مقالات

الجماعات الإرهابية وجه آخر لتيار عنصري كاره للمسلمين.

بيدر ميديا .

عبدالحسين شعبان

الجماعات الإرهابية وجه آخر لتيار عنصري كاره للمسلمين

 

 

 

المفكّر العراقي شعبان إن تدني مستوى الثقافة أدّى إلى تأثير متعاظم للتنظيمات المتطرفة

*إسرائيل وتركيا وإيران تقود ثلاثة مشروعات تهدد المنطقة.

*العالم العربي تُلهيه الصراعات الثانوية عن مجابهة المخاطر الإقليمية الكبيرة.

*التنظيمات الإرهابية استغلت نزعات العنف في التراث الإسلامي

*تصريحات ماكرون تنم عن عقلية استعلائية

الأربعاء 11/نوفمبر/2020

أجرى الحوار: حنان عقيل – القاهرة

 

 

أيامٌ قليلة تفصلنا عن اليوم العالمي للتسامح الذي يحل في ١٦ نوفمبر من كل عام، بينما يموج العالم بصراعات شتّى، قوامها غياب التسامح، وفقدان القدرة على التحاور والتعايش بين الثقافات، وشيوع حالة من الاستعلائيّة في تعامل كل ثقافة مع تلك المغايرة لها، لتتعاظم الخلافات المُتكوّنة عبر التاريخ عقدًا بعد الآخر، مُشكِّلة أزمات لا تنتهي، قوامها التعصب الذي   قاد إلى ذيوع «الإرهاب» بمختلف أشكاله وتهديده لكل العالم.

التحديات التي يحيا العالم العربي في كنفها في ظل غياب ثقافة التسامح وشيوع العنف كانت محور حديث «الدستور» مع المفكر العراقي عبدالحسين شعبان، الذي   أولى اهتمامًا كبيرًا عبر مسيرته الفكريّة بقضايا العنف والإرهاب، إذ تعكس مؤلفاته انشغالات خاصة بالفكر القانوني والنزاعات، فضلًا عمّا قدمه من مساهمات فكرية وثقافية متميّزة في إطار التجديد والتنوير والحداثة، وقد كان «التسامح» بما يرتبط به من قضايا أحد أبرز اهتماماته، لا سيّما مع عمله كنائب رئيس في جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان في بيروت.

 

صدر للمفكر العراقي العديد من المؤلفات في السياسة الدولية، منها «بانوراما حرب الخليج»، و«النزاع العراقي – الإيراني»، و«المجتمع المدني: الوجه الآخر للسياسة»، و«الشعب يريد- تأملات فكرية في الربيع العربي»، وفي الصراع العربي  الإسرائيلي  صدرت له عدة مؤلفات، منها «الانتفاضة الفلسطينية وحقوق الإنسان»، و«القضايا الجديدة في الصراع العربي الإسرائيلي»، كما كتب في القضايا الفكرية عددًا من المؤلفات، منها «أمريكا والإسلام»، و«الإسلام وحقوق الإنسان»، و«الإسلام والإرهاب الدولي»، و«جدل الهوية والمواطنة في مجتمع متعدد الثقافات». انطلاقًا من كتابه الأحدث «في الحاجة إلى التسامح» ومرورًا بالعديد من التحديات الفكريّة التي يواجهها العالم العربي في الوقت الراهن.. جاء هذا الحوار الذي   تطرّق فيه المُفكر العراقي إلى جُملة من الأمراض الفكرية التي تنبغي مجابهتها، سعيًّا إلى تواصل بنّاء بين الثقافات يمكن من خلاله نبذ التعصب وسيادة فِكر التسامح.

