدولية، وكلما تغيرت المصالح، تغيرت المعطيات السياسية، وقد حرصت قطر على اعتماد الحوار والدبلوماسية كاستراتيجية في سياستها، ولعل زيارة أمير قطر إلى مصر هي التعبير الحقيقي عن هذا المنهج، ويمكن القول إن المعطيات التي توافرت في المصالحة الخليجية في قمة العُلا، ما زالت متوفرة، لكن بضغوط أكبر، آنذاك كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يضغط باتجاه إنجاز اتفاقيات التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، مع حديث متواتر عن السعي لإنجاز تحالف شرق أوسطي بين هذين الطرفين، لمواجهة التحدي والتهديدات التي تفرضها إيران على المنطقة، بعد انسداد الأفق في فيينا. اليوم يبدو أن هذه التحديات هي نفسها ما زالت قائمة مع جديد يضاف إليها وهو، انسحاب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط، ووقوف مصر والسعودية والإمارات على الحياد في الأزمة الأوكرانية، مدفوعة بالخذلان الأمريكي المتكرر لها، يضاف إليه زيادة الجمود السياسي في العراق ولبنان واليمن وسوريا نتيجة التمدد الإيراني. كل هذه الأمور أعادت تشكيل المشهد السياسي في الشرق الأوسط، فضلا عن أن القطيعة بين مصر وقطر كانت مُكلفة للطرفين، فقد شعرت القاهرة بأن تدهور العلاقات مع الدوحة مدعاة لذهاب الأخيرة للتقرب أكثر من تركيا، والوقوف في المحور التركي، سواء أكان في ليبيا، أو في عدد من القضايا التي تمس الأمن القومي المصري، كما أن الدعم الاقتصادي القطري لتركيا حسبته مصر على أنه دعم لصمود تركيا في وجه المصالح المصرية في ليبيا مثلا، في حين مصر تواجه أزمة اقتصادية عارمة، وهي بحاجة ماسة إلى الأموال القطرية، لذلك كانت القاهرة تأمل في أن يتم التوافق مع الدوحة، لغرض تحييدها من الجانب التركي في أقل الاحتمالات. أيضا كان الجانب المصري يعتقد أن عودة الديمقراطيين إلى الحكم في الولايات المتحدة، يعني عودة دعم حركات الإسلام السياسي، بالتالي كان رأي صانع القرار في القاهرة، أن من الأفضل احتضان الدوحة ضمن المحور العربي، باعتبارها الأقرب إلى حركات الإسلام السياسي، مع ذلك يمكن القول إن زيارة أمير قطر إلى مصر هي جزء من مقاربات إقليمية جديدة في المنطقة، حيث يتغلب فيها العامل الاقتصادي على العامل السياسي، في ظل الحرب في أوكرانيا، لكن هل يمكن التأكيد على أن جميع الخلافات بين دول الإقليم قد تم حلها؟
في العلاقات الدولية تبقى الخلافات موجودة، حتى لو حصل تقارب بين الدول، لكن تجري إعادة هيكلتها وإدارتها من جديد، وتغليب الوعي السياسي في سبيل تجنب المخاطرة. اليوم هنالك حالة تموضع جديدة في المنطقة، بغية التعامل مع المتغيرات الدولية، التي باتت تخيف الكثير من الدول، خاصة الانكفاء الأمريكي، لذلك هنالك حاجة متبادلة بين كل الدول العربية بعضها مع بعض، لتعزيز القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية للأمة، ولا شك في أن فتح مسار جديد في العلاقات بين القاهرة والدوحة ستنجم عنه جملة من القضايا والموضوعات بالغة الأهمية، حيث سيتم التركيز على الجانب الاقتصادي والتنموي، كما ستكون هنالك قراءة معمقة بين البلدين للتطورات في الإقليم، ومحاولة هندسة المشهد العربي قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي بايدن إلى جدة منتصف الشهر المقبل. ومن المؤكد أن المقاربات المطروحة اليوم بما يعرف بالناتو العربي، أو الشرق الأوسط الجديد، الذي تسعى الإدارة الأمريكية إليه مع الشركاء، سيكون على طاولة البحث بينهما أيضا، أما بالنسبة للنقاط الخلافية بين العاصمتين، خاصة التهمة الموجهة لقطر بدعم حركات الإسلام السياسي، فإن هذه الحركات قد خرجت من المشهد السياسي العربي، ولم تعد لاعبا قويا كما كانت من قبل بعد الاستدارات التي حصلت في الإقليم، وأولها وأكبرها هي الاستدارة التركية، التي ترافقت مع الدعوة إلى تصفير المشاكل، وإعادة العلاقات مع السعودية والإمارات. وربما في الايام المقبلة تكون هنالك مقاربة تركية جديدة مع مصر أيضا.

في العلاقات الدولية تبقى الخلافات موجودة، حتى لو حصل تقارب بين الدول، لكن تجري إعادة هيكلتها وإدارتها، وتغليب الوعي السياسي لتجنب المخاطرة

إن التغيرات الجيوسياسية في الإقليم باتت كثيرة وتتطلب الشجاعة في اتخاذ القرار، خاصة في تصفير المشاكل وإعادة العلاقات المقطوعة بين الدول العربية. كما أن ارتدادات الحرب في أوكرانيا على المنطقة لها وقع كبير وخطير، ونتائجها تأزيم أكثر لبعض الانسدادات في مسارات أزمة الطاقة والأمن الغذائي، بالإضافة إلى فشل وتعثر مفاوضات فيينا في موضوع الملف النووي الإيراني، وانتقال بعض الحروب السرية بين طهران وتل أبيب إلى الحرب العلنية والاغتيالات، كل هذه التحديات تشير إلى أن الإقليم ربما يكون مقبلا على أحداث دراماتيكية، لذلك هناك حديث عن تثبيت ما يعرف ببُنية الأمن القومي في هذه المرحلة الدقيقة، خاصة أن الإدارة الأمريكية تتحدث اليوم عن فكرة أن تكون هنالك سياسة دفاعية جديدة، تؤمن حماية للدول العربية الخليجية في هذه المرحلة. في ظل هذا المشهد يصبح ضخ إمكانيات قطر ومصر في الجهد العربي واجب وضرورة، بالإضافة إلى جهود الدول العربية الأخرى، كي يتم الاتفاق على أي منظومة دفاعية أو أقليمية للأمن الاقليمي.
يقينا أن التقارب القطري المصري له انعكاسات على الكثير من ملفات الإقليم، حيث سيلعب دورا كبيرا في حلحلة الأزمة الليبية والأزمة السورية كذلك، بما لقطر من حضور في هذين الملفين، كما أنه يرسم خطوط القوة لدى الدول العربية، خاصة عندما نتحدث عن قطر ومصر المنتجتين للغاز، والسعودية المنتجة للنفط، وحاجة الدول الغربية إلى هاتين السلعتين الاستراتيجيتين في ظل الأزمة الأوكرانية، وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن المقبلة إلى المنطقة هدفها زيادة إنتاج الطاقة، بغية إضعاف الموقف الروسي وتقوية الموقف الغربي، يتضح لنا بأن الدول العربية ربما تكون امتلكت، ولأول مرة، ورقة مهمة جدا للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، بما يخدم قضايا الأمة العربية، لذلك كلما كان الموقف العربي منسقا وموحدا ومستندا إلى نظرية أمن قومي عربي واحدة، كانت النتائج أكثر نضجا لصالح الجميع.
كاتب عراقي أستاذ في العلاقات الدولية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com