مقالات

ديكتاتورية الحزب الواحد… «حزب الفساد» العراقي.

بيدر ميديا.."

ديكتاتورية الحزب الواحد… «حزب الفساد» العراقي

هيفاء زنكنة
 

 

بلمسة تكاد تكون سحرية، أصبحت مشكلة العراق الوحيدة هي اختيار رئيس الجمهورية. سبقتها مشكلة الخلاف، صحبة التهديد والتفجير، بين الفائزين والخاسرين بالانتخابات. الانتخابات التي كان يفترض أن تكون حلا لمشاكل الطائفية والعرقية والفساد، تلبية لمطالب متظاهرين دفعوا ثمنها أرواح مئات الشهداء، أصبحت هي المشكلة. شهور من النزاعات الشرسة بين المشاركين في انتخابات لم يتجاوز المصوتون فيها العشرين بالمئة. أُختزلت العملية بمنصب رئيس الجمهورية والمنافسة بين اثنين هما وزير المالية السابق هوشيار زيباري (الحزب الديمقراطي الكردستاني) والرئيس الحالي برهم صالح (الاتحاد الوطني الكردستاني) تكريسا لمحاصصة أسسها الاحتلال ووكلاؤه، منحت منصب رئاسة الجمهورية للكرد. إلا أن دعوى قضائية رُفعت ضد زيباري أمام المحكمة الاتحادية أدت إلى تعليق ترشيحه «مؤقتا» الى حين البت بتهم تتعلق بالفساد، مع إبقاء المحاصصة حية ترزق، وهي أحد أوجه الفساد الكبير الذي يغمر العراق.
ذات الوجوه، تقريبا، التي اعتلت السلطة منذ ما يقارب العشرين عاما من الغزو والاحتلال بقيت ملتصقة بغراء الفساد الداخلي ودعمه الخارجي. من هو الفائز ومن هو الخاسر؟ من الذي يقرر وكيف؟ هل هي «الأغلبية» أم «التوافقية»؟ هل هي ما يسمى بالإطار التنسيقي (قيادة ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران مع حزب الدعوة) أم الكتلة الصدرية التي يتزعمها مقتدى الصدر وراثة عن أبيه الراحل، وبشكل غير مباشر عن «المهدي المنتظر»؟ «البيت الشيعي» أو نصف البيت الشيعي (ومفردة البيت بتونس تعني الغرفة وليس الدار كلها، ولعلها الأصح في الواقع السياسي العراقي)؟ التحالف السني والكردي مع نصف البيت الشيعي؟ لماذا يُصّنف الكردي كرديا وليس سنيا بينما السنة والشيعة ليسوا عربا كلهم؟ أسئلة ستبقى معلقة، بلا أجوبة، في فوضى استنباط المفردات والمصطلحات التجميلية التي يراد منها إخفاء الصديد المتفشي في جسد منظومة الحكم، وأساسه هو الفساد الحكومي، المؤسساتي، الممنهج، المُهدد لبنية المجتمع والعلاقات الإنسانية في البلد.
الملاحظ أن العراق لم يشهد، عبر تاريخه، انتشار مفردة كما « الفساد» مقابل تراجع مفردة « الوطن» باستثناء فترة مقاومة المحتل الأمريكي وأثناء انتفاضة تشرين/ أكتوبر 2019 التي كان شعارها «نريد وطن». الكل يتهم الكل بالفساد. الكل لديه ملفات، سرية، لفضح فساد الكل.
الساسة، الوزراء، رجال الدين، المرجعية الدينية (التي شرعنت نهب المال العام دينيا باعتباره «مجهول المالك» ما دام خُمسه يدفع لها ومشاريعها) التكنوقراط، وأجهزة الإعلام، الكل يُدين الفساد والكل منغمس فيه من أعلى راسه حتى أخمص قدميه. من أعلى سلطة سياسية إلى أصغر موظف في الدولة.