استحوذ موضوع التسامح بما یرتبط به من قضایا على اهتمامك؛ ففي وقت سابق أصدرت كتابًا بعنوان «فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي»، ومؤخّرًا صدر لك كتاب «في الحاجة إلى التسامح: ثقافة القطیعة وثقافة التواصل».. إلى أي مدى تعتبر غیاب التسامح سببًا في إغراق العالم في مشكلات لا تنتهي من عنفٍ وتطرّفٍ وتعصب؟ وما معوّقات سیادة فكر التسامح برأیك؟

– أعتقد أنَّ غياب التسامح هو أحد الأسباب الأساسيّة التي أدّت إلى شيوع ظواهر التعصّب والتطرّف، فمع الأسف ما زال العالم يعاني من نقص فادح في ثقافة التسامح، على الرغم من أنه يحتفل كل عام في ١٦ نوفمبر باليوم العالمي للتسامح، الذي  أُقرَّ في العام ١٩٩٦ من قِبَل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي السنوات الأخيرة ارتفعت موجات العنف والإرهاب وعدم التسامح والعنصريّة، وكان بعضها من نتائج أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، بالإضافة إلى صعود تيّار شعبوي عنصري كاره للأجانب، وللعرب والمسلمين بشكل خاص، ليس هذا فحسب، بل إنَّ الجماعات الإرهابية، خصوصًا تنظيم القاعدة وفيما بعد داعش وأخواته، كانت الوجه الآخر لذلك، وقد انتعشت في ظلِّ ارتفاع منسوب التعصّب في العالم العربي، الذي   من نتائجه الصراع السنّي- الشيعي، إضافة إلى توتّرات دينيّة وإثنيّة.

ثمّة عقبات برأيي تحول دون سيادة التسامح، أوّلها: أنّ الدولة كمفهوم وممارسة ما زالت هشّة وضعيفة في العالم العربي، وتعاني في الكثير من الأحيان من نكوص بوجود مرجعيّات تحتها تريد أن تصبح ما فوقها أو موازية لها، مثل المرجعيّات الدينيّة أو الطائفيّة أو العشائريّة أو غيرها، فضلًا عن استمرار التأثيرات السلبيّة للحِقب الاستعماريّة، فلم تنشأ إرادة سياسيّة جماعيّة على مستوى الكيانيّة القائمة للاعتراف بقِيَم ومبادئ التسامح.

وثانيها: أنّ الثقافة العامة الفردية لا تزال متدنّية، بل غائبة، ففي بريطانيا مثلًا، حسب اليونسكو، فإن معدّل قراءة الفرد تزيد على ٤٥ كتابًا في العام، في حين أنَّ معدّل قراءة كل ٨٠ إنسانًا في العالم العربي هو كتاب واحد، وهكذا فالثقافة غائبة في الكثير من الأحيان عن المجتمعات العربية على المستوى العام والفردي، الأمر الذي   يعني أن مجموعات التعصّب والتطرّف يمكنها التأثير على أوساط غير قليلة بسبب هذا النقص الفادح في الثقافة، محرّكة كل ما هو غرائزي ضد الآخر.

انتقدت في كتابك حول «التسامح في الفكر الإسلامي» توظیف الإسلام خدمة لمصالح سیاسیة مثلما نجد لدى تیار الإسلام السیاسي.. إلى أي مدى یمكن القول إن السنوات الأخیرة قد كشفت بوضوح عن أسالیب ذلك التیار المخادع؟ وهل ثمة وجود محتمل له على خارطة المستقبل؟

– هناك ثلاثة تيّارات أساسية في الوطن العربي كان لها الدَّور الأكبر في تصدُّر المشهد السِّياسي خلال العقود السَّبعة الماضية على أقل تقدير، أولها: التيار اليساري والماركسي، وهو تيّار واسع وكبير ولديه نفوذ فكري وثقافي حتى بعد انحسار دوره بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وسقوط جدار برلين، وثانيها: التيّار القومي العربي، الذي   حكم في العديد من البلدان العربيّة، وحقَّق نجاحات لا بأس بها في المرحلة الأولى من التحرّر الوطني والمرحلة الثانية من التحوّل الاجتماعي، لكنه تراجع كثيرًا وحمل معه أخطاء الأنظمة التي حكمت هذه البلدان.

أما التيار الثالث فهو الإسلامي، وهو تيّار عريض وواسع، وقد ظلَّ معارضًا وكان ميله الأوّل إلى العنف منذ تأسيس حركة الإخوان في مصر عام ١٩٢٨، لكنّ في الثمانينيات تبدّلت بعض توجّهاته المعلنة، وإن ظلّ يضمر في داخله مسألة العنف، وما إن سنحت الفُرصة له للوصول إلى السُلطة بعد ثورة يناير العام ٢٠١١ حتى سعى لـ«أخونة» الدولة، و«أسلمة» الدستور، وعمل على توسيع نفوذه داخل الجيش وقوى الأمن، وحاول إقصاء كلّ مَن يعارضه، إلّا أنّه لم يستمر طويلًا، فسرعان ما اندلعت حركة احتجاج ثوريّة كبرى ضدّه شملت الملايين من البشر للإطاحة به، وكان لتحرّك الجيش المصري الدور الأكبر في طي هذه الصفحة في ٣ يوليو ٢٠١٣.

وعلينا أن نأخذ هذه الظواهر مع بعضها، فالأفكار الشموليّة الدينيّة أو اليساريّة أو القوميّة وبغضّ النظر عن مسمّياتها، فإنها لا تقبل ولا تعترف بمبادئ التسامح أو بحقوق الغير، وذلك بزعم امتلاكها الحقيقة وادّعائها الأفضليّات، في حين أنَّ الليبرالية الجديدة ونسختها العربيّة المشوّهة، لم يتورّع بعض فُرسانها من الدعوة لاحتلال بلدانهم بزعم إقامة أنظمة ديمقراطية لمواجهة الاستبداد، لأنها عاجزة وحدها عن إنجاز هذه المهمّة، زاعمة أنّ «العامل الدولي» أصبح حاسمًا في التطور الديمقراطي.

شخصيًّا لست مع إقصاء أي تيّار أو أي مجموعة، وعلى الرغم من أنّني لا أؤيّد تيار الإسلام السياسي، لكنني سأقف مدافعًا عنه وعن حقّه في الحكم إذا وصل إلى السلطة عن طريق صندوق الاقتراع وبظروف سلميّة واعتيادية؛ ولكن لا بدّ من ضوابط تحدّد أُسسًا موضوعيّة وذاتيّة لممارسة العمل السياسي.

أول تلك الضوابط: نبذ استخدام العنف وتحريمه، وثانيها: منع تأسيس الأحزاب والجمعيات على أساس ديني أو طائفي أو عنصري، وثالثها: عدم اللجوء إلى استخدام السلاح عند حلّ الخلافات أو العمل العسكري أو المسلّح، ورابعها: الامتناع عن اللجوء إلى العمل السرّي واحترام القوانين والأنظمة النافذة، وخامسها: تقديم الولاء الوطني على أي ولاء آخر، الأمر الذي   يقتضي قطع الامتدادات والارتباطات الخارجيّة ذات الصبغة التنظيميّة أو الولائيّة.

في ظل ذلك الاستغلال للدین من قِبل القوى الظلامیة أو الطامعة في تحقیق مكاسب سیاسیة برزت الحاجة إلى تجدید الخطاب الدیني لمواجهة جملة الأفكار المغلوطة.. من برأیك يمكنه أن یضطلع بتلك المهمّة؟ ولِم تغیب قوى التنویر عن تلك المهمّة؟

– قبل تجديد الخطاب الدِّيني نحن نحتاج إلى إصلاح الفكر الديني والمجال الدّيني والحقل الدّيني، بما فيه من مؤسّسات ومعاهد ومدارس ودُور عبادة، إذْ لا يمكن تجديد الخطاب دون تجديد الفكر، كما أن أي إصلاح، حسب توماس هوبز، سيكون مفتاحه إصلاح الفكر الدّيني.