تمتع أعضاء «حزب الفساد» العراقي، بإثراء أنفسهم بمختلف الطرق: من الرشوة، وتوقيع العقود الزائفة، والابتزاز، والمحسوبية والمنسوبية، إلى الدعم السياسي

لعل أفضل مثال يُقّرب حجم الفساد بالعراق للأذهان، ومدى هيمنته على حياة الناس اليومية وبالتالي المستقبلية، هو اعتباره نظام حزب واحد، ذي تراتبية هرمية، تُجبر الكل على الانخراط في عضويته، كما في كل الأنظمة الشمولية، تقريبا، عن طريق استخدام سياسة الجزرة والعصا. حيث يُكافأ من ينضم اليه ويُروج له، ويعاقب من يرفض وينأى بنفسه رافضا المشاركة عن طريق الاختطاف والاعتقال والقتل. بهذه السياسة المنهجية، ازداد عدد أعضاء « حزب الفساد» اتسعت مظلته، تدريجيا، وانغرزت أكثر فأكثر في جسد المجتمع، وفق علاقة ديناميكية بين الفساد الأعلى وانخفاض الثقة الاجتماعية، وبالتالي زيادة الميل للانخراط في أنشطة فاسدة، خاصة في مجتمع كان منهكا أساسا، وليس لديه ما يكفي من القوة لمواجهة طبقة سياسية / دينية تتحكم بالمورد الاقتصادي الريعي أو ما بات يُسمى « لعنة الموارد الطبيعية» وفي حالة العراق «لعنة النفط». وكما هو معروف، يقلل الاقتصاد الريعي من حاجة النظام الى الشعب بشكل حقيقي مكتفيا بادعاء تمثيله تزويقيا، وترسيخ تصور، شائع، بأن الخدمات العامة هي خدمة من الدولة بدلاً من كونها حقا يمكن المطالبة به.
تمتع أعضاء «حزب الفساد» العراقي، بإثراء أنفسهم بمختلف الطرق: من الرشوة، وتوقيع العقود الزائفة، والابتزاز، والمحسوبية والمنسوبية، إلى الدعم السياسي. ساعدهم في ذلك، تمتعهم بالإفلات من المساءلة والعقاب، على مدى ما يقارب العشرين عاما الأخيرة. وما كان ذلك سيتم لولا توفر الدعم من منظمات ودول أجنبية، أما ساهمت بشكل فعال يتماشى مع أجندتها السياسية لإبقاء «حزب الفساد» في السلطة أو عن طريق غض الطرف عن ممارسات الفساد وتشجيع استمراره.
وعلى الرغم من إصدار المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، مئات التقارير عن تأثير الفساد السلبي المدمر على العراق، من عدة نواح من بينها عدم المساواة وتوفير الخدمات الأساسية، مما يؤثر على الفقراء بشكل غير متناسب، وكون الفقراء هم الأكثر عرضة لدفع الرشاوى لتسيير شؤون حياتهم اليومية وتوفير الضروريات، حيث أظهرت العديد من الدراسات، على مر السنين، ارتباطًا واضحًا بين زيادة الجريمة مع ارتفاع عدم المساواة الاقتصادية، وعلى الرغم من توثيق قائمة انعكاسات الفساد، الآنية وبعيدة المدى مثل انتشار شبكات الدعارة، والمخدرات، الجرائم بأنواعها، المتاجرة بالفتيات والأعضاء البشرية، تزوير الشهادات ( تم اكتشاف 40 ألف موظف حكومي، من بينهم وزراء، بشهادات مزورة) والانضمام إلى الميليشيات وأنواع المنظمات الإرهابية الأخرى، لا يزال عدد من الدول، على رأسها أمريكا وبريطانيا، يمد النظام بالدعم السياسي والإعلامي، مما يساعد على إستدامة وإعادة خلق، وتدوير الفساد، وترسيخ قوة الفاسدين. وهذا هو ما حصل أثناء اجراء الانتخابات ويستمر حاليا.
إن هذا الطابع المنهجي للفساد وحاجة النظام المتزايدة له، على اختلاف مكوناته، هو ما يجعله مترسخًا أكثر من بقية العوامل المؤثرة على المجتمع. أما المنافسة بين مكونات النظام، من أحزاب وميليشيات، عرب أو كرد، سنة أو شيعة، فإن جوهرها هو شراهة كل جهة منها لالتهام أقصى ما تستطيع من ثروة البلد، وبذلها كل الجهود الممكنة لنشر ثقافة الفساد.
وغالبا، ما تتدفق ثقافة الفساد المنسوجة بالإجرام، سواء كانت مؤسساتية أو سياسية، من أعلى إلى أسفل. وخلافا لما يُشاع، لا تضع الديمقراطية، حدا للفساد، مهما كان حجم الترويج لانتخاباتها. وعلينا الاعتراف بأن «حزب الفساد» الذي استطاع نهب360 ملياردولار من ثروة البلد، للترويج لحملته الانتخابية، واستهداف النسيج المجتمعي على مستوى البقاء والحقوق الأساسية، سيُتّوج إنجازاته برئيس جمهورية يليق به، كما الحكومة ورئاسة البرلمان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com