بتقديري أنّ المثقّفين والمفكّرين، أي منتجي الأفكار، هم من ينبغي أن يضطلعوا بمهمّة النقد ومعهم الفاعلون السياسيّون والمدنيّون وكلّ من يدعو إلى التسامح، ولا أحد يعفي نفسه من هذه المسئولية، ونحن جميعًا بحاجة إلى قراءة جديدة، بل إعادة قراءة لتاريخنا وبجوانب مهمّة من الفكر العربي الإسلامي للوصول إلى مرافئ الحقيقة دون تضخيم للذات أو انتقاص منها ودون تنديد أو تبديد، ولكن بروح النقد والنقد الذاتي، فتاريخنا فيه ما هو مشرق ومشرّف ونبيل، وفيه ما هو سلبي وخاطئ وعاطل.

لِمَ أخفق المثقّفون العرب في تقدیم خطاب مُقنع وبدیل لتلك الخطابات المختبئة خلف ستار الدین برأیك؟

–  ينبغي أن يكون للمثقف رأى بما ينسجم مع العقل، وهو أساس المحاججة، فلا دِين دون عقل ولا فقه حقيقيًا دون الواقع، وكل تعارض مع العقل سيكون تعارضًا مع الواقع، ولا ينبغي أن يكون الصراع بين الإسلاميّين والعلمانيّين على المستقبل أو على قيم السماء، فهذه أمور في علم الغيب، وينبغي أن يكون النّقاش والجدل والاتفاق على الحاضر وعلى الوسائل الملموسة، فلا غاية شريفة دون وسيلة شريفة.

ما يمكن الاتفاق عليه بين الإسلاميّين والعلمانيّين هو حقوق الناس في العمل والصحّة والتعليم والحرّيات، وكلّ ما يتعلّق بمطالب الناس الحيوية الآنيّة المباشرة من خدمات ومصالح، أمّا الأفكار والرؤى الفلسفية المادّية والمثالية فهي تبقى مختلفة، ولكل حقّه في التفكير والدعوة لأفكاره بالوسائل السلميّة، وتلك من طبيعة الأشياء.

ما رأیك بالأطروحات التي تشیر إلى أن الثقافة العربیة والإسلامیة تحمل بذور العنف بداخلها، ومن ثمَّ فعلى عاتقها تقع مسئولیة انتشار التنظیمات الإرهابية؟

–  في كل ثقافة هناك جذور للعنف، ولو فتّشت في جذور الثقافة المسيحيّة الأوروبية والغربية، ستجدين العنف مستشريًا إلى حدود كبيرة فكرًا وممارسة، سواء ضد الإسلام منذ الحروب الصليبية «حروب الفرنجة» ذات الأهداف الاستعماريّة لفرض النفوذ والهيمنة واستعباد الشعوب، إضافة إلى حروب الطوائف بين الكاثوليك والبروتستانت، وحرب الثلاثين عامًا، وهي سلسلة من الحروب والصراعات دينيّة وطائفيّة بالدرجة الأولى.

نعم توجد نزعات عنيفة في الثّقافة العربيّة، الإسلامية، وهي غير قليلة، وتفسيرات وقراءات وتأويلات ماضويّة استغلّتها التنظيمات الإرهابية، فقد كان تشكيل تنظيم القاعدة الذي   انطلق منه «الأفغان العرب» وصولًا إلى انبثاق تنظيم داعش، التعبير المتطوّر للفكر الإرهابي المستند إلى التعاليم الدينية، الذي   يقوم على فكرة أساسية ملخّصها استبدال «حكم الدولة» بـ«حكم الله»، ولعلّ الفارق بين القاعدة وداعش أن الأخير بنى استراتيجياته على احتلال الأراضي والاحتفاظ بها وإقامة كيان فيها مثّل نواة دولة «الخلافة»، ولهذا قام بتمزيق الحدود «الاستعمارية»، التي تشكّلت وفقًا لاتفاقية سايكس بيكو في أعقاب انحلال الدولة العثمانية.
وقد استغل التيار «الإسلامي» أو الإسلاموي صراعه مع السلطات الحاكمة، تحت منابر مختلفة ومتنوعة، بعضها علني والآخر شبه علني أو حتى سرّي، ابتداءً من المساجد والجوامع ومرورًا بالجمعيات الخيرية والاجتماعية والمناسبات الدينية إلى استخدام نصوص الدساتير والقوانين النافذة، مستفيدًا من مهادنة السلطات ومداهنتها له، بحجّة عدم استفزازه وتجنّب التعرّض له، بل ومجاملته حدّ التزلّف أحيانًا ليرضى عنها.

في هذا الصدد، ذكرت في كتابك «فقه التسامح في الفكر الإسلامي» أن البلدان الغربیة أسهمت في دعم التیارات الأصولیة المتعصبة وتأجیج الإسلاموفوبیا لتحقیق مصالحها.. كیف یمكن الفكاك من تغول الإرهاب في ظل ذلك الوضع؟ وكیف یمكن تحقیق قیم التعایش والتعددیة الثقافیة في ظل لعبة المصالح تلك؟

– الإرهاب ظاهرة عابرة للحدود ولا يمكن تحديدها بجغرافيا أو دين أو قوميّة أو أمّة أو جماعة بشريّة، إنها ظاهرة عالميّة، لقد كانت الدعاية الغربية في السابق تروّج إلى أن موسكو مصدره، وهذا هو الإرهاب الأحمر الذي مقرّه بيروت وذراعه الضاربة المقاومة الفلسطينية، في محاولة لإحداث نوع من الالتباس والإبهام والغموض بين الإرهاب والمقاومة، علمًا بأنّ القانون الدولي يقرّ بالحق في مقاومة الاحتلال لتحرير الأراضي والحق في تقرير المصير ونيل الاستقلال.

وبعد انهيار الشيوعيّة روّجت الدعاية الغربية للإرهاب الأخضر، وهو الإرهاب الإسلامي معتبرة أنّ الإسلام دين يحضّ على العنف والإرهاب، وراح فرانسيس فوكوياما وبعده صموئيل هنتجتون يدعوان لنظريّتَي نهاية التاريخ وصِدام الحضارات لدخول العصر الجديد الليبرالي بعد انهيار الشيوعيّة، معتبرين أن الصراع بين الحضارة الغربية المسيحية اليهودية الليبرالية وبين الحضارات الأخرى، ولا سيّما الحضارة العربية الإسلامية والكونفوشيوسية والبوذية وغيرها، ثمّ جاء الإرهاب الأسود الداعشي وتحت عنوان يُراد منه إذلال شعوب والتصرّف بمصائرها، حيث جرت وتجرى محاولات الابتزاز وفرض الهيمنة، ولا تزال «الإسلاموفيا» «الرّهاب من الإسلام» والعداء له قائمة في الغرب، يقابلها «الويستفوبيا» أي «الرّهاب من الغرب» لدينا واعتبار كلّ ما فيه شرٌّ مطلق ينبغي تدميره وهي الأطروحة الداعشية.

إن محاربة الإرهاب على المستوى الداخلي تتطلّب أولًا وقبل كل شيء المصالحة بين الدولة والمواطن، بحيث لا تعتبر الدولة كل نقد عداء لها، ولا ينبغي أن تندمج السلطة بالدولة وتتغوّل عليها، وعلى المواطن ألا يعتبر الدولة عدوًا، بل إنها بخدمته ورعايته بعد توفير حمايته، وبالتالي فإنَّ عليها واجبات، مثلما له حقوق عليه، وهذه معادلة مهمّة لتطويق الإرهاب واقعيًا بالمواطنة المتكافئة والسليمة ومبادئ المساواة والعدالة والشراكة واحترام الحقوق الجماعية والفردية، وحين يحصل ذلك فإنّ القوى الإمبريالية والإقليمية بأطماعهما المختلفة لا يمكنها اختراق سيادة البلاد وحُرمة أراضيها لا سيّما بتحقيق العيش المشترك أو العيش معًا باحترام التعدّدية والتنوّع والهويّات الفرعية بأبعادها الثقافية المختلفة الدينيّة والإثنيّة واللّغويّة والسلاليّة وغيرها.
أمّا على المستوى الدولي فيحتاج الأمر إلى إصلاح نظام العلاقات الدوليّة، بحيث يكون أكثر عدالة، وهذا يتطلّب جهدًا جماعيًا لإحلال قيم التسامح والسلام التي جاء بها ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما احترام مبادئ السيادة وحق تقرير المصير وعدم التدخل بالشئون الداخلية، والمساواة بين الدول كبيرها وصغيرها، وعدم استخدام القوّة أو التهديد بها لحلّ الخلافات واللجوء إلى الحلول السلمية، وغير ذلك.

في كتابك «الهويّة والمواطنة» قلت إن «الدیمقراطیات الغربیة أمام مفترق الطرق، إما احترام الخصوصیات والهويَّات الفرعیة، وإما العمل على الصَّهر والدَّمْج».. من هذا المنطلق، كیف تقرأ تصریحات الرئیس الفرنسي بخصوص التصدي للانعزالیة الإسلامیة، هل تعتبر مواقفه الأخیرة دالّة على عدم احترام الهويّة الإسلامیة؟

– تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون بعد حوادث العنف الإرهابية التي حصلت في فرنسا ناجمة عن عقليّة استعلائيّة. أولًا، لاتهاماتها الإسلام والمسلمين بالجملة، فضلًا عن الثقافة العربية، الإسلامية، وثانيًا: لدمغها العمل الإرهابي بوصفه إرهابًا إسلاميًا، ومثل هذا الأمر يقع فيه كثيرون، فالإرهاب بغضّ النظر عن مسمّياته هو إرهاب أي عمل عنفي يؤدّي إلى خلق رعب في مجموعة من السكان لأغراض دينية أو قوميّة أو أيديولوجية أو غير ذلك، سواء كان في فرنسا أو في العراق أو في الصومال أو لبنان أو تل أبيب، من يقوم بذلك هم إرهابيّون بغض النظر عن دينهم ولون بشرتهم وأصلهم وقوميّتهم، والأمر يحتاج إلى فك اشتباك فكري ونظري وعملي في الوقت نفسه.

قلت إن العالم العربي لدیه كل ما يؤهله لیكون قوة إقلیمیة كبرى في مواجهة المشاریع الصهيونية والتركیة والإیرانیة.. لِمَ أخفق العالم العربي طوال عقود في تحقیق ذلك؟ وهل تتوقع أن یتحقق ذلك في ضوء إرث أزمات القرن العشرین الثقیل والمعطیات الراهنة؟

– إنّ سبب إخفاق العالم العربي في مواجهة المشاريع الصهيونيّة والتركية والإيرانية، وإن كانت هناك فوارق بينها، يعود إلى غياب الحد الأدنى من التضامن العربي، فالعالم العربي يعيش حالة من التشتّت والتباعد، الأمر الذي   سهل للقوى الطامعة والمتربّصة استغلال ضعفه، وفي مقدّمتها «إسرائيل» العدوّ الأساسي للأمّة العربية ولمشروع التقدّم والتنمية في المنطقة.

هناك ثلاثة مشاريع في المنطقة أخطرها المشروع الإسرائيلي التوسّعي الإجلائي الإحلالي، وثانيها: المشروع التركي الأيديولوجي القومي ذو الخلفية الإمبراطورية العثمانية، وثالثها: المشروع الإيراني الأيديولوجي القومي ذو الخلفيّة الإمبراطوريّة الصفويّة، والمشاريع الثلاثة وإن اختلفت أهدافها، إلّا أنها ليست بعيدة عن التستّر بالدِّين.

إسرائيل تدعو لدولة يهوديّة نقيّة وتريد طرد الفلسطينيين، وتركيا تريد التمدّد لإحياء الإمبراطورية القديمة، والمثال على ذلك دورها في مصر وفي شرق المتوسط، اليونان وقبرص وفي ليبيا، وإيران تريد عواصم عربية خط دفاع لها، ولهذا تسعى إلى مناطق نفوذ، أما العالم العربي برغم مؤهلاته، فإنه متباعد تطحنه الصراعات الثانوية على حساب الصراع الأساسي مع العدو الصهيوني ونزاعاته مع المشاريع الإقليمية، بما فيها محاولة إثيوبيا بناء سدّ النهضة لحرمان مصر والسودان من حقوقهما المائية.

لا أعتقد أن الأوضاع ستستمر إلى ما لا نهاية على ما هي عليه، ولا بدّ من نهوض جديد للقوى الحيّة في جميع البلدان العربية في إطار المصالح العليا المشتركة، فالعالم العربي يمثّل موقفًا استراتيجيًا مهمًا، وهو إضافة إلى كونه مهد الحضارات والرُّسل والأنبياء، فإنّ فيه موارد طبيعيّة وأنهارًا وثروات لا حدود لها، ويمكن استثمارها لما يزيد عن عدد سكّانه الذين يقاربون اليوم نحو على ٤٥٠ مليون إنسان، حيث التاريخ المشترك واللغة المشتركة والأديان المشتركة والمزاج المشترك والمصير المشترك، إضافة إلى التراث القومي واللّغوي والثقافي والعقول والطاقات البشرية والبشر المُبدعين الذين كان لهم شأن عظيم على مرّ التاريخ.

منذ بدایة التسعینیات طرح فوكویاما نظريّته حول نهاية التاریخ، وتحدث عن تحدیات ثلاثة تواجه العالم: اللجوء، النفط، الإرهاب.. إلى أي مدى یمكن القول إن الإشكالیات الثلاث هي التي تتمحور حولها الصراعات حالیًا في العالم؟ وما السبیل للفكاك منها؟

– ما قاله فوكوياما صحيح جدًا، وإنْ كان كلامه حقًا يُراد به باطل: فالنفط محور الصراع السياسي والاجتماعي في المنطقة وفي الحرب العالمية الأولى قيل مَن يضع يده على النفط يستولي على العالم، ولا يزال هذا القول إلى حدّ ما صحيحًا، ولعلّ الماء اليوم مثل النفط، وقد قال السياسي التركي توركت أوزال في وقت مبكر «سيأتي يوم نبدّل فيه برميل مائنا ببرميل النفط». أمّا الإرهاب فهو مشكلة عالمية بسبب غياب العدالة في نظام العلاقات الدوليّة، حيث هناك الجنوب الفقير والشّمال الغني، وإذا لم يتحمل الشمال الغنّي مسؤولياته إزاء الجنوب، فإن القنبلة الديموغرافية والانتقال من الجنوب إلى الشمال سينفجران بما لا تحمد عقباه، الأمر يحتاج إلى تعاون دولي لمساعدة البلدان الفقيرة، وبقدر ما يتمّ ذلك فإنها ستتمكن من الحدِّ من ظاهرة اللجوء التي أخذت تتهدّد أوروبا والعالم، حيث تعتبر المنطقة العربية الأكثر مصدّرًا للجوء، إضافة إلى النازحين بسبب النزاعات والحروب، وعلينا ملاحظة ما يجري في سوريا وليبيا واليمن، ناهيك عن العراق ولبنان، وقبل ذلك السودان لنرى ماذا يعني استنزاف هذه البلدان وما سيتركه على المستقبل.

رئيس مجلسى الإدارة والتحرير                                                                                                                                                                                                                             

د. محمد الباز                                                                                                                                                                                                                                                   

رئيس التحرير التنفيذي                                                                                                                                                                                                                                       

محمد العسيري

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This site is protected by wp-copyrightpro.